قضاء مصر يختتم 2025 بانتهاكات للقانون وأحكام قاسية بحق طفلين وسيدة

وثقت منظمات حقوقية تعرض أكثر من 20 ألف معتقل للإخفاء القسري قبل ظهورهم في النيابة أو اختفائهم تماما منذ الانقلاب- جيتي
وثقت منظمات حقوقية تعرض أكثر من 20 ألف معتقل للإخفاء القسري قبل ظهورهم في النيابة أو اختفائهم تماما منذ الانقلاب- جيتي
شارك الخبر
لم يشهد العام 2025، خروجا عن المشهد الحقوقي المصري المألوف منذ الانقلاب العسكري الذي قاده رئيس النظام الحالي عبدالفتاح السيسي، 3 تموز/ يوليو 2013، وفرض منذ ذلك الحين طوقا أمنيا غليظا على معارضيه، واعتقل أكثر من 120 ألف مصري يقبع منهم حتى الآن نحو 60 ألفا في حوالي 100 سجن.

ختام سيء بأحكام صادمة
وتختتم السلطات القضائية المصرية عام 2025، بمجموعة من الأحكام القضائية القاسية، بينها حكم "الدائرة الأولى إرهاب" الأربعاء، بسجن سيدة معتقلة لمدة 3 سنوات بتهمة الانضمام لجماعة إرهابية وبث أخبار وصور داعمة للجماعة. وذلك إلى جانب حكمين صادمين بحق طفلين مصريين (أقل من 18 عاما)، بدعوى إنشاء صفحات إلكترونية عبر الإنترنت وقيادة والانتماء لجماعة إرهابية في (القضية رقم 4240 لسنة 2024).

والثلاثاء قبل الأخير من العام المنصرم، عاقبت "محكمة الطفل" بمدينة بنها (شمال القاهرة)، طفلين أحدهما محمد عماد محمد (مصري أمريكي الجنسية)، فيما لم يُعرف اسم الثاني، بالسجن لمدة 10 سنوات، بعد نحو 16 شهرا من الاعتقال تعرضا خلالهما لضغوط نفسية وبدنية دون مراعاة لسنهما.

اظهار أخبار متعلقة


وفجر 26 آب/ أغسطس 2024، اعتقل الأمن الوطني الطفل محمد عماد، الطالب بالصف الأول الثانوي (16 عاما)، وتعرض للإخفاء القسري مدة 11 يوما، لتوجه له نيابة أمن الدولة العليا، لاحقا، تهم "إنشاء واستخدام موقعا إلكترونيا، وصفحات على منصات التواصل الاجتماعي، لترويج أفكار تدعو للتجمهر، واستخدام العنف، وتحريض المواطنين على الامتناع عن إيداع أموالهم بالبنوك، أو سداد الضرائب".

مخالفات قانونية صارخة
ردود فعل واسعة غاضبة، وانتقادات حقوقية، كشف عن مخالفات للقانون، ولقانون الطفل، ولقواعد المحاكمات العادلة، مؤكدة أن الحكم مؤشر على انهيار منظومة العدالة، ويأتي رغم أن نظام قضاء الأحداث في مصر يستمد أحكامه من قانون الطفل (رقم 12 لسنة 1996) والمعدل بالقانون (رقم 126 لسنة 2008)، الذي يتبنى فلسفة "الإصلاح والتقويم" بدلا من العقاب مراعاة للمرحلة العمرية، وأمام محكمة الطفل وبشروط خاصة.

ورصدت "الشبكة المصرية لحقوق الإنسان"، مخالفات المحاكمة، قائلة إنها "افتقرت لأدنى معايير المحاكمة العادلة، وعُقدت خلال 35 يوما وبعدد جلسات سريعة، دون تلبية المطالب العادلة والمستحقة لمحامي الطفلين"، مؤكدة أن  الحكم القاسي الصادم، "قائم على ادعاءات واتهامات غير منطقية، باتهام طفلين بالإرهاب، لممارستهما ألعاب الفيديو الإلكترونية".



وكشفت "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، عن مخالفات قانونية صارخة ارتكبها الأمن والنيابة، ورأت أنه كان يجب صدور حكم ببراءة الطفلين لعدم معقولية الاتهامات، أو توفر أدلة قاطعة تدين أيا منهما، إلى جانب الانتهاكات التي تعرضا لها بداية من القبض عليهما.


