كاتب صحفي يكشف لـ"عربي21" مستقبل مالي بعد التصعيد.. ما علاقة روسيا وفرنسا؟

الانقلابات كانت من أهم أسباب إضعاف الدولة المالية - الأناضول
شهدت مالي خلال الساعات الماضية واحدة من أعنف موجات التصعيد الأمني منذ سنوات، بعد تعرض مواقع عسكرية وحيوية لهجمات متزامنة طالت ضاحية كتي العسكرية القريبة من العاصمة باماكو، إلى جانب مناطق في الشمال والوسط، في تحرك تبنته جماعات مسلحة يتقدمها تحالف غير مسبوق بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة.

ورغم تداول أنباء عن استهداف منزل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، بل وورود تقارير غير مؤكدة عن مقتله، فإن السلطات المالية لم تصدر حتى الآن أي تأكيد رسمي بهذا الشأن، في وقت أعلن فيه الجيش أن العمليات العسكرية لا تزال مستمرة لاستعادة السيطرة الكاملة على بؤر الاشتباك، خاصة في كيدال شمال البلاد.

وبينما تبدو العاصمة باماكو أكثر هدوءًا نسبيًا بعد ساعات من الارتباك وفرض حظر التجول، تظل الأسئلة مفتوحة حول طبيعة ما جرى: هل هو مجرد هجوم منسق عابر؟ أم بداية لمرحلة جديدة من الصراع الداخلي والإقليمي على الأراضي المالية؟ وما فرص الحكومة العسكرية في احتواء الموقف؟

في هذا السياق، أجرى "عربي21" حوارا مع الصحفي والكاتب المالي محمد ويس المهري، للوقوف على خلفيات التطورات الأخيرة، وقراءة المشهد الميداني والسياسي والإنساني في مالي.

في البداية.. ماذا يحدث في مالي؟

الأحداث التي شهدتها مالي خلال الساعات الماضية تمثل هجمات متزامنة ومنسقة نفذتها جماعات مسلحة متعددة، جزء منها حركات سياسية كانت موقعة سابقًا على اتفاق السلام الموقع عام 2015، وعلى رأسها تكتل جبهة تحرير أزواد، إلى جانب جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة.

هاتان الجهتان دخلتا في تحالف واضح لتنفيذ سلسلة من الضربات المتزامنة استهدفت العاصمة باماكو وبعض مدن الشمال والوسط، في تطور يعد من أخطر التطورات الأمنية التي شهدتها البلاد خلال الفترة الأخيرة.

الهجوم بدأ منذ الساعات الأولى من صباح أمس باستهداف منطقة كاتي، وهي ضاحية عسكرية شديدة الحساسية تقع قرب العاصمة باماكو وتضم المنطقة العسكرية الأولى في البلاد، حيث يتمركز عدد كبير من كبار قادة الجيش، كما توجد بها منازل مسؤولين عسكريين بارزين، بينها منزل وزير الدفاع، فضلًا عن قربها النسبي من القصر الرئاسي، ما جعل استهدافها يحمل دلالات أمنية وسياسية خطيرة للغاية.

وفي الوقت نفسه، تزامنت هذه الضربات مع هجمات أخرى على منطقة سيفاري بوسط البلاد، وكذلك ولايات غاو وكيدال وتمبكتو في شمال مالي.

ومع حلول مساء أمس، بدأت السلطات العسكرية تتحدث عن عودة نسبية للسيطرة، وفرضت حظر تجول في معظم المدن المالية بعد اتساع نطاق الاستهداف ليشمل مناطق حيوية ورئيسية،كما جرى تداول معلومات عن استهداف منزل وزير الدفاع ساديو كامارا داخل كتي العسكرية، مع انتشار أنباء عن مقتله رفقة عدد من أفراد عائلته ومدنيين آخرين، غير أن هذا الأمر لم تؤكده حتى الآن أي جهة رسمية.

في المقابل، دفعت القوات المسلحة بتعزيزات إلى غاو وكيدال ومناطق أخرى لمحاولة ضبط الوضع، إلا أن بؤرة التوتر الرئيسية بقيت في مدينة كيدال شمال البلاد، حيث ما تزال الاشتباكات مستمرة وسط تضارب في المعلومات بشأن حجم السيطرة هناك، واليوم، عادت الأوضاع في العاصمة إلى درجة كبيرة من الاستقرار، مع استئناف الحركة الطبيعية نسبيًا، رغم استمرار حالة الترقب.

ما الفرق بين هذه العمليات العسكرية وما كان يحدث في السابق؟ وهل نحن أمام تحول جديد؟
الاختلاف الأساسي هذه المرة أن هناك حديثا متزايدا عن مفاوضات تجري في كيدال، أقصى شمال البلاد، بشأن انسحاب محتمل لبعض القوات المالية من معسكرات رئيسية هناك.

كيدال منطقة استراتيجية متاخمة للحدود الجزائرية، وتضم معسكرًا رئيسيًا ومطارًا مدنيًا وعسكريًا، كما أنها تمثل أحد أهم مراكز تمركز القوات المسلحة المالية إلى جانب عناصر الفيلق الأفريقي والخبراء الروس.

