الجزائر تؤخر تدريس الفرنسية وتعزز حضور الإنجليزية.. ما هي الرسالة؟

لا تزال الفرنسية جزءاً من المنظومة التعليمية، كما أن حضورها في المجتمع والاقتصاد والتعليم العالي لا يمكن تغييره بقرار مدرسي واحد.
أعلنت وزارة التربية الوطنية الجزائرية، السبت، قراراً يقضي باعتماد تدريس اللغة الإنجليزية وحدها في السنة الثالثة من التعليم الابتدائي، على أن يبدأ تدريس اللغة الفرنسية ابتداءً من السنة الرابعة، اعتباراً من الموسم الدراسي المقبل، في خطوة تعيد ملف اللغات الأجنبية إلى واجهة النقاش العام في الجزائر، وتفتح الباب أمام قراءة أوسع لمسار التحول التدريجي في السياسة التعليمية واللغوية للبلاد.

وقال وزير التربية الوطنية محمد صغير سعداوي إن القطاع يتجه إلى تعزيز وتنظيم تدريس اللغات الأجنبية في مختلف مراحل التعليم، ولا سيما في مرحلة التعليم المتوسط، مع تدعيم الإنجليزية في شعب اللغات الأجنبية والشعب التقنية، مبرراً ذلك بالرغبة في "مواكبة ما هو معمول به في العالم".

قرار جديد يعيد ترتيب البداية

ويعني القرار الجديد، وفق ما أعلنه الوزير، أن التلميذ الجزائري في السنة الثالثة ابتدائي سيدرس الإنجليزية باعتبارها اللغة الأجنبية الوحيدة في هذا المستوى، بينما تنتقل بداية تعلم الفرنسية إلى السنة الرابعة.

ويأتي التعديل في سياق توجه أوسع أعلنت عنه وزارة التربية نحو إعادة تنظيم تدريس اللغات الأجنبية، وليس باعتباره مجرد تغيير تقني في توقيت إدراج لغة ضمن البرنامج الدراسي.

وبحسب تصريحات الوزير، فإن التوجه يشمل أيضاً المرحلة المتوسطة، حيث يجري العمل على تعزيز حضور الإنجليزية في شعب اللغات الأجنبية والمسارات التقنية، بما ينسجم، وفق التبرير الرسمي، مع التحولات التي يشهدها التعليم عالمياً وحاجة التلاميذ إلى اكتساب لغات أكثر ارتباطاً بالعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد الدولي.

ويُنتظر أن ينعكس القرار على تنظيم البرامج الدراسية وتوزيع الساعات وتكوين المدرسين، فضلاً عن إعادة ترتيب الأولويات في تعليم اللغات الأجنبية خلال السنوات الأولى من المسار التعليمي.

وتأتي هذه الخطوة بينما تستعد وزارة التربية للدخول المدرسي 2026-2027، وهو ملف بدأت الوزارة التحضير له مبكراً منذ شباط/فبراير الماضي، في إطار ترتيبات تنظيمية شملت مختلف جوانب الموسم الدراسي المقبل.

من قرار 2022 إلى خطوة 2026

لفهم القرار الحالي، لا بد من العودة إلى صيف عام 2022، حين بدأت الجزائر مساراً عملياً لتعزيز حضور الإنجليزية في التعليم الابتدائي.

فقد مثّل إدراج الإنجليزية في المرحلة الابتدائية آنذاك تحولاً لافتاً في السياسة اللغوية التعليمية، إذ انتقلت اللغة من موقع الخطاب السياسي حول ضرورة تعزيز حضورها إلى حيز التدريس الفعلي داخل المدرسة العمومية.

ومنذ ذلك الوقت، استمر النقاش حول كيفية توزيع اللغتين الإنجليزية والفرنسية، وحول العمر الأنسب لبدء تعلم كل منهما، وحول ما إذا كان المطلوب هو مجرد إضافة الإنجليزية إلى المنظومة القائمة، أم إعادة ترتيب موقع الفرنسية نفسها داخل المدرسة الجزائرية.

ويبدو أن قرار 2026 يمثل خطوة جديدة في هذا المسار، إذ لا يلغي تدريس الفرنسية من التعليم الابتدائي، لكنه يؤخر بدايتها عاماً واحداً، ويمنح الإنجليزية أولوية زمنية في السنة الثالثة.

وهذا التفصيل مهم؛ فالقرار، وفق الصيغة المعلنة، لا يعني إخراج الفرنسية من المدرسة الجزائرية، وإنما إعادة تحديد نقطة انطلاق تدريسها.

