لم
يكن جديدا كليا ما أعلنه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في البرلمان التركي يوم
الجمعة من إجراءات ضد الكيان الصهيوني، فهذه الإجراءات تمت بالفعل خلال الفترة
الماضية تباعا، في إطار تصعيد تركي متدرج ومحسوب يتحرك على وقع تصاعد العدوان
الإسرائيلي
من جهة وتصاعد الغضب الشعبي التركي من جهة أخرى، حتى وصل إلى هذه الحزمة التي
أعلنها الوزير، وتضمنت وقف التجارة بشكل كامل، ومنع عبور السفن، ومنع عبور
الطائرات الرسمية والحربية من المجال الجوي.. إلخ.
هذه
الإجراءات هي الأقوى حتى الآن بين كل الدول الإسلامية، ولكنها لا تزال أقل من
المأمول من
تركيا التي تعتبر القوة السياسة والعسكرية الإسلامية الأقوى، والأقرب
إلى فلسطين (الجيش التركي التاسع عالميا، وفي الاقتصاد ضمن مجموعة العشرين الكبرى).
وهناك دول إسلامية أخرى أكثر عددا مثل إندونيسيا وباكستان ونيجيريا، وهناك دول
تمتلك فوائض مالية كبيرة مثل السعودية وماليزيا، ودول خليجية أخرى، وهناك دول أكثر
التصاقا بفلسطين (
مصر والأردن وسوريا، ودعك من لبنان الجريح).. كل تلك الدول لم
تتخذ إجراءات قوية في مكنتها وكفيلة بوقف العدوان الإسرائيلي.
تبدو الشعارات التي يرفعها الرئيس أردوغان ومساعدوه أكبر من الإجراءات العملية المتخذة، وهنا يأتي العتب من المحبين، والتنمر من المبغضين
الموقف
التركي الشعبي سابق بخطوات للموقف الرسمي؛ المظاهرات بأشكال مختلفة لا تتوقف، والأحزاب
السياسية سواء المنضوية ضمن التحالف الحاكم أو الأحزاب المعارضة تتنافس في إبراز
تضامنها مع
غزة، ورفضها للعدوان، وتزايد المعارضة على التحالف الحاكم في البرلمان
وعبر الإعلام، وهي مزايدة حسنة ولصالح غزة في كل الأحوال، فالبرلمان عقد جلسته
الاستثنائية الأخيرة (يوم الجمعة الماضي) بناء على طلب 7 أحزاب معارضة يتقدمها حزب
الشعب الجمهوري، والذي دعا رئيسه في كلمته أيضا إلى تشكيل وفد حزبي واسع يتقدمه رؤساء
الأحزاب وقادتها لزيارة غزة.
تبدو
الشعارات التي يرفعها الرئيس أردوغان ومساعدوه أكبر من الإجراءات العملية المتخذة،
وهنا يأتي العتب من المحبين، والتنمر من المبغضين. لا نستطيع الغوص في النوايا
فأمرها إلى الله، لكن للسياسة تعقيدات كبيرة تحول دون تحويل كل الشعارات إلى
إجراءات، ومع ذلك يبقى الواجب قائما على تركيا كما غيرها من الدول العربية
والإسلامية لبذل كل جهد ممكن لإنقاذ غزة من العدوان والتدمير والإبادة والتجويع، والضرب
بعرض الحائط المواءمات السياسية الأخرى؛ فهي لا تساوي شيئا أمام فناء شعب شقيق
أمام أعيننا. ومن الواضح أن تركيا تخففت كثيرا من المواءمات رغم عضويتها في حلف
الناتو، وهي تهيئ نفسها لمواجهة عدوان إسرائيلي مباشر، ولذا فقد شرعت في بناء ملاجئ
في جميع ولاياتها، كما أنها تهيئ جبهتها الداخلية استعدادا للحرب المحتملة.
ميزة
المشهد التركي أنه يتمتع بقدر كبير من الحيوية، والرقابة الشعبية، فحين تعلن
الحكومة عن إجراءات معينة ضد العدو الإسرائيلي فإن الأحزاب المعارضة، وشبكات
إعلامها، ونوابها في البرلمان؛ يتنافسون في إثبات حقيقة أو كذب هذه الإجراءات، وهو
ما يضع قيودا على أي تلاعب محتمل من السلطة، كما أنه يجبر السلطة على اتخاذ
إجراءات منعتها المواءمات السياسية من اتخاذها من قبل.. هذا مشهد غير موجود في
الدول العربية التي لا تسمح حكوماتها لشعوبها بالتظاهر السلمي تعبيرا عن غضبها،
ولا تسمح بأي أشكال احتجاجية أخرى، والأنكى أنها تكذب على شعوبها بادعاءات فارغة
عما تقدمه من دعم "غير مسبوق!!" لغزة، والأشد مرارة أن بعضها تشارك في
العدوان بأشكال مباشرة، أو غير مباشرة، فهي تدعو بل وتتحرك لنزع سلاح المقاومة، وطردها
من غزة، وهي تطلب من نتنياهو في لقاءات مغلقة أن يسرع بالإجهاز على المقاومة، وهي
تواصل تجارتها بل زادت مبادلاتها التجارية معه بعد السابع من أكتوبر، استغلالا لوقف
الصادرات التركية، ووصل الأمر بالقاهرة أن عقدت صفقة غاز بـ35 مليار دولار أنعشت
الاقتصاد الإسرائيلي المترنح بسبب تكاليف العدوان.
