طفرة عمرانية في مناطق سيطرة "حفتر".. كيف وظّف الإعمار في تثبيت سيطرته؟

يرفع الخصيمان في ليبيا شعار الإعمار لحصد التأييد - جيتي
رغم الانتقادات السياسية والعسكرية التي توجه إلى قائد القيادة العامة في شرق ليبيا المشير خليفة حفتر وعائلته لسيطرتهم على كل شيء في الشرق ورفض أي معارضة، إلا أن مشروعات الإعمار والإسكان والطرق والكباري التي شيدوها هناك تشكل طفرة عمرانية كبيرة.

ونجح حفتر وعائلته المتمثلة في الشقين العسكري "خالد وصدام" والاستثماري "بلقاسم" في جذب عشرات الشركات منذ إعصار درنة "شرق ليبيا" لإعادة الإعمار وتشييد مدن بأكملها وطرق سريعة وعشرات الكباري لأول مرة في ليبيا، ونموذج لذلك مدينة بنغازي التي تحولت إلى مدينة متكاملة الخدمات وكأنك في إحدى مدن أوروبا.



وتمثلت الشراكة في توقيع صندوق إعمار ليبيا اتفاقات مع عدة شركات أجنبية هي من قامت بالتطور العمراني والحضاري في الشرق لا سيما مدينة بنغازي، ومن أهم الشركات: شركة PD&P البريطانية وشركة APA البولندية لتطوير منطقة الصابري ووسط بنغازي، وكذلك تقديم رؤية عمرانية لكورنيش بنغازي، بحسب الصفحة الرسمية لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا.

كما عقد الصندوق شراكة مع عدة شركات أمريكية رائدة للتعاون في قطاعات البنية التحتية، الرعاية الصحية والذكاء الاصطناعي، وكذلك قيامه بشراكة تنموية مع الاتحاد الأوروبي الذي أعلن عن إطلاق شراكة تنموية وأمنية مع السلطات في شرق ليبيا لدعم جهود الإعمار هناك.

وأعلن السفير الأوروبي لدى ليبيا، نيكولا أورلاندو، عن توافق واسع مع سلطات شرق البلاد بشأن إطلاق شراكة تنموية وأمنية جديدة، تشمل التعاون مع صندوق الإعمار، وتعزيز إدارة الحدود، والتصدي للهجرة غير النظامية، وذلك عقب سلسلة اجتماعات فنية ودبلوماسية في مدينة بنغازي في شهر مايو الماضي.

وتشمل الشراكة المقترحة مع صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا مجالات متعددة، أبرزها دعم البنية التحتية، وتطوير التخطيط العمراني، وتعزيز قدرات البلديات، إضافة إلى برامج تدريب ومنح دراسية، وتحديث أداء مؤسسات الجمارك والموانئ، حسبما نشر السفير "أورلاندو" عبر صفحته الرسمية على منصة "إكس".

ووفق الصفحة الرسمية لصندوق إعمار ليبيا فإن الصندوق تعاقد مع ما لا يقل عن 22 شركة دولية ومحلية من جنسيات مختلفة (مصر، تركيا، إيطاليا، الإمارات، فرنسا، بريطانيا، بولندا، سلوفينيا، روسيا، بالإضافة إلى الشركات الوطنية الليبية)، وتتوزع أنشطة هذه الشركات في قطاعات البنية التحتية، والمقاولات الثقيلة، والصحة والبيئة، والتطوير السياحي، والتخطيط العمراني الذكي، والخدمات اللوجستية والدفاعية.



ومن أشهر هذه الشركات: المصرية منها تشمل: مجموعة العرجاني "شركة نيوم"، و شركة وادي النيل، وشركة المقاولون العرب، وشركة بتروجيت، والتركية ممثلة في: شركة ليبكو للإنشاءات (LIBCO)وشركة "جواهر يابي"وشركة (Bepra) التركية، والإيطالية: شركة جي كي إس دي، وشركة "زامبيرلا"، والفرنسية مثل: شركة سيدم"، وشركة "فيوليا"، والسعودية مثل: شركة "أميانتيت" العربية السعودية، وشركة "أكوا باور"، والإماراتية ومنها: شركة "جلوبال كونتراكتنج".. وغيرها من الشركات الأخرى، وفق صفحة الصندوق.

