بين فشل "تل أبيب" ونجاح طهران.. دعوة إسرائيلية لبناء قدرات عسكرية بعيدا عن واشنطن

الصحيفة أكدت أن إيران تدير المواجهة تحت النار عبر حزب الله لاستنزاف جيش الاحتلال- جيتي
حذرت صحيفة إسرائيلية من "تنازل" دولة الاحتلال الإسرائيلي عن حرية العمل العسكري في لبنان وغزة، معتبرة ذلك بمثابة "انتصار استراتيجي" لإيران خاصة بعدما فشلت "تل أبيب" في فصل الساحات المختلفة ونجحت طهران في ضرب العلاقة بين "تل أبيب" وواشنطن.

وأوضحت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في تقريرها، أن "إيران تمارس أقصى درجات الضغط في المفاوضات؛ وهي تفعل حزب الله لزيادة الضغط على الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان ومحاولة دفع إسرائيل إلى الانسحاب، ومن منظور طهران تُدار هذه المفاوضات "تحت النار"؛ فهي تشغّل ذراعها الإقليمي وتختبر في الوقت نفسه مدى قدرة واشنطن على التأثير في حليفتها إسرائيل، ويبقى السؤال: كيف ستنتهي هذه المعادلة؟؛ هل بانهيار المفاوضات والعودة إلى الحرب، أم بانسحاب إسرائيلي، أم بتسوية تبقي إسرائيل متمركزة فقط في المواقع الخمسة الواقعة خلف الحدود التي استقرت فيها عقب عملية عام 2024؟".

طهران وإستراتيجية الاستنزاف

ونوهت أن "لبنان ليس سوى البداية، فإذا استمر هذا المسار، ستُطرح غدا مطالب بوقف إطلاق النار في غزة، ثم بفرض قيود على النشاط العسكري في الضفة الغربية، ففي الشرق الأوسط، يتحول أي تخل عن حرية العمل إلى سابقة تُستغل لاحقا، وهذا هو الانتصار الاستراتيجي الذي تسعى إليه إيران، لقد حاولت إسرائيل فصل الساحة اللبنانية عن إيران وفشلت، بينما تحاول إيران فصل إسرائيل عن الولايات المتحدة وتحقق نجاحا في ذلك".

وأكدت الصحيفة، أن "تآكل قوة الردع تنعكس على مختلف الساحات، فقد تلقى الجيش الإسرائيلي تعليمات بوقف إطلاق النار في وقت كانت قواته تتمركز قرب أحد أهم مراكز الثقل التابعة لحزب الله"، منوهة أن "مشاعر الإحباط تتزايد بين الجنود العاملين في المنطقة الأمنية جنوب لبنان".

وبحسب شهادات جنود الاحتلال، "تتكرر باستمرار مشاعر الإحساس بأنهم "أهداف مكشوفة"، إذ يُطلب منهم العمل في بيئة مليئة بالمخاطر والتهديدات ضمن قيود عملياتية صارمة، بينما يواصل الخصم استنزافهم".

ووفقا لمصادر مطلعة على النشاط العسكري، "لا يُسمح للقوات المنتشرة بين الحدود ونهر الليطاني بتنفيذ هجمات استباقية، وإنما يقتصر دورها أساسا على إزالة التهديدات المباشرة، وهذه معادلة تجعل العديد من المزايا العملياتية التي يمتلكها الجيش الإسرائيلي عاجزة عن التعبير الكامل عن فعاليتها في مواجهة تنظيم حرب عصابات متمرس".


ونوهت "يديعوت"، أن "الأمر لا تقتصر على الشعور بالإحباط؛ فعندما يُطلب من قوات الجيش أن تقاتل لفترة طويلة تحت قيود تمنعه من استثمار تفوقه العملياتي، فإن الردع والثقة بالنفس لدى الجنود يتآكلان تدريجيا، وقد تتحول الحرب "مقيدة الأيدي" من حل مؤقت إلى وصفة لكارثة"، زاعمة أن "التفوق العملياتي والتكنولوجي والاستخباراتي للجيش الإسرائيلي يصطدم في الواقع الراهن بقيود سياسية وعملياتية تحد من فعاليته".

واعترفت أن حزب الله الذي يطلق مسيرات مفخخة، نجح في وضع جيش الاحتلال "أمام معضلات عملياتية وسياسية وقانونية معقدة"، منوهة أن "مهمة العمل عندما تتقص، يتجدد التهديد وتنتقل أعباؤه إلى الجنود العاملين على الأرض، وإذا لم تسمح القيادة السياسية للجيش باستخدام كامل قدراته، فعليها إعادة النظر في طبيعة المهمة الموكلة إليه".