لماذا الإنجليزية أولاً؟

التبرير الرسمي الذي قدمه وزير التربية يرتكز على فكرة "مواكبة ما هو معمول به في العالم"، مع الإشارة بصورة خاصة إلى تعزيز الإنجليزية في التعليم المتوسط والشعب التقنية وشعب اللغات الأجنبية.

ويعكس ذلك رؤية تعتبر الإنجليزية لغة أساسية في الوصول إلى الإنتاج العلمي والتكنولوجي العالمي، وفي متابعة التطورات الأكاديمية والمهنية، فضلاً عن استخدامها الواسع في قطاعات الاقتصاد والاتصالات والبحث العلمي.

وفي هذا التصور، لا يتعلق تعزيز الإنجليزية فقط بمنافسة الفرنسية داخل المدرسة، بل بإعادة توجيه السياسة التعليمية نحو لغة أكثر حضوراً في النظام العلمي والتكنولوجي العالمي.

وتكتسب المسألة أهمية خاصة في الجزائر، حيث تظل الفرنسية حاضرة بقوة في قطاعات واسعة من الإدارة والاقتصاد والتعليم العالي والطب والهندسة، فيما تتوسع الإنجليزية تدريجياً في المجالات العلمية والتكنولوجية وفي الجامعات والفضاء الرقمي.

ومن ثم، فإن قرار تأخير الفرنسية إلى السنة الرابعة قد يُقرأ باعتباره محاولة لمنح الإنجليزية موقعاً أكثر رسوخاً في السنوات الأولى من التعليم، دون التخلي عن الفرنسية باعتبارها لغة أجنبية لا تزال حاضرة في النظام التعليمي والمجال العام.

اللغة في الجزائر.. أكثر من مادة دراسية

لطالما تجاوز النقاش حول اللغات في الجزائر حدود المناهج الدراسية. فاللغة في البلاد ترتبط بتاريخ الاستعمار الفرنسي، وبمسألة الهوية الوطنية، وبالفرنكوفونية، وبالعلاقة مع فرنسا، كما ترتبط في الوقت نفسه بموقع العربية والأمازيغية والإنجليزية في الدولة والمجتمع.

ومنذ الاستقلال عام 1962، شكلت مسألة التعريب أحد أبرز ملفات بناء الدولة الوطنية، في محاولة لاستعادة اللغة العربية موقعها بعد عقود من سياسة الاستعمار الفرنسي.

لكن الفرنسية بقيت حاضرة بقوة في الإدارة والتعليم العالي والعلوم والاقتصاد، وهو ما جعل الجزائر تعيش واقعاً لغوياً مركباً، تتداخل فيه العربية والأمازيغية والفرنسية، ومعها الإنجليزية التي يتزايد حضورها في السنوات الأخيرة.

وفي هذا السياق، فإن أي تعديل في ترتيب اللغات داخل المدرسة يحمل بالضرورة أبعاداً تتجاوز الاعتبارات البيداغوجية البحتة، حتى عندما تقدم السلطات القرار بوصفه جزءاً من إصلاح تعليمي.

من "الفرنسة" إلى "الإنجليزية".. تحول تدريجي

خلال السنوات الماضية، شهد الخطاب الرسمي الجزائري تصاعداً في الدعوة إلى تعزيز الإنجليزية، بالتوازي مع انتقادات متكررة لهيمنة الفرنسية في بعض القطاعات.

وتزامن ذلك مع تحولات سياسية في علاقة الجزائر بفرنسا، خصوصاً خلال السنوات التي شهدت توترات متكررة بين البلدين حول ملفات الذاكرة الاستعمارية والهجرة والتأشيرات والسياسة الخارجية.

لكن من الصعب اختزال القرار التعليمي في العلاقات الجزائرية الفرنسية وحدها.

فالتحول نحو الإنجليزية له أيضاً دوافع مرتبطة بالتعليم العالي وسوق العمل والبحث العلمي والتكنولوجيا، وهي عوامل تتجاوز السياق السياسي المباشر.

ومع ذلك، فإن توقيت الخطوة وسياقها الوطني يجعلها جزءاً من نقاش أوسع حول موقع فرنسا واللغة الفرنسية في الجزائر، وحول ما إذا كانت البلاد تتجه إلى تقليص نفوذ الفرنسية تدريجياً لصالح الإنجليزية.