يتحامل
البعض على تركيا لأنها لم تتخذ هذه الإجراءات من أجل غزة، ولا حتى من أجل سوريا
التي يواصل جيش الاحتلال غاراته وإنزالاته عليها، ولكنها فعلت ذلك كرد فعل على
اعتراف نتنياهو بمذبحة الأرمن التي وقعت في العام 1915، والحقيقة أن هذا الاعتراف
جاء في حديث إعلامي لنتنياهو يوم الأربعاء الماضي فقط، ولم يصدر عن الكنيست أو
مجلس الوزراء بشكل رسمي، ومع ذلك فإن الإجراءات التركية لم تتخذ عقب هذا التصريح
بل قبله بفترات طويلة، وتدرجت منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بتقليص
تدريجي للتجارة وصولا إلى منعها الكامل. وعلى مستوى حظر الطيران الرسمي الإسرائيلي
فقد بدأ من تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 بمنع طائرة نتنياهو من عبور مجالها الجوي
مما أجبره على إلغاء مشاركته في قمة المناخ المنعقدة في أذربيجان، وتكرر المنع
لطائرة نتنياهو في أيار/ مايو الماضي، وفي الثاني والعشرين من آب/ أغسطس الحالي تم
إبلاغ شركات الشحن الإسرائيلية بمنع السفن المملوكة أو التي تديرها أو تشغلها
مؤسسات مرتبطة بإسرائيل من الرسو في الموانئ التركية، كما تم منع السفن التركية من
الإبحار إلى الموانئ الإسرائيلية.
رغم كل الدمار والتجويع الذي تعرض له القطاع لا يزال في الأمر متسع لإنقاذ ما تبقى منه، لكن ذلك يحتاج عزما أكيدا، وإرادة حقيقية من جميع الدول العربية والإسلامية وفي مقدمتها دول الجوار لاستخدام أوراق الضغط التي تمتلكها وهي كثيرة. وليس مطلوبا منها إعلان الحرب، لكن عليها أيضا أن تستعد لحرب ستفرض عليها
تركيا
ليست أولى بغزة من الدول العربية خاصة دول الجوار، وعلى رأسها مصر التي يرتبط أمنها
القومي ارتباطا وثيقا بما يجري في القطاع، والتي تتعرض لتهديدات قوية بفرض التهجير
عليها؛ عبر حشر مليوني فلسطيني على حدودها لدفعهم للهرب إلى سيناء، كما أن مصر تتعرض
لتهديدات من عسكريين وساسة إسرائيليين بحرب جديدة رغم وجود اتفاقية السلام.
لم
يعد مجديا الصراخ الدائم بأن مصر لا تغلق معبر رفح من ناحيتها، فالجميع يعرفون أن
الكيان هو الذي أغلقه من ناحيته يوم 5 أيار/ مايو الماضي، ولو كانت مصر بكامل
عافيتها لمنعته من ذلك، بل إن السلطات المصرية كانت تغلقه من جانبها قبل أيار/ مايو
معظم الوقت، ولا تفتحه إلا لفترات محدودة، ووفق مسارات معروفة غلب عليها التربح
المالي من الغزاويين الراغبين في دخول مصر، مع السماح بدخول بعض قوافل الإغاثة قبل
توقفها لاحقا بقرار إسرائيلي. كما أن مصر سكتت على احتلال الجيش الإسرائيلي لمحور
فيلادلفيا، وسكتت عن تفجير بوابات المعبر أكثر من مرة، وهو ما كان بمثابة ضوء أخضر
للعدو لمواصلة وتصعيد عدوانه.
رغم
كل الدمار والتجويع الذي تعرض له القطاع لا يزال في الأمر متسع لإنقاذ ما تبقى منه،
لكن ذلك يحتاج عزما أكيدا، وإرادة حقيقية من جميع الدول العربية والإسلامية وفي
مقدمتها دول الجوار لاستخدام أوراق الضغط التي تمتلكها وهي كثيرة. وليس مطلوبا
منها إعلان الحرب، لكن عليها أيضا أن تستعد لحرب ستفرض عليها، وقبل الحرب يمكنها
قطع كامل
العلاقات التجارية تصديرا واستيرادا، ووقف حركة الطيران والسفن
الإسرائيلية، أو المتجهة إلى الكيان عبر أجوائها وموانئها، ووقف أي أشكال أخرى
للتعاون، والمشاركة بجدية في الجهود الدولية لمحاصرة وعزل الكيان عالميا في محكمتي
العدل والجنايات الدوليتين، وفي الأمم المتحدة، وفي كل المؤسسات الدولية.
x.com/kotbelaraby