في خطوة وُصفت
بأنها متأخرة زمنيا لكنها بالاتجاه الصحيح، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان
عن قطع
العلاقات الاقتصادية والتجارية مع
إسرائيل بشكل كامل، إضافة إلى إغلاق المجال
الجوي التركي أمام الطائرات الإسرائيلية. قرار أنقرة يأتي ليضع حدّا لمرحلة طالما انتُقدت
فيها ازدواجية المواقف: خطاب سياسي داعم لفلسطين في العلن، وعلاقات اقتصادية قائمة
في الخفاء.
ولا شك أنها
خطوة مهمة جدا ومتقدمة، ونرجو أن تتدحرج كرة الثلج وتبدأ دول أخرى في اتباع
تركيا،
فغلق المجال الجوي من حول الكيان سيمثل خنقا اقتصاديا فاعل جدا جدا.. فلماذا الآن؟
ولماذا تأخر القرار؟
تأخّر الإعلان
التركي لعدة اعتبارات:
خطوة مهمة جدا ومتقدمة، ونرجو أن تتدحرج كرة الثلج وتبدأ دول أخرى في اتباع تركيا، فغلق المجال الجوي من حول الكيان سيمثل خنقا اقتصاديا فاعل جدا جدا
- التوازنات
الاقتصادية والسياسية: العلاقات التجارية بين الطرفين كانت كبيرة، وتركيا كانت تخشى
أن يؤثر القطع المفاجئ على مصالح بعض القطاعات الداخلية.
- الضغوط الشعبية
المتصاعدة: منذ العدوان الإسرائيلي على
غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يزداد الغضب
الشعبي التركي المطالب بقرارات عملية، وليس مجرد تصريحات.
- المعادلات
الإقليمية الجديدة: التطورات في
سوريا، وتحركات إسرائيل لتعزيز نفوذها في المنطقة،
دفعت أنقرة إلى إعادة النظر في موقعها الاستراتيجي، والتأكيد على أن بقاء العلاقات
مع تل أبيب لم يعد يخدم مصالحها.
الارتباط بالملف السوري
ومن المهم
قراءة القرار في سياق الصراع الدائر في سوريا. إسرائيل تسعى لتفكيك سوريا وضمان حدود
آمنة في الجنوب السوري، بينما تركيا تدعم مسارا مختلفا يقوم على وحدة الدولة السورية
وتأمين حدودها الجنوبية. تصاعد التوتر هناك عزّز القناعة التركية بأن أي تقاطع مصالح
مع إسرائيل أصبح عبئا استراتيجيا، وليس مكسبا.
لذلك يبدو
أن التفاهمات التركية الإسرائيلية في الملف السوري قد انهارت، ولذلك علينا أن نترقب
الرد الإسرائيلي على الخطوة التركية في لبنان وسوريا وما سيحدث فيهما من تصعيد في الملفين
الكردي والدرزي على وجه التحديد.
تركيا وغزة
حصن استراتيجي
بدون شك غزة
كانت ولا تزال في قلب السياسة التركية:
- أنقرة لعبت
دورا رئيسيا في إيصال الصوت الفلسطيني إلى المنظمات الدولية.
- انضمت تركيا
إلى الدعوى القضائية في محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل، وهو تحرك يضعها في محور المواجهة
القانونية والسياسية العالمية.
- الخطاب التركي
الرسمي بات يعتبر إسرائيل "عدوا مشتركا" يهدد استقرار المنطقة بأسرها، لا
مجرد خصم في نزاع محلي.
فما الذي يجب
أن يتبع القرار؟
المرحلة المقبلة ستتوقف على قدرة أنقرة على ترجمة هذا التحول إلى استراتيجية متكاملة تشمل الداخل التركي، والعالم الإسلامي، والجاليات في الغرب، لتتحول الخطوة من مجرد قرار إلى مسار تاريخي يعيد تركيا إلى موقعها الطبيعي في مواجهة المشروع الصهيوني
الخطوة التركية
ستبقى ناقصة إذا لم تُستكمل بسلسلة تحركات إضافية، من بينها:
1- تعبئة الشارع
التركي: تعزيز الحملات الشعبية والإعلامية التي تُظهر حقيقة الاحتلال، وربط الموقف
القومي التركي بالدفاع عن القدس وغزة.
2- تحريك الجاليات
التركية في الخارج: الجاليات في أوروبا وأمريكا يمكن أن تصبح قوة ضغط مضاعفة ضد إسرائيل،
سواء عبر المقاطعة الاقتصادية أو من خلال التأثير السياسي والإعلامي.
3- التصعيد
الدبلوماسي المنظّم: توسيع التنسيق مع الدول الإسلامية والعربية، خصوصا داخل منظمة
التعاون الإسلامي، لبناء جبهة جماعية عابرة للحدود.
4- الضغط الاقتصادي
المتكامل: ليس فقط بوقف التبادل التجاري المباشر، بل أيضا بملاحقة الشركات التي تتحايل
عبر وسطاء، ومنع استخدام تركيا كمعبر بديل للمنتجات الإسرائيلية.
خلاصة: قرار
أنقرة يمثل إعادة نسج لمسار العداء الذي عرفته المنطقة لعقود، فإسرائيل -كما وصفها
الوزير- عدو للكل وحرب على الكل.
وعلى الرغم
من تأخره، إلا أن هذا الموقف يضع تركيا في قلب الجبهة الشعبية والسياسية العالمية الداعمة
لفلسطين.
المرحلة المقبلة
ستتوقف على قدرة أنقرة على ترجمة هذا التحول إلى استراتيجية متكاملة تشمل الداخل التركي،
والعالم الإسلامي، والجاليات في الغرب، لتتحول الخطوة من مجرد قرار إلى مسار تاريخي
يعيد تركيا إلى موقعها الطبيعي في مواجهة المشروع الصهيوني.