تحدث كاتب
إسرائيلي بارز، عن المفارقات الغريبة في تعامل
الولايات المتحدة الأمريكية مع مضيق
هرمز وتحاول
إيران تحقيق مكاسب من سيطرتها عليه، وفي ذات الوقت يظهر الثمن الذي فرضته واشنطن على نفسها نتيجة الضعف الذي صنعته بيديها، فهي تستند إلى المبادئ الواردة في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عند احتجاجها على الموقف الإيراني، وفي ذات الوقت ترفض التصديق عليها في مجلس الشيوخ.
ورأى الكاتب والصحفي الإسرائيلي ورئيس تحرير سابق لوكالة "أسوشيتد برس" في أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، دان بيري، في
مقال نشرته صحيفة "معاريف" العبرية، أن "إصرار إيران على فرض رسوم على السفن التي تعبر مضيق هرمز، وهو الممر البحري الذي يمر عبره نحو خمس الإنتاج العالمي من النفط والغاز الطبيعي، يُعد إعلان حرب اقتصادية ضد العالم بأسره".
خلافات حقيقية
وأشار إلى ضرورة أن "يغير حلف شمال الأطلسي (الناتو)، من موقفه فورا، وأن يوضح أنه يقف إلى جانب إدارة الرئيس الأمريكي
ترامب في رفضها لأي محاولة إيرانية لتحويل مضيق هرمز إلى نقطة لجباية الرسوم"، لافتا أن "الخلافات الحقيقية التي قد تكون لدى دول الحلف مع ترامب لا ينبغي أن تؤثر في هذا الموقف".
وأوضح أن "أقوى أساس قانوني يمكن الاستناد إليه لنفي حق إيران في فرض رسوم على المرور عبر المضيق هو القانون الدولي للبحار، الذي يستند أساسا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار "UNCLOS"؛ وهي اتفاقية ساهمت الولايات المتحدة في صياغتها، وتعتمد عليها عمليا بصورة يومية، لكنها ترفض منذ أربعة عقود التصديق عليها في مجلس الشيوخ، وهذا يرجع إلى قصر نظر الحزب الجمهوري".
ونبه بيري، أن " إيران في الوضع الراهن، لا تبدي تقريبا أي استعداد للتراجع فيما يتعلق ببرنامجها النووي أو المجموعات التابعة لها، وبدلا من ذلك، طرحت مطلبا جديدا يتمثل في فرض رسوم على السفن المارة عبر المضيق، مدعية أنها تمثل "رسوم خدمات" لتغطية تكاليف العبور الآمن، والمراقبة، وحماية البيئة".
زعم أن "هناك العديد من الحجج القانونية والسياسية ضد هذا الطرح، يستند معظمها إلى الممارسة الدولية المستقرة منذ عقود وإلى المصلحة العالمية الواضحة في إبقاء الممرات البحرية الحيوية مفتوحة، إلا أن الرد القانوني الأكثر وضوحا على الموقف الإيراني يتمثل في مبدأ "حق المرور العابر" (Transit Passage) في المضائق الدولية، وهو مبدأ منصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار".
وأشار إلى أن "هذا المبدأ وُضع تحديدا لحالات مثل مضيق هرمز، إذ يبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 21 ميلا بحريا فقط، بحيث تتداخل المياه الإقليمية التي تطالب بها كل من إيران وسلطنة عُمان، ولا تترك ممرا للمياه الدولية، ولذلك تضمن الاتفاقية للسفن والطائرات حق المرور المتواصل عبر المضيق، مع منح الدول الساحلية صلاحية تنظيم مسائل السلامة، دون أن يكون لها الحق في تعطيل المرور أو منعه"، وفق قوله.
وذكر الكاتب، أن "168 دولة حول العالم، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه طرفا غير دولتي، ملتزمة حاليا باتفاقية قانون البحار، ومن بينها الصين وروسيا، مشيرا بأسلوب ساخر، إلى أن "أبرز الدول غير المنضمة إلى الاتفاقية هي الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب إسرائيل".
ولفت إلى أن "واشنطن تستند اليوم إلى المبادئ الواردة في هذه الاتفاقية نفسها عند احتجاجها على الموقف الإيراني، كما تعتمد عليها أيضا في اعتراضها على المطالبات البحرية الصينية في بحر الصين الجنوبي، وعلى الادعاءات الروسية في المنطقة القطبية الشمالية، رغم أنها لا تزال خارج إطار الاتفاقية التي تمنح هذه المبادئ أساسها القانوني الأكثر اكتمالا".
تسوية النزاعات
وذكر أن "الولايات المتحدة تدافع عن موقفها بالقول إن مبدأ المرور العابر في المضائق أصبح جزءا من القانون الدولي العرفي، وبالتالي فهو ملزم حتى للدول غير الأطراف في الاتفاقية، وهذا الادعاء يضع واشنطن في موقف محرج"، مبينا أن "معظم المؤسسات الرئيسية في منظومة الأمن القومي الأمريكي، بدءا من البحرية الأمريكية والقيادة العسكرية العليا، مرورا بقطاعات النقل البحري والطاقة والاتصالات، تؤيد التصديق على الاتفاقية، لأنها تعزز حرية الملاحة الأمريكية وتوفر يقينا قانونيا أكبر تستند إليه واشنطن في تحركاتها".
وأفاد بيري، بأن "الإدارات الجمهورية والديمقراطية على حد سواء دعمت التصديق على الاتفاقية بعد إدخال تعديلات عالجت التحفظات التي كان قد أبداها الرئيس الأسبق رونالد ريغان، والذي اعترض آنذاك على آليات تسوية النزاعات الواردة في الاتفاقية، وكذلك على تنظيمها لعمليات استخراج الموارد المعدنية من قاع البحار خارج نطاق الولاية الوطنية، إلا أن الاتفاقية عُدلت لاحقا لمعالجة هذه الاعتراضات، ولذلك أيدت إدارات جمهورية لاحقة الانضمام إليها".
وأضاف: "مع مرور الوقت تحولت معارضة الحزب الجمهوري للاتفاقية إلى رمز لمعارضة المؤسسات الدولية عموما، فلم يعد الجدل يدور حول مضمون الاتفاقية نفسها، بل أصبح تعبيرا عن رفض غريزي للتعاون متعدد الأطراف"، معتبرا أن "ها النهج يتماشى مع التوجهات الانعزالية لإدارة ترامب، حيث أصبح القانون الدولي، بالنسبة لقطاعات واسعة من الحزب الجمهوري المعاصر، موضع شك لمجرد كونه قانونا دوليا".
وأكد أن "محاولة إيران استغلال مضيق هرمز لتحقيق مكاسب، تُظهر حجم الضرر الذي ألحقته الولايات المتحدة بنفسها نتيجة عدم تصديقها على الاتفاقية"، منوها أن "المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ستعزز موقف واشنطن ليس فقط في مواجهة طهران، وإنما أيضا في مواجهة الصين في بحر الصين الجنوبي وروسيا في المنطقة القطبية الشمالية، وقد حان الوقت لكي يصحح مجلس الشيوخ هذا الخطأ".
وفي ختام مقاله، حذر من أن "إسرائيل تُسيء إلى نفسها في هذا الملف أيضا"، مستعبدا "أي تغيير من حكومة بنيامين نتنياهو، فالانضمام إلى الاتفاقية ينبغي أن يكون أحد المشاريع التي تتولاها "حكومة التغيير" المقبلة".