الفرنسية لا تختفي من المدرسة

ورغم العنوان اللافت للقرار، فإن المعطيات المعلنة لا تشير إلى إلغاء الفرنسية من التعليم الجزائري. فاللغة ستبدأ، وفق القرار الجديد، في السنة الرابعة ابتدائي بدلاً من الثالثة، ما يعني استمرار تدريسها في المرحلة الابتدائية، ثم في المراحل التعليمية اللاحقة. وبالتالي، فإن المسألة تتعلق بإعادة ترتيب الأولويات وتوقيت البدء، وليس بإلغاء الفرنسية.

وهذا التفصيل قد يكون مهماً في النقاش العام، خصوصاً في ظل تداول قراءات قد تذهب إلى اعتبار القرار "إقصاءً" للفرنسية من المدرسة.

الأدق، وفق ما أعلنته الوزارة، هو الحديث عن تأخير تدريس الفرنسية عاماً واحداً ومنح الإنجليزية أسبقية في السنة الثالثة ابتدائي.

ماذا عن العربية والأمازيغية؟

ويجري هذا التحول داخل منظومة لغوية أكثر تعقيداً، إذ تظل العربية اللغة الأساسية للتدريس في النظام التعليمي، بينما تتمتع الأمازيغية بمكانة رسمية في الدولة الجزائرية.

أما اللغات الأجنبية، فتأتي في مقدمتها الفرنسية والإنجليزية، مع اختلاف في توقيت التدريس وموقع كل منهما بحسب المرحلة والشعبة. ومن ثم، فإن النقاش الحقيقي لا يدور فقط حول الفرنسية والإنجليزية، بل حول النموذج اللغوي الذي تريد الجزائر أن تبنيه في مدرستها خلال العقود المقبلة.

هل المطلوب هو الحفاظ على تعدد لغوي تكون فيه الفرنسية والإنجليزية متجاورتين؟ أم أن الاتجاه هو نحو انتقال تدريجي من نموذج فرنكوفوني تاريخياً إلى نموذج أكثر انفتاحاً على الإنجليزية؟ أم أن الأمر يتعلق فقط بإصلاح بيداغوجي يهدف إلى اختيار اللغة التي يرى صانعو القرار أنها أكثر فائدة للتلميذ في مرحلة عمرية معينة؟

القرار الجديد لا يقدم وحده إجابة نهائية عن هذه الأسئلة، لكنه يضيف مؤشراً جديداً إلى مسار إعادة ترتيب مكانة اللغات الأجنبية في التعليم الجزائري.

السياق السياسي.. الجزائر وفرنسا

يأتي القرار في مرحلة لا تزال فيها العلاقات الجزائرية الفرنسية محكومة بتوترات متكررة، رغم وجود مصالح مشتركة واسعة بين البلدين.

وقد شهدت العلاقات خلال السنوات الأخيرة خلافات حول قضايا متعددة، من بينها الذاكرة الاستعمارية، والهجرة، والتأشيرات، ومواقف باريس من ملف الصحراء الغربية، إلى جانب ملفات مرتبطة بالجالية الجزائرية في فرنسا.

وفي هذا المناخ، يكتسب أي قرار يتعلق بتقليص أو إعادة ترتيب حضور الفرنسية في المدرسة دلالة سياسية محتملة لدى الرأي العام، حتى لو كان التبرير الرسمي للقرار تعليمياً بحتاً.

لكن من المهم أيضاً عدم تحميل القرار أكثر مما يحتمل؛ فالحكومة الجزائرية لم تعلن، في التصريحات التي رافقت القرار، أن الهدف هو مواجهة فرنسا أو تقليص نفوذها، بل تحدث وزير التربية عن تعزيز اللغات الأجنبية ومواكبة التطورات العالمية.

ومن هنا، فإن البعد السياسي يبقى في مستوى **السياق والتأويل**، لا في مستوى الهدف الرسمي المعلن.

الإنجليزية في قلب "الجزائر الجديدة"

منذ السنوات الأخيرة، برزت الإنجليزية بصورة متزايدة في الخطاب الرسمي المتعلق بالتعليم والجامعة والبحث العلمي.

وتسعى الجزائر إلى تعزيز انفتاحها على الفضاء العلمي الدولي، فيما أصبح استخدام الإنجليزية أكثر انتشاراً في الأبحاث والمنشورات الأكاديمية والبرامج العلمية.

ويأتي قرار تأخير الفرنسية إلى السنة الرابعة في هذا الإطار، إذ يمنح الإنجليزية موقعاً مبكراً في المسار التعليمي، بما قد يساعد على بناء قاعدة لغوية لدى التلاميذ منذ سن أصغر.

لكن نجاح هذا التوجه لا يتوقف على القرار وحده. فالانتقال من لغة إلى أخرى أو تعزيز لغة جديدة يحتاج إلى مدرسين مؤهلين، ومناهج مناسبة، ووسائل تعليمية، وتكوين مستمر، إضافة إلى بيئة جامعية ومهنية قادرة على استثمار هذه المهارات.

