ربما
لا يتذكر غالبية
المصريين التنظيم الطليعي الذي أسسه الرئيس الراحل جمال عبد
الناصر (1963-1971)، وقد يكون مفاجئا للكثيرين أن ذلك التنظيم كان تنظيما سريا، له
خلايا في كل وزارة وهيئة حكومية، أي أن رئيس الدولة أسس تنظيما سريا داخل دولاب
الدولة ليساعده على الحكم؛ لم يكتف الرئيس بالتنظيم السياسي العلني الوحيد
(الاتحاد الاشتراكي)، والذي كان بمثابة الواجهة السياسية للحكم، وله فروع
بانتخابات صورية في كل محافظات ومدن وقرى مصر، ولم يكتف الرئيس بالأجهزة الأمنية
المتنوعة، ولا بجهاز الرقابة الإدارية، أو جهاز المحاسبات، فأنشأ ذلك التنظيم
السري، وأوكل لأعضائه (30 ألف عضو) مهمة التجسس على زملائهم في جهات عملهم، وإعداد
تقارير أمنية عنهم لرفعها للجهات العليا.
لم
يكن للتنظيم الطليعي، وفي تسمية أخرى "طليعة الاشتراكيين"، أي صفة دستورية،
بمعنى أنه لم يكن من الهيكل الرسمي للدولة الذي حدده الدستور، أو القوانين
القائمة، وإن نص عليه بشكل عابر الميثاق الوطني الذي صدر في العام 1962. كانت
الفكرة مستوحاة من التنظيمات الشيوعية المعروفة بانضباطها التنظيمي الصارم، وكان
من بين مهام أعضائه تجنيد العناصر الصالحة للقيادة، وتنظيم جهودها وتطوير الحوافز
الثورية للجماهير، والتصدي للعملاء والخونة المرتبطين بدول أجنبية، أو العاملين
بتوجيهات منها، وكشف عملاء الرجعية وأعداء الاشتراكية!
فكرة التنظيم الطليعي راودت مبكرا المشير السيسي، لكن السمعة السيئة لذلك التنظيم منعته من تكرار النموذج بشكله السابق، فأراد استنساخ شكل جديد لا يزال في مرحلة التجريب والتطوير
لاحقا
أصبحت كوادر التنظيم الطليعي هي التي تتولى المناصب العليا في كل القطاعات، وقد
حافظت على هذا الوضع حتى بعد حل التنظيم على يد السادات في العام 1971 بعد حسمه
لمعركة مراكز القوى. وقد يكون مفاجئا للبعض أيضا أن بقايا التنظيم ممن هم على قيد
الحياة لا يزالون يحظون بمكانة رفيعة لدى النظام الحالي، حتى وإن لم يتولوا مناصب
رسمية بحكم شيخوختهم، مثل علي الدين هلال، ومفيد شهاب، ومصطفى الفقي.. إلخ.
فكرة
التنظيم الطليعي راودت مبكرا المشير
السيسي، لكن السمعة السيئة لذلك التنظيم منعته
من تكرار النموذج بشكله السابق، فأراد استنساخ شكل جديد لا يزال في مرحلة التجريب
والتطوير، بدءا بمؤتمرات ومعسكرات الشباب، وتنسيقية شباب الأحزاب، وإنشاء
الأكاديمية الوطنية للتدريب (2017)، وضمنها عدة برامج رئاسية لتأهيل الشباب
للقيادة، بينما كان مركز إعداد القادة كفيلا بهذه المهمة من قبل، وأخيرا برامج
إجبارية للتأهيل في الأكاديمية العسكرية لكل المتقدمين لوظائف حكومية، وأحدثها
برنامج لتأهيل حمَلة الدكتوراة
الأزهرية.
ليس
الهدف فقط هو صقل مهارات المتدربين في تخصصاتهم، وتزويدهم بأحدث التكنولوجيا، والأساليب
العلمية الحديثة في تخصصاتهم، ولكن الاعتماد على هؤلاء المتدربين ليكونوا رجال
النظام في جهات عملهم، وترقية بعضهم في الوظائف العليا في تلك الجهات تباعا، وليس
مستبعدا تكليفهم بمهام مراقبة الموظفين في جهات عملهم، وإعداد تقارير عن زملائهم
بالطريقة ذاتها لأعضاء التنظيم الطليعي.
