تثير
التحركات الخارجية المتزامنة لكل من
رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة باتجاه الإمارات، وأبناء قائد قوات
الشرق الليبي المتقاعد خليفة حفتر نحو الولايات المتحدة، تساؤلات حول ما إذا كانت
الأزمة الليبية تتجه إلى مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات الداخلية
والخارجية، في ظل حراك دولي متسارع تقوده واشنطن وبعثة الأمم المتحدة لإحياء
المسار السياسي وإنهاء حالة الانقسام المستمرة منذ أكثر من عقد.
وجاءت زيارة الدبيبة إلى دولة الإمارات،
بالتزامن مع لقاءات أجراها أبناء حفتر في العاصمة الأمريكية واشنطن، في وقت تتكثف
فيه الاتصالات الإقليمية والدولية بشأن مستقبل السلطة التنفيذية وآليات إجراء
الانتخابات، وسط مؤشرات على تنامي الاهتمام الأمريكي بالملف الليبي بعد سنوات من
الجمود.
الدبيبة في أبوظبي
استقبل رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن
زايد آل نهيان، رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، حيث بحث الجانبان
العلاقات الثنائية، إلى جانب مستجدات الأوضاع السياسية والأمنية في
ليبيا.
وقالت حكومة الوحدة الوطنية إن اللقاء تناول
سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، ودعم جهود تحقيق الاستقرار، إضافة إلى
بحث تطورات العملية السياسية.
وتحمل الزيارة دلالات تتجاوز بعدها الثنائي،
في ظل التحول الذي شهدته العلاقات بين أبوظبي وطرابلس منذ وقف إطلاق النار عام
2020، بعدما كانت الإمارات من أبرز داعمي معسكر الشرق الليبي خلال سنوات الحرب.
ويرى مراقبون أن أبوظبي تتبنى
سياسة تقوم
على الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف الليبية، بما يضمن لها دورًا في أي
تسوية سياسية مقبلة.
أبناء حفتر في واشنطن
في المقابل، أجرى أبناء خليفة حفتر لقاءات
مع مسؤولين أمريكيين في واشنطن، تناولت ملفات التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب
ومستقبل العملية السياسية، بحسب بيانات صادرة عن القيادة العامة للقوات التابعة
لحفتر.
وتأتي هذه الزيارة في وقت تبدي فيه الولايات
المتحدة اهتمامًا متزايدًا بالملف الليبي، في ظل سعيها إلى الحد من تنامي النفوذ
الروسي، والحفاظ على استقرار قطاع الطاقة، ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة عسكرية
جديدة.
كما تعكس الزيارة حرص معسكر الشرق على تعزيز
حضوره لدى صناع القرار في واشنطن، مع اقتراب مرحلة يُتوقع أن تشهد إعادة تشكيل
المشهد السياسي الليبي.
صدام حفتر ودور أبناء القائد العام
برز صدام حفتر خلال السنوات الأخيرة بوصفه
أحد أبرز الشخصيات الصاعدة داخل معسكر الشرق الليبي، حيث يشغل موقعًا قياديًا في
المؤسسة العسكرية التابعة للقيادة العامة، ويُنظر إليه كأحد أكثر الأسماء نفوذًا
داخل البنية العسكرية، مع تزايد حضوره في إدارة وحدات ميدانية واتصالات خارجية
تعكس اتساع دوره داخل الدوائر العسكرية والسياسية في الشرق.
ويأتي ذلك في سياق أوسع يتمثل في تصاعد
أدوار أبناء خليفة حفتر داخل هياكل النفوذ في شرق ليبيا، حيث باتوا يشكلون جزءًا
من منظومة تجمع بين الوظائف العسكرية والأمنية والاقتصادية، في إطار سعي القيادة
العامة إلى توسيع حضورها السياسي داخليًا وخارجيًا.
مبادرتان تتحركان بالتوازي
تتزامن هذه التحركات مع وجود مسارين دوليين
لمعالجة الأزمة الليبية؛ أحدهما تقوده الولايات المتحدة عبر تحركات دبلوماسية
يقودها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والشرق الأوسط وأفريقيا مسعد بولس،
والآخر تشرف عليه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بقيادة الممثلة الخاصة للأمين
العام هانا تيتيه.
ويؤكد بولس في لقاءاته أن واشنطن تدعم تسوية
سياسية تنهي المراحل الانتقالية وتفضي إلى انتخابات، مع التشديد على أن الحل يجب
أن يكون نابعًا من توافق الليبيين أنفسهم، دون فرض خارجي.
ورغم تداول تسريبات عن تصور أمريكي غير معلن
يتضمن إعادة تشكيل السلطة التنفيذية ثم الانتقال إلى مرحلة دستورية وانتخابية، فإن
بولس شدد على عدم وجود خطة أمريكية مكتملة، موضحًا أن أي تفاصيل ستنبع من التوافق
الليبي.
في المقابل، تواصل بعثة الأمم المتحدة
مشاوراتها مع مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والقوى السياسية والاجتماعية،
بهدف بلورة خارطة طريق جديدة بعد تعثر المسارات السابقة، مع التركيز على القوانين
الانتخابية وتوحيد المؤسسات.
سباق نحو التموضع السياسي
ولا يمكن فصل التحركات الخارجية للدبيبة
وأبناء حفتر عن الحراك السياسي الجاري، إذ يسعى كل طرف إلى تعزيز موقعه الإقليمي
والدولي تحسبًا لأي تسوية مرتقبة، سواء عبر المسار الأممي أو من خلال تفاهمات
دولية أوسع.
كما تعكس هذه التحركات إدراك مختلف الفاعلين
الليبيين أن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة توزيع للأدوار داخل السلطة التنفيذية،
ما يدفعهم إلى تكثيف اتصالاتهم بالعواصم المؤثرة.
ليبيا.. ساحة تنافس دولي
تظل ليبيا واحدة من أبرز ساحات التنافس
الإقليمي والدولي، حيث تتقاطع مصالح الولايات المتحدة وروسيا وتركيا ودول عربية
عدة، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي منذ عام 2011.
وتحتفظ تركيا بعلاقات وثيقة مع حكومة الوحدة
الوطنية في طرابلس، بينما عززت روسيا حضورها العسكري في الشرق والجنوب عبر الفيلق
الأفريقي، في حين تواصل الولايات المتحدة الدفع نحو توحيد المؤسسات ومنع تحول
ليبيا إلى ساحة نفوذ روسية في جنوب المتوسط.
وتسعى الإمارات ومصر إلى الحفاظ على حضور
فاعل عبر التواصل مع مختلف الأطراف، مع دعم أي تسوية سياسية تضمن استقرار البلاد
ووحدة أراضيها.
هل تتغير التوازنات؟
ورغم أن التحركات الأخيرة لا تعني بالضرورة
اقتراب تسوية نهائية، فإنها تعكس تصاعد وتيرة الحراك السياسي والدبلوماسي حول
ليبيا، في ظل تزايد الاهتمام الدولي بإنهاء حالة الجمود التي عطلت الانتخابات منذ
عام 2021.
وقد تكون الأشهر المقبلة مفصلية في مسار
الأزمة، إلا أن نجاح أي تسوية سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف الليبية على تقديم
تنازلات متبادلة، والتوصل إلى صيغة سياسية جامعة تنهي الانقسام وتفتح الطريق أمام
انتقال مستقر.