"مفارقة مع الغرب الليبي"


ورغم أن الحكومات جميعها تواجدت في الغرب الليبي حيث العاصمة "طرابلس" إلا أن المشروعات الإعمارية هناك ضعيفة جدا مقارنة بمناطق سيطرة حفتر وعائلته، فلم تشهد مناطق غرب ليبيا وكذا الجنوب أي مشروعات إعمارية كبيرة إلا مجموعة صغيرة من الطرق السريعة والدائرية.

وأطلق رئيس الحكومة في طرابلس، عبدالحميد الدبيبة برنامجين تحت عنوان "عودة الحياة، إعمار طرابلس" وتم تنفيذ مشروعات بالفعل مثل الطريق الدائري الثالث بطرابلس، وبناء عدة كباري ومدن شبابية موزعة على عدة مناطق في ضواحي العاصمة.

ورأى مراقبون للوضع الاقتصادي أنه "رغم هذه المشروعات إلا أن الغرب الليبي مقارنة بما تم في شرق ليبيا لا زال يعاني من حالة تعثر واضحة في تنفيذ المشروعات البنيوية بسبب استمرار النزاعات المسلحة الدورية بين التشكيلات المسلحة المتنافسة والتي أدى بعضها لتدمير مشروعات جديدة للحكومة لم تفتتحها بعد، كذلك تعثر الحكومة في دفع نفقات بعض الشركات مثل الشركات المصرية والتركية.



ومن ضمن المشروعات العمرانية المتوقفة في غرب ليبيا بشكل أساسي مجمعات الإسكان العام مثل: مشروع العمارات الصينية وهي مشروع يضم آلاف الوحدات السكنية التي أُنشئت بنسب إنجاز متفاوتة لكنها ظلت مهجورة أو تعرضت للاقتحام، وكذلك مشروع "الغزالة" السياحي في قلب العاصمة والذي كان من المفترض أن يضم أبراجا تجارية وفنادق ضخمة، لكنه ظل حتى الآن مجرد هيكل خرساني، وفق تقارير محلية وبعض تقارير المصرف المركزي الذي لمح بأن بعض الشركات المنفذة انسحبت بعد تعثر الإيفاء بمستحقاتها وبعضها انسحب بعد الثورة مباشرة.

في حين لم تقع حادثة واحدة مشابهة في مناطق سيطرة حفتر وعائلته العسكرية، كونه ينظر إلى معسكر "القيادة العامة" على أنه "كيان واحد منضبط" قادر على فرض مركزية عسكرية صارمة والتحكم في المؤسسات الخدمية والأمنية في الأقاليم الخاضعة لسيطرته (شرق وجنوب ليبيا) مقارنة بحالة التشرذم والانقسام التي تعاني منها مناطق أخرى.

ومع ذلك، فإن هذا "الانضباط" يثير جدلاً واسعاً نظراً لطبيعته السلطوية، ويمكن قراءة هذا المشهد من 3 زوايا:

الهيكل العسكري: يعتمد على تسلسل قيادي واضح يربط بين مختلف الوحدات والكتائب العسكرية (مثل "الصاعقة" واللواء 12 مجحفل والقوات النظامية)، ما يخلق مظهراً من التجانس والانضباط الميداني.

السيطرة الأمنية: فقد نجحت الأجهزة الأمنية التابعة لحفتر في فرض هيبة الدولة والقانون في المناطق الشرقية، مما أدى إلى تراجع معدلات الجريمة المنظمة مقارنة بمدن أخرى في الغرب الليبي.
إدارة المؤسسات: تدار المناطق الخاضعة له بمركزية شديدة من خلال حكومات موازية أو لجان مكلفة، وهو ما يضمن توحيد القرارات السياسية والمالية ويوحي بالاستقرار المؤسسي.، وذلك وفق ورقة سياسية مطولة نشرها مركز "القاهرة لدراسات حقوق الإنسان" نهاية عام 2019.

أضف إلى ما سبق حالة السيطرة التامة من قبل عائلة حفتر على هذه القوات والتخلص من أي نماذج يستشعرون خطرها أو خروجها عن طاعتهم ولو في قرار واحد، وحدث ذلك مع بعض الكتائب في الجنوب الليبي التي ألغى حفتر تشكيلها وسرح قادتها مثلما حدث مع اللواء: حسن الزادمة الذي كان يشغل منصب "آمر اللواء 128" والذي حله صدام حفتر وقام بتحجيم نفوذ الزادمة وقبيلته "أولاد سليمان" في الجنوب.