في البرنامج التأهيلي لحملة الدكتوراة من جامعة الأزهر، لوحظ أن السيسي لا يرى
قيمة لشهاداتهم الأكاديمية، ودرجاتهم العلمية (الدكتوراة)، والتي تسمى العالمية،
أي التي تمنح صاحبها صفة العالم، ولذلك فقد أشرف بنفسه على تصميم برنامج تأهيلي
لهم في الأكاديمية العسكرية، وقد زعم السيسي خلال لقائه بالمجموعة الأولى في هذا
البرنامج قبل أيام أن البرنامج الجديد يمنحهم شهادة أفضل من شهادتهم الأزهرية
(مستوى تاني خالص أفضل مما أنتم فيه بكثير)، حيث يستمر عامين متصلين، بواقع 10-12
ساعة يوميا طيلة أيام الأسبوع، متناسيا أن هؤلاء العلماء درسوا آلاف الساعات
الدراسية حتى وصلوا إلى مستوى العالمية في الأزهر، ومتجاهلا أن شهادة العالمية
الأزهرية هي مثار فخر لمن يحملها من المصريين وغير المصريين، بل إن حمَلتها من غير
المصريين هم محل تقدير عال في دولهم، ويتبوؤون أرقى المناصب فيها.
أفصح السيسي خلال لقائه بحملة الدكتوراة الأزهريين أن الرسالة الجديدة التي عليهم تبنيها ليست الدفاع عن الشريعة، ولكن الدفاع عن الحرية، قاصرا ذلك على حرية العقيدة
أفصح
السيسي خلال لقائه بحملة الدكتوراة الأزهريين أن الرسالة الجديدة التي عليهم
تبنيها ليست الدفاع عن الشريعة، ولكن الدفاع عن الحرية، قاصرا ذلك على حرية
العقيدة، في تماه مع مطالب دولية بذلك، رغم أن الدستور المصري يكفل حرية العقيدة،
كما أوضح أن المستهدف بناء تيار مستنير يجابه تيار التخلف والانحطاط الديني، والغث
الكثير على مدى 1400 عام، في لمز لهذا التاريخ من جهة، وللأزهر الذي قضى 1000 عام
ضمن هذا التاريخ من جهة أخرى.
لو
كانت الرسالة الجديدة لعلماء الأزهر هي حراسة الحرية بشكل عام لكان من الممكن تفهم
ذلك، باعتبار أن الحرية مقدمة على الشريعة لدى كثير من المجتهدين، فهي نقطة
البداية لأي شي، وهي التي تفتح الباب للشريعة ولغيرها من الحقوق، لكن لم يكن
منتظرا من السيسي أن يدعو العلماء للدفاع عن الحرية التي كتم أنفاسها منذ انقلابه
في الثالث من تموز/ يوليو 2013 وحتى الآن، فالمسموح في دولة السيسي هو حرية نقد
الذات الإلهية، ونقد النبي وكل الأنبياء والمرسلين، وليس نقد السيسي، وكبار
معاونيه بأي حال من الأحوال.
ما
سيفعله السيسي مع علماء الأزهر لن يمثل قيمة علمية مضافة للمنهج الأزهري، وإذا كان
يرى قصورا في ذلك المنهج فقد كان عليه أن يخاطب مشيخة الأزهر لإضافة ما يجبر ذلك
القصور، لكن الحرص على التدريب في الأكاديمية العسكرية يعكس أمورا أخرى، منها عدم
الثقة بالأزهر، ومنها الشكوك في تغلغل أصوات معارضة داخل الأزهر والأوقاف، بخلاف
المؤسسة العسكرية الصارمة ضد أصحاب المواقف السياسية المعارضة، وبالتالي تصبح هي
المؤهلة لتخريج علماء على مقاس النظام، يتولون المواقع القيادية في الأزهر، ويشكلون
"الطليعة الأزهرية" على شاكلة "الطليعة الاشتراكية"، مهمتها
تبني سردية النظام بشكل كامل، والإبلاغ عن المعارضين في أروقة الأزهر، وجامعته
وكلياته، وفي المساجد التي يتولون الخطابة فيها.
x.com/kotbelaraby