أحكام قاسية وقضاء استثنائي
والثلاثاء، أيضا وفي حكم ثاني أصدرت الدائرة الأولى إرهاب المنعقدة بمجمع محاكم بدر شرق القاهرة، حكما بالسجن المشدد 15 عاما لـ3 متهمين، والمؤبد لاثنين غيابيا وبالسجن المشدد 10 سنوات لـ8 متهمين حضوريا والمؤبد للغيابي.



والاثنين الماضي، وفي حكمين آخرين أكثر قسوة، أصدرت ذات الدائرة "الأولى إرهاب"، حكما بالسجن المؤبد (25 عاما) على 8 معتقلين، وبالسجن المشدد (15 عاما) على 8 آخرين، بتهم الانضمام إلى جماعة إرهابية.

"منظمة عدالة لحقوق الإنسان"، قالت إن "هذه القضية ذات طابع سياسي، وقائمة على تحريات الأمن الوطني، دون وجود أدلة جدية أو قرائن قانونية كافية"، مؤكدة أن "الحكم صدر عن قضاء استثنائي غير طبيعي، في محاكمات تفتقر لمعايير الاستقلال والحياد، وتُدار بمنطق أمني لا قضائي".



ومع بداية عام جديد، تبدو صورة الإنسان المصري الحقوقية خالية من أية حقوق، فيما تتفاقم حالة الغضب الشعبي، بسبب القمع الأمني الذي يعيشه المصريون والقيود المفروضة على الحريات والتعبير عن الرأي، والتضييق على المجال العام، واستمرار عمليات الاعتقال بحق ذوي المعتقلين التي طالت بشكل مفرط مؤخرا النساء.

وهي أزمات تضاف إلى تفاقم الأزمات الحياتية والمعيشية وزيادة معدلات الفقر وتراجع الدخول وسط قرارات حكومية متتابعة برفع أسعار السلع والخدمات وتقليص دعم الوقود والكهرباء وغيرها من السلع والخدمات الأساسية.

اظهار أخبار متعلقة


وضع شديد الظلمة
السياسي والبرلماني المصري السابق الدكتور عز الدين الكومي، قال لـ"عربي21"، معلقا على تلك الأحكام، إن "الوضع مزري ويدعو للاشمئزاز، وبكل القوانين محاكمة الأطفال لا تكون بهذه الطريقة"، متسائلا: "عن حقوق الطفل؟"، موضحا أنه "لو ارتكب جريمة فله حقوق ومعاملة قانونية خاصة يكفلها القانون، ويظل بعيدا عن الأحكام القضائية المغلظة".

وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشورى المصري سابقا، يرى أن "هذه الأحكام جائرة وظالمة بحق أطفال بعمر الزهور، وأنها نهاية مأساوية للعام الذي شهد أحكاما جائرة وظالمة، وإن كان شهد الإفراج عن الناشط علاء عبدالفتاح، ولكن هذا لا ينفي أننا نعيش أسوأ فترات مصر بحقوق الإنسان باعتراف المنظمات الدولية".

وعن رؤيته لمستقبل الملف الحقوقي وتجميد وضع المعتقلين لأكثر من 12 عاما، أكد أن "النظام لا يسمع، واعتمد طريقة واحدة للتعامل مع المصريين لحماية نفسه وهي القبضة الأمنية والتي أدت إلى كوارث بعهود جمال عبدالناصر، وأنور السادات، وحسني مبارك".

ووصف فترة حكم السيسي، بـ"الاثنى عشرية السوداء منذ عام 2013"، ملمحا إلى أن "انتهاكات حقوق الإنسان لا حصر لها، واعتقال النساء والحكم عليهن بأحكام جائرة لم ينته منذ 2013، وتحول مؤخرا ليتخذا صورة أشد وأقسى بزعم دعم أسر المعتقلين"، مؤكدا أنه "وضع لا يمكن السكوت عليه مع الوضع الاقتصادي المزري".

وأشار إلى أن "النظام يعتمد على ما يصله من دعم غربي أوروبي أمريكي ودعم خليجي، مقابل حراسة كيان الاحتلال، وحراسة شواطئ أوروبا الجنوبية"، خاتما بقوله: "لذلك لا يوجد ما يدعو للتفاؤل بحدوث شيء لحلحلة ملف حقوق الإنسان بل إن الوضع مظلم شديد الظلمة".

اظهار أخبار متعلقة


ملف شائك.. وأرقام مؤلمة
وتحتل مصر بمؤشر "سيادة القانون" المركز 135 من 142 دولة، والمركز الأخير بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفي معيار "الحكومة المفتوحة" (الذي يقيس الشفافية والمساءلة)، تذيلت الترتيب الإقليمي، لذا يرى حقوقيون أنه من الصعب الحصول على إحصاءات رسمية دقيقة وشاملة لعدد المعتقلين السياسيين الذين تعتبرهم الدولة "محتجزين على ذمة قضايا جنائية أو إرهابية".