كما وظفت عائلة حفتر السياسات الأمنية والعمرانية في الجنوب لتعزيز نفوذها هناك، وعمل كل من صدام وبلقاسم نجلا خليفة حفتر، على تعزيز النفوذ العسكري والسياسي عبر مشاريع إعمار خدمية، وعبر إجراء تدريبات عسكرية واسعة النطاق، أبرزها مناورات عسكرية كبرى عُرفت باسم "درع الكرامة 2"، وفقما نشرت وكالة "فرانس 24".

"صندوق الإعمار.. اليد الطولى"


 شكلت كارثة إعصار "دانيال" الذي ضرب مدينة درنة في سبتمبر 2023 أزمة كبيرة للسلطات هناك كون الإعصار قضى على المدينة تماما ومدن أخرى، لكنها في المقابل كانت بمثابة فرصة سيطرة جديدة لقوات حفتر عبر الحكومة المكلفة من مجلس النواب والتي قام رئيسها، أسامة حماد بتأسيس صندوق إعمار درنة والمناطق المتضررة وتعيين بلقاسم نجل خليفة حفتر مديرًا له ، قبل أن يتم دمج هذا الصندوق في فبراير 2024 بقرار من مجلس النواب ضمن هيكل أوسع يُعرف الآن باسم صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا ولا زال رئيسه بلقاسم حفتر.

وفي أشهر قليلة سيطر الصندوق على كل المشروعات الاستثمارية في شرق ليبيا بعدما نجح في جذب عشرات الشركات الأجنبية إلى الداخل الليبي وتوقيع اتفاقات معها لإنشاء مدن بأكملها، وتغيير غالبية البنية التحتية هناك والوصول إلى نماذج مميزة بمواصفات عالمية.

لكن هذه الطفرة العمرانية التي لا زالت تفتتح مشروعاتها تسببت في سيطرة الصندوق ورئيسه نجل حفتر على كل شيء وعلى ميزانيات ضخمة خاصة أنه صندوق سيادي لا يخضع للرقابة، وأن هذه الصلاحيات المطلقة تتم بقانون وقرار من قبل مجلس النواب، فالقانون رقم 1 لسنة 2024 والقرار رقم 3 لسنة 2024 منحا مدير الصندوق استثناء كاملا من لائحة العقود الإدارية وقوانين الرقابة المالية ومتابعة ديوان المحاسبة، كما سمحا له بحق الاقتراض المباشر من مصرف ليبيا المركزي وفتح حسابات مصرفية بالعملات الأجنبية في الخارج.

أرقام ضخمة مقابل الإعمار"


هذه الصلاحيات المطلقة ورفض أي رقابة على الصندوق ومديره ساعدته على الحصول على تخصيص مبلغ 10 مليارات دينار ليبي (حوالي ملياري دولار) كدفعة أولى للصندوق، أنفق ما يقارب من نصفها على هذه الطفرة العمرانية، بحسب منشور القانون في صفحة "المجمع القانوني الليبي".

وكشفت بيانات صادرة عن مصرف ليبيا المركزي إلى أن إجمالي استخدامات النقد الأجنبي لمشاريع إعادة إعمار المنطقة الشرقية بلغ 950 مليون دولار خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2025، في حين يخصص قانون المالية الجديد حوالي 20 مليار دينار (2.7 مليار يورو) للاستثمارات في غرب البلاد، ومبلغا مماثلاً في الشرق والجنوب لاستكمال المشاريع الاستراتيجية، وفق تصريحات لبلقاسم حفتر لوكالة "فرانس برس" في أيار/ مايو 2026.

"توظيف الخدمات لتثبيت الحكم"


ورغم وجود طفرة عمرانية شرقا وبعض المشروعات غربا إلا أن كل طرف سياسي أو عسكري يحاول توظيف هذه الخدمات في تسويق مشروعه السياسي والانتخابي وترسيخ سيطرته ونفوذه، وتأكد ذلك خلال الترشح للانتخابات التي كان مقرر إجراؤها سابقا، ورفع الدبيبة نفس شعار مشروعات الإعمار "عودة الحياة" كما سوق حفتر لنفسه بأنها صانع إنجازات العمرانية، فالكل استدعى مشروعاته العمرانية رغم أنها ممولة من خزينة الدولة.

وكون حفتر هو الأكثر قوة وتميزا في ملف المشروعات العمرانية فنجد محاولة توظيفها سياسيا وعسكريا واضح جدا، بل وتحولت هذه المشروعات إلى استراتيجية لترسيخ "حكم المشير" وعائلته وجلب شرعية دولية ومحلية واستغلال ملف الإعمار مقابل الاعتراف به ودعوته للزيارات الخارجية.