وهنا تكمن إحدى أبرز التحديات أمام السياسة الجديدة: هل تستطيع المدرسة الجزائرية توفير الظروف التي تجعل من الإنجليزية لغة تعلم حقيقية، لا مجرد مادة إضافية في الجدول الدراسي؟

التحدي الأكبر.. المعلم والمنهج

يطرح تعزيز الإنجليزية في السنوات الأولى من التعليم سؤالاً عملياً حول جاهزية المنظومة التربوية. فكل تغيير في توقيت تدريس اللغات يحتاج إلى مراجعة البرامج، وتوفير العدد الكافي من المدرسين، وإعادة تنظيم عمليات التوظيف والتكوين. كما أن تعليم لغة أجنبية في سن مبكرة لا يضمن وحده اكتسابها بصورة فعالة، إذا لم تتوفر طرق تدريس حديثة وبيئة لغوية مساعدة.

وتتطلب السياسة الجديدة، بالتالي، استثماراً مستمراً في تكوين المدرسين، وتطوير المحتوى التعليمي، وربط تعليم اللغة باستخداماتها العملية والعلمية. وهذه النقطة ستكون حاسمة في تقييم نتائج القرار خلال السنوات المقبلة.

ماذا يعني القرار للجيل الجديد؟

بالنسبة إلى التلميذ الجزائري الذي سيدخل السنة الثالثة ابتدائي ابتداءً من الموسم الدراسي المقبل، فإن القرار يعني أن أول لغة أجنبية سيبدأ تعلمها في هذه المرحلة ستكون الإنجليزية.

وبعد عام، ستدخل الفرنسية إلى مساره الدراسي. وقد يؤدي ذلك إلى اختلاف في طريقة بناء المهارات اللغوية لدى الأجيال الجديدة، خصوصاً إذا استمرت الدولة في تعزيز الإنجليزية في المراحل التعليمية اللاحقة.

وبمرور الوقت، قد ينتج عن ذلك جيل أكثر قدرة على استخدام الإنجليزية في المجالات العلمية والتكنولوجية، في حين تبقى الفرنسية حاضرة بوصفها لغة أجنبية ثانية.

لكن التأثير الفعلي سيعتمد على مدى استمرارية السياسة الجديدة، وعلى ما إذا كانت ستتوسع لتشمل التعليم المتوسط والثانوي والجامعة وسوق العمل.

خطوة في مسار لم يُحسم بعد

ويبدو القرار الجديد أقرب إلى حلقة إضافية في مسار طويل لإعادة صياغة السياسة اللغوية في الجزائر، أكثر منه نقطة تحول نهائية. فمنذ إدراج الإنجليزية في التعليم الابتدائي، انتقلت الجزائر تدريجياً من مرحلة النقاش حول ضرورة تعزيزها إلى مرحلة بناء حضور مؤسسي لها داخل المدرسة.

واليوم، تمنحها الوزارة أولوية زمنية جديدة، مع الحديث عن توسيع حضورها في التعليم المتوسط والشعب التقنية.

وفي المقابل، لا تزال الفرنسية جزءاً من المنظومة التعليمية، كما أن حضورها في المجتمع والاقتصاد والتعليم العالي لا يمكن تغييره بقرار مدرسي واحد.

لذلك، فإن المعركة الحقيقية حول مستقبل اللغات في الجزائر لن تُحسم في السنة الثالثة أو الرابعة ابتدائي وحدهما، بل ستتحدد في السنوات المقبلة من خلال سؤال أكبر: أي لغة تريد الجزائر أن تكون بوابة أجيالها إلى العالم؟

فإذا كانت الإنجليزية هي الإجابة المتزايدة حضوراً في الخطاب الرسمي، فإن التحدي سيكون في تحويل هذا الخيار من قرار إداري إلى سياسة تعليمية متكاملة، فيما ستظل الفرنسية حاضرة بحكم التاريخ والواقع الاجتماعي والمؤسساتي.

وبينما تستعد المدارس الجزائرية للموسم الدراسي المقبل، يبدو أن البلاد دخلت مرحلة جديدة من إعادة ترتيب خريطتها اللغوية؛ مرحلة لا تعني بالضرورة نهاية الفرنسية، لكنها تمنح الإنجليزية موقعاً متقدماً في مشروع تعليمي يقول صانعو القرار إنه يريد أن يكون أكثر اتصالاً بالعالم العلمي والتكنولوجي.