وتساءلت: "إذا كان استخدام القوة الواسعة قد حقق في السابق إنجازات مهمة، فلماذا العودة إلى حالة الاستنزاف المستمر؟"، مضيفة: "منتقدو السياسة الحالية، يرون أن التطورات الأخيرة أتاحت لإيران وحزب الله إعادة بناء جزء من قدراتهما تدريجيا، كما أن طهران لا تزال متمسكة بإستراتيجية الاستنزاف طويلة الأمد ضد إسرائيل".

الاستقلالية تتحول إلى ضرورة

ورأت الصحيفة، أن "المفاوضات التي أدارها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع طهران قلّصت، وفق هذا الطرح، من وزن الإنجازات العسكرية التي حققها الجيشان الإسرائيلي والأمريكي، وأرسلت رسالة مفادها أن إسرائيل باتت أقل قدرة على ممارسة حرية العمل التي كانت تتمتع بها سابقا، وكانت النتيجة تراجعا ملموسا في قوة الردع الإسرائيلية؛ وأصبح الجيش الإسرائيلي اليوم يعمل حتى في جنوب لبنان تحت قيود ثقيلة، بحسب زعمها.


وأضافت: "هذه الرسالة لم تغب عن أنظار الفاعلين الإقليميين، من تركيا مرورا بإيران ووكلائها، وصولا إلى التنظيمات في الضفة الغربية، كما يُنظر إلى سياسة ترامب على أنها أضرت بالمصالح الأمريكية في لبنان، من خلال تعزيز نفوذ إيران عبر حزب الله في مواجهة القوى اللبنانية، بما فيها ممثلو الحكومة المنخرطون في مفاوضات مع إسرائيل".

وبحسب هذا التصور، أكدت "يديعوت"، أن "الواقع الراهن يمثل خطرا استراتيجيا حقيقيا، إذ ينعكس تآكل الردع على جميع الساحات، كما أن عملية إعادة بناء الردع، ستتطلب عملية عسكرية ناجحة على نحو استثنائي، على أن تتوج بخطوة سياسية تستثمر نتائجها بدلا من تبديدها".

وفي الوقت نفسه، "تفرض التطورات الحالية إعادة تقييم شاملة لبناء القوة العسكرية الإسرائيلية، ستضطر إسرائيل إلى استثمار موارد كبيرة في تعزيز قدراتها العسكرية، وتطوير إمكانات إنتاج مستقلة، وتقليص اعتمادها على أنظمة التسليح أمريكية المنشأ، ولا يعني ذلك التخلي عن التحالف الاستراتيجي مع واشنطن، بل بناء قدرة ذاتية أوسع تضمن حرية الحركة حتى في أوقات الخلافات السياسية".

وأشارت أنه "من يتابع تصريحات المسؤولين الأمريكيين، بمن فيهم نائب الرئيس فانس، يدرك أن هناك توجها متزايدا داخل الولايات المتحدة يدعو الحلفاء إلى تحمل نصيب أكبر من أعبائهم الأمنية، وبالنسبة لإسرائيل، هذا يعني أن تعزيز الاستقلالية العسكرية لم يعد ترفا، بل أصبح ضرورة إستراتيجية".

وبحسب الصحيفة، "يقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام قرار بالغ التعقيد، غير أن الخيار الأكثر إشكالية يتمثل في الإبقاء على الوضع الراهن، فالحرب المستمرة من دون حسم واضح تفرض أثمانا يومية على القوات المنتشرة في الميدان، من دون أن تحدث تغييرا استراتيجيا حقيقيا".

ولفتت إلى أن "إسرائيل تواجه اليوم خيارين رئيسيين: الأول؛ رفع القيود المفروضة على الجيش والسماح باستخدام قوة واسعة النطاق، مع تحمل مخاطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أكبر، وربما إلى صدام مع إيران من دون دعم أمريكي كامل، فضلا عن احتمال تصاعد التوتر مع واشنطن".


وأشارت إلى أن الخيار الثاني هو "سحب القوات إلى خط دفاعي مختلف، وإعادة تنظيمها والاستعداد لمواجهة مستقبلية في ظروف أكثر ملاءمة، غير أن مثل هذه الخطوة قد تفسر في الشرق الأوسط أنها اعتراف بالفشل أو علامة على الضعف الاستراتيجي، بكل ما يترتب على ذلك من تداعيات".

ولفتت الصحيفة إلى أنه "يتعين على القيادة السياسية وفي مقدمتها رئيس الوزراء نتنياهو، أن تنظر إلى الواقع بوضوح وتدرك أن الامتناع عن اتخاذ القرار هو في حد ذاته قرار، وربما الأسوأ بينها جميعا، وكما ورد في العبارة الشهيرة من فيلم Apollo 13: "هيوستن، لدينا مشكلة"، والسؤال ليس ما إذا كانت هناك مشكلة، بل ما إذا كانت إسرائيل ستتحرك لمعالجتها قبل أن تدفع ثمنا أكبر بكثير، والوقت عامل حاسم في هذا السياق".