وبناء على تقارير منظمات "العفو الدولية"، و"هيومن رايتس ووتش"، و"الجبهة المصرية لحقوق الإنسان"، و"المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، وغيرها فإن أعداد المعتقلين السياسيين تتعدى 60 ألف معتقل منذ عام 2016، بينهم وحوالي 37 ألف معتقل في حبس احتياطي مطول، كعقوبة دون محاكمة فيما تصدر نيابة أمن الدولة العليا مئات القرارات شهريا بـ"تدوير المعتقلين"، (إعادة حبس المفرج عنهم بتهم وقضايا جديدة).

والأربعاء، جددت "الدائرة الثانية إرهاب"، تجديد حبس القيادي العمالي شادي محمد بـ"قضية بانر دعم فلسطين"، وذلك بعد 20 شهرا من حبسه احتياطيا، فيما أجلت "جنايات القاهرة" وبعد 7 سنوات من الحبس الاحتياطي، محاكمة المحامية هدى عبدالمنعم وعائشة الشاطر إلى شباط/ فبراير 2026.

ويلفت "مركز الشهاب لحقوق الإنسان"، إلى أنه "على مدار 9 سنوات من الانتهاكات، تعرض الشاب أحمد صبري ناصف لسلسلة ملاحقات أمنية، وجرى اتهامه والتحقيق معه بـ10 قضايا متتالية تكاد تتطابق في اتهاماتها، وخلال الفترة، تكرر اخفاؤه قسريا، قبل عرضه على جهات التحقيق في كل مرة يصدر فيها قرار بإخلاء سبيله"، مشيرة لاستمرار حبسه رغم ذلك.



وتعد مصر من أكثر الدول تنفيذا وإصدارا لأحكام الإعدام بالمنطقة، وأصدرت منذ 2013 وحتى 2025 أكثر من 3500 حكما بين جنائي وسياسي، جرى تنفيذ بين 500 إلى 600 حالة منها 105 بقضايا ذات طابع سياسي، فيما شهد النصف الأول من 2025 وحده، صدور أحكام إعدام بحق 269 متهما بقضايا مختلفة.

وببدلة الإعدام الحمراء، وفي زنزانة انفرادية يكمل الخميس، المتحدث الرسمي السابق باسم جماعة الإخوان المسلمين الدكتور أحمد عارف، عامه الـ44، بسجن (بدر 3)، بعد أكثر من 12 عاما من الاعتقال والحبس الانفرادي.



ومع آلاف الأحكام بالسجن المؤبد والمشدد، يعاني آلاف المعتقلين من أوضاع غير قانونية ولا إنسانية مع الإهمال الطبي المتعمد، كمنع الدواء، والنقل للمستشفيات، والتكدس وسوء التهوية، والتعذيب البدني، والتي تؤدي جميعها لتفاقم وفيات السجون.

وتشير منظمة "هيومن رايتس إيجيبت"، إلى معاناة المعتقل وليد أحمد الزندحي، من نزيف شرجي مزمن، مصحوبا بآلام حادة وفقدان مستمر للدم، دون إخضاعه لأي فحوصات طبية أو توفير علاج مناسب، ما يهدد حياته بشكل مباشر.



وكشفت ذات المنظمة في كانون الأول/ ديسمبر 2025 أن عدد الوفيات بمقار الاحتجاز بلغ 1266 حالة منذ منتصف 2013، وتؤكد تقديرات أن 70 بالمئة من وفيات السجون تعود لمعارضين سياسيين، جزء كبير منهم من قيادات وكوادر جماعة الإخوان المسلمين.

وحتى نهاية عام 2025، وثقت منظمات حقوقية تعرض أكثر من 20 ألف معتقل للإخفاء القسري قبل ظهورهم في النيابة أو اختفائهم تماما، وهي أرقام تمثل الحد الأدنى الموثق بالأسماء والوقائع من قبل المراكز الحقوقية، بينما الأرقام الحقيقية أكبر بكثير.

وفي هذا الإطار يشير "مركز الشهاب لحقوق الإنسان"، إلى أنه وللعام الثامن تواصل السلطات اخفاء المعتل رضا عيسوي، منذ 27 كانون الأول/ ديسمبر 2017، من قرية المشاعلة مركز أبوكبير  محافظة الشرقية.
التعليقات (0)