صعّد وزير المالية في حكومة الاحتلال الإسرائيلي بتسلئيل
سموتريتش، الأحد، من وتيرة التوسع الاستيطاني في
الضفة الغربية المحتلة، معلناً الموافقة على توسيع مستوطنة "عيلي" المقامة على أراضٍ
فلسطينية جنوب نابلس إلى نحو ثلاثة أضعاف مساحتها، عبر الدفع ببناء 763 وحدة سكنية جديدة.
وجاء الإعلان بالتزامن مع حملة اقتحامات واعتقالات واسعة نفذتها قوات الاحتلال في جنين وطوباس ومخيم الفارعة وعدد من بلدات محافظتي نابلس ورام الله والخليل، بعد أيام من هجوم شنه مستوطنون متطرفون على بلدة تل جنوب نابلس، أسفر عن استشهاد أربعة فلسطينيين ومقتل إسرائيليين اثنين.
وبحسب ما أعلنه سموتريتش عبر منصة "إكس"، فإن المجلس الأعلى للتخطيط سيدفع بالمخطط الجديد في مستوطنة "عيلي"، ضمن سياسة أوسع تتبناها الحكومة الإسرائيلية لتوسيع المستوطنات وترسيخ وقائع جديدة على الأرض.
وكانت الحكومة الإسرائيلية أقرت في 14 تموز/يوليو الجاري تمويلاً بقيمة 1.3 مليار شيكل (434 مليون دولار) لإقامة 34 مستوطنة جديدة، إلى جانب تخصيص 1.075 مليار شيكل إضافية لشق طرق تخدم المستوطنات، فيما قال سموتريتش إن عدد المستوطنات التي بدأها خلال ولايته ارتفع إلى 103.
وسبق ذلك إعلان الحكومة في 3 حزيران/يونيو الماضي توسيع ثلاث مستوطنات بأكثر من ألفي وحدة سكنية، في وقت يعيش فيه نحو 700 ألف مستوطن وسط نحو 2.7 مليون فلسطيني في الضفة الغربية وشرقي القدس المحتلة، بحسب معطيات نشرتها وكالة "رويترز".
صلاحيات جديدة ومأسسة للاستيطان
ولا يقتصر تسارع الاستيطان على زيادة أعداد الوحدات السكنية، بل يشمل تغييرات مؤسساتية عززت قدرة الحكومة على فرض وقائع جديدة.
وتشير تقارير نشرها
الاتحاد الأوروبي ومنظمة "
السلام الآن" الإسرائيلية إلى أن الحكومة نقلت منذ عام 2023 صلاحيات واسعة في إدارة شؤون الضفة الغربية من الإدارة المدنية التابعة للجيش إلى جهاز مدني يخضع فعلياً لسموتريتش، مع تعيين مسؤول مدني يتمتع بصلاحيات واسعة في مجالات التخطيط والأراضي والبنية التحتية.
وتقول هذه التقارير إن هذه التغييرات سمحت بتسريع المصادقة على المشاريع الاستيطانية بعيداً عن القيود التي كانت مفروضة سابقاً.
وفي عام 2025 وحده، دُفعت مخططات لبناء 63,311 وحدة سكنية في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، وهو أعلى رقم سنوي مسجل، فيما تمت المصادقة على 54 مستوطنة جديدة، بزيادة عشرة أضعاف مقارنة بعام 2024، وفق بيانات "السلام الآن".
كما شهد شرقي القدس المحتلة دفع مخططات لبناء 35,370 وحدة سكنية خلال العام نفسه، مقابل نحو 19 ألف وحدة فقط في العام السابق.
شرعنة البؤر والسيطرة على الأراضي
وبالتوازي مع البناء الرسمي، توسعت سياسة شرعنة البؤر الاستيطانية.
وتشير تقارير "السلام الآن" إلى اعتماد آليات لتمويل عشرات البؤر الاستيطانية وربطها بالبنية التحتية رغم عدم استكمال إجراءات الترخيص الإسرائيلية، فيما توسعت "المزارع الرعوية" الاستيطانية لتفرض سيطرة على أكثر من 1.07 مليون دونم، أي نحو 18 بالمئة من مساحة الضفة الغربية.
كما أُعلن خلال عام 2024 عن أكثر من 24 ألف دونم باعتبارها "أراضي دولة"، وهو ما يمثل قرابة نصف مجموع الأراضي التي أعلنتها "إسرائيل" بهذه الصفة منذ توقيع اتفاق أوسلو.
وتحذر تقارير الاتحاد الأوروبي أيضاً من استخدام عمليات "تسوية الحقوق العقارية" كأداة لتثبيت السيطرة الإسرائيلية على الأراضي، إذ انتهت غالبية عمليات التسجيل لصالح جهات إسرائيلية مقابل نسبة محدودة جداً للفلسطينيين.
وفي موازاة ذلك، تواصل الحكومة الدفع بمشاريع استراتيجية، أبرزها مخطط E1 الذي يفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، إلى جانب شق ما يعرف بـ"طريق السيادة"، الذي يهدف إلى تعزيز الربط بين الكتل الاستيطانية وعزل التجمعات الفلسطينية.
هجمات المستوطنين.. من الحرق إلى التهجير
وعلى الأرض، تتصاعد اعتداءات المستوطنين بصورة متزامنة مع توسع الاستيطان.