بل تجاوز الأمر ذلك، ونسبت كل بناية للمشير نفسه وعمليته العسكرية المسماة "الكرامة"، فتجد مدينة ضخمة جدا تحمل اسم "مدينة المشير حفتر" وأغلب الطرق والكباري تسمى على اسمه أو اسم "الكرامة"، ما يؤكد توظيف الخدمات لمزيد من السيطرة والنفوذ.

"بديل اقتصادي للواجهة العسكرية"


من جهته، حذر المعهد الملكي للشؤون الدولية "تشاتام هاوس"، مركز أبحاث بريطاني مقره لندن، من أن صندوق إعادة الإعمار والتنمية برئاسة نجل حفتر يعمل دون أي رقابة رسمية أو تدقيق مالي من الهيئات الرقابية في العاصمة طرابلس، وأن الإنفاق المتزايد الذي يقوم به الصندوق هو أداة لتمكين النخبة المسيطرة وبناء شبكات رعاية مالية خاصة بها.

وأكد أن "حفتر تمكن من تفكيك واختراق المؤسسات الخدمية والبلديات الضعيفة في الشرق لتأسيس شبكة تابعة لعائلته مباشرة، ويتم استخدام الإعمار كوسيلة لبناء شرعية مدنية وتكنوقراطية لنجله بلقاسم لتقديمه للمجتمع الدولي والوفود الغربية والآسيوية كشريك مالي واقتصادي بديل للواجهة العسكرية.

في سياق آخر، وثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" ما أسمته عمليات استيلاء ممنهجة على ممتلكات وشقق سكنية للمدنيين في أحياء بمدينة بنغازي مثل "قاريونس ووسط البلاد" من قبل مجموعات مسلحة تابعة للجيش برئاسة حفتر، مؤكدة أن منع العائلات المهجرة والنازحة من العودة إلى منازلها ومصادرة أراضيها تحت ذريعة "المناطق العسكرية" أو "خطط التطوير العمراني" دون تعويضات عادلة يمثل انتهاكا صارخا للقوانين الإنسانية، ويرقى في بعض الحالات ليكون جريمة تهجير قسري تقع تحت طائلة القانون الدولي والمحكمة الجنائية الدولية، وفق تقاريرها.

"عمران يبتز الدولة والميزانية"


في محاولة لقراءة أهداف حفتر والدبيبة من هكذا مشروعات خاصة قوات حفتر التي تسيطر على النصيب الأكبر، تحدثت "عربي21" مع الأكاديمي الليبي المطلع على ملف الإعمار، فرج دردور والذي أكد أن "حفتر يعتقد أنه يكسب محبة الناس بهذه المشروعات وسيجلب بقاء أولاده في حكم ليبيا عندما يسند لهم مهام كل القطاعات في شرق ليبيا، دون أن يهتم بالضرر الجسيم الذي يوقعه في الاقتصاد الليبي ومن ذلك انهيار قيمة الدينار الليبي أمام الدولار، وما يترتب عليه من غلاء المعيشة وزيادة الفقر في ليبيا".

وأوضح أن "الآلة الإعلامية لحفتر قادرة على تحميل المسؤولية على الحكومة في غرب ليبيا، في حين أن حفتر تسبب في دين عام يتجاوز 300 مليار دينار عن طريق الاقتراض الإجباري بإصدار صكوك بدون رصيد من مصارف المنطقة الشرقية التي يسيطر عليها بالقوة، وفق معلوماته.



وأضاف دردور لـ"عربي21": "هذه الصكوك يُحمّلها لاحقا على مصرف ليبيا المركزي عن طريق ابتزاز الدولة بقفل النفط إذا لم يتم تغطية هذه الصكوك من ميزانية الدولة، أما حكومة الدبيبة فتقوم ببعض الأمور المشابه لكن ليس إلى الحد الإجرامي الذي يقوم به حفتر في حق الدولة".

وتابع: "كما أن المشروعات في شرق ليبيا تستخدم أيضا في تبييض الفساد والنهب الذي يظهر واضحا في ضخامة مصروفات حفتر وحاشيته، وعليه فإن ما يحرك النشاط المعماري في ليبيا هو توفر التغطية المالية بدون حدود ولا تخطيط، وهو ما يعكس حجم الفساد والجرائم الاقتصادية في حق البلاد دون تحمل أدنى مسؤولية وليس الدافع الوطني، وفق تقديراته.