ووثقت الأمم المتحدة عبر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" عشرات الهجمات خلال الأشهر الماضية، شملت إحراق منازل ومساجد وأراضٍ زراعية ومركبات، والاعتداء على الفلسطينيين، وتخريب شبكات المياه والكهرباء، وسرقة المواشي، واقتلاع أشجار الزيتون، فضلاً عن تعطيل وصول فرق الإطفاء والإسعاف في بعض الاعتداءات.
وبحسب "أوتشا"، أصبحت اعتداءات المستوطنين مسؤولة عن نحو 75 بالمئة من حالات النزوح في الضفة الغربية خلال عام 2026، فيما شهد 116 تجمعاً فلسطينياً نزوحاً كلياً أو جزئياً منذ مطلع عام 2023، بينها 45 تجمعاً هُجّر بالكامل.
كما تجاوز عدد المهجرين في هذا السياق 5800 فلسطيني، بينهم نحو 1960 خلال عام 2026 وحده.
عمود فقري للمشروع
وفي قراءة تحليلية شاملة لهذه التطورات، قال الخبير في قضايا الجدار والاستيطان جمال جمعة، في تصريحات خاصة لـ"عربي21"، إن المشروع الاستيطاني وبناء المستوطنات يمثلان "العمود الفقري" للمشروع الاستعماري الاحتلالي منذ انطلاق المشروع الصهيوني.
وأوضح أن ما يجري اليوم من إعلان عن كتل استيطانية جديدة ومئات البؤر الاستيطانية التي يتم شرعنتها، إلى جانب المليارات التي رصدت من أجل البنى التحتية والقائمة للعمل عليها على قدم وساق، هو لـ"تغيير وجه الضفة الغربية بالكامل"، مؤكدة أن القضية "لا تتعلق بحكومة بعينها أو بشخص سموتريتش"، وإنما تمثل سياسة ومشروعاً استعمارياً تهجيرياً للفلسطينيين يتم تنفيذه على الأرض.
وأكد جمعة أن ما يجري في الضفة الغربية لا ينفصل، بحسب تقديره، عن الحرب الدائرة في قطاع
غزة، معتبراً أن المشروع الإسرائيلي يقوم على التهجير في الساحتين، وأن الحرب في الضفة تتجه نحو التصعيد لتنفيذ الأهداف نفسها، في ظل تضافر مؤسسات الاحتلال السياسية والأمنية والعسكرية ومجلس المستوطنات الأعلى لتنفيذ هذا المشروع.
"ميليشيات إرهابية" وتكتيك تهجير القرى
ورأى جمعة أن الاعتداءات الاستيطانية لم تعد حوادث متفرقة أو أعمالاً عشوائية، بل يتم الحديث عن ميليشيات إرهابية منظمة مسلحة بأحدث الوسائل القتالية، كالدرونز وسيارات الدفع الرباعي، وتقف خلفها حكومة الاحتلال ومجلس المستوطنات الأعلى.
وأضاف أن هذه المجموعات الإرهابية تمثل "رأس الحربة" في تنفيذ المشروع الصهيوني في الضفة الغربية، مبينًا أن عملية التهجير الواسعة توسعت لتشمل خصوصاً التجمعات الرعوية والقرى الفلسطينية، وأنها تبدأ تكتيكياً بالسيطرة على بيت واحد داخل القرية بحماية جيش الاحتلال، ومن ثم تبدأ المضايقات والهجمات والإرهاب على البيوت المجاورة، وتنتقل من بيت لبيت حتى لا يستطيع أهل القرية الاستمرار في هذا العيش فيضطرون للرحيل نهائياً، وهو ما يبدو ماثلاً في محاولات تهجير القرى كما حصل في تجمعات مثل "الجالود" و"أم صفا".
وأشار جمعة إلى أن "إسرائيل" لا تريد كل مطالب الشعب الفلسطيني، وحتى إنها ترفض التعامل مع الفلسطينيين كـ"شعب فلسطيني"، مؤكداً أن الهدف هو تكامل البدء بالتجمعات والقرى وصولاً إلى رأس الهرم حتى السلطة الفلسطينية، لتشريذم الفلسطينيين داخل غيتوهات معزولة بالضفة الغربية تشبه قطاعات غزة المختلفة ما بين شمال ووسط وجنوب وشرق وغرب، والقضاء تماماً على القضية الفلسطينية.
تحذير من مرحلة أكثر خطورة
وحذر جمعة من أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيداً من جرعات الإرهاب والقتل والاعتداءات والتنكيل، وصولاً إلى ارتكاب "مجازر على مستوى أكبر من ذلك" إذا لم يكن هناك رادع يردع حكومة الاحتلال عن هذه السياسة.
ولفت إلى أن "ما حصل في بلدة تل قبل يومين من دفاع عن النفس عَفوي للفلسطينيين، لا يريدونه وغير مسموح به، ووصل إلى حد حرق المساجد (كالمسجد في جيلجليا ثم مسجد مزاريع النوباني) والمدارس والمزروعات".
وفي هذا السياق، انتقد جمعة أداء المستوى السياسي الفلسطيني، قائلاً إنه لا يتحرك بالقدر الذي يوازي حجم التحديات والمخاطر التي يتعرض لها الفلسطينيون في الضفة الغربية.
واعتبر أن سياسة الاكتفاء بردود الفعل المحدودة أو ما وصفه بـ"تقطيع الرأس للعاصفة" تسهم في تشجيع الاحتلال والمجموعات الاستيطانية على المضي في تصعيد سياسات العنف والتهجير، بهدف كسر إرادة الفلسطينيين وفرض المشروع الإسرائيلي على الأرض.