الجهات الموالية لجبهة تحرير أزواد تحدثت بالفعل عن مفاوضات مع الجيش المالي والقوات الحليفة له من أجل خروج آمن من بعض المواقع وتسليم المدينة، لكن الجيش المالي وقيادة الأركان نفيا هذه الرواية وأكدا أن المعارك لا تزال جارية وأن القوات تحاول استعادة السيطرة الكاملة.

اللافت أيضًا أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، عبر ذراعها الإعلامية وكالة الزلاقة، أصدرت بيانًا مطولًا تبنت فيه الهجمات وأكدت أنها نفذت بتنسيق كامل مع جبهة تحرير أزواد، بل ووجهت في نهاية البيان رسالة مباشرة إلى الجانب الروسي تطالب بتحييده وعدم انخراطه في المواجهات، مع تقديم ضمانات بعدم استهداف مقراته إذا ابتعد عن المعركة، وهو تطور يعكس أن الهجوم يتجاوز مجرد عملية ميدانية محدودة.

هل ما يحدث تصعيد مؤقت أم أننا أمام عودة لحركة انفصالية واسعة؟

ما يجري في الحقيقة ليس حدثًا منفصلًا، بل هو امتداد لصراع قديم ممتد منذ عقود، يهدأ أحيانًا ثم يشتعل من جديد.

جبهة تحرير أزواد، وهي تكتل يضم حركات سياسية ومدنية وبعض الفصائل المسلحة، كانت طرفا في اتفاق السلام عام 2015، لكنها انسحبت لاحقًا مع الحكومة المالية من هذا الاتفاق، لتعود المواجهات بقوة منذ عام 2023.

هذه الجبهة تطالب باستقلال شمال مالي، وهي منطقة شاسعة تمثل نحو 60 بالمئة من مساحة البلاد، تمتد من كيدال إلى مناطق وسطية واسعة، وفي المقابل، تسعى الحكومة العسكرية في باماكو إلى فرض سيطرتها الكاملة على هذه الأراضي، ما يجعل الصدام مستمرًا ومفتوحًا.

لكن الصراع لا يقتصر فقط على الداخل المالي، بل له أبعاد دولية واضحة، فبعد طرد فرنسا من مالي ومن دول الساحل الثلاث، دخلت المنطقة في مرحلة إعادة تموضع دولي، وأصبحت ساحة تنافس بين روسيا والمعسكر الغربي.

بل إن هناك اتهامات متكررة لفرنسا بأنها سهلت بعض التحركات أو غضت الطرف عنها، كما تحدثت الحكومة المالية في أكثر من مناسبة عن ضبط شحنات سلاح وتقنيات مسيرة قالت إن بعضها أوكراني المصدر، مع وجود تصريحات سابقة لدبلوماسيين أوكرانيين تحدثوا فيها عن دعم خصوم باماكو بحكم تحالفها مع موسكو.

ولهذا فإن ما نشهده اليوم هو مزيج بين صراع داخلي انفصالي قديم وصراع دولي على النفوذ في منطقة الساحل.

هل يمكن القول إن مالي أصبحت ضحية صراع إقليمي ودولي؟

للأسف نعم، مالي تحولت بالفعل إلى ساحة تصفية حسابات بين قوى دولية وإقليمية متعددة.

هناك تحولات كبيرة حدثت في شبكة تحالفاتها فقد اقتربت باماكو من أطراف جديدة مثل المغرب والإمارات وروسيا، في مقابل تراجع علاقاتها التقليدية مع الجزائر وموريتانيا وبعض دول الجوار، وهو ما أثر بشكل مباشر على منظومة التنسيق الأمني والاستخباراتي التي كانت قائمة سابقًا.

في السابق، كان هناك تنسيق وثيق مع الجزائر وموريتانيا خصوصًا في تبادل المعلومات الأمنية ومنع تسلل الجماعات المسلحة، كما كانت مجموعة الساحل الخماسية توفر إطارًا إقليميا للتعاون العسكري، لكن مع تفكك هذه المنظومات واحتدام الخلافات السياسية، وجدت الجماعات المسلحة فراغًا أمنيًا واسعًا، خاصة في المناطق الصحراوية المفتوحة شمالًا ووسطًا، ما سمح لها بالتوسع والتوغل.

كيف تقيم أداء الجيش المالي على الأرض؟

رغم عنصر المفاجأة الكبير الذي صاحب هجمات الأمس، فإن الجيش المالي تحرك بسرعة ملحوظة وفق ما تؤكده مصادر عسكرية وأمنية، حتى مع الحديث عن تعرض بعض أنظمة الملاحة والتنسيق العسكري لعمليات تشويش عطلت نسبيًا الدعم الجوي في الساعات الأولى.

لكن مع حلول المساء بدأ الانتشار الأمني الكثيف داخل باماكو، ونُصبت الحواجز ونقاط التفتيش في معظم الأحياء، كما فُرض حظر تجول من التاسعة مساء حتى السادسة صباحًا في أغلب المدن، بالتوازي مع تحركات برية وجوية استهدفت مواقع للمهاجمين.

الحياة عادت بشكل طبيعي في معظم المدن، باستثناء كيدال التي ما تزال ساحة المعركة الأساسية.

الجيش المالي يقول إنه يواصل عمليات التمشيط والاستهداف، بينما تؤكد جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين أنهما تسيطران على المدينة بالكامل وتفاوضان القوات الموجودة في المعسكر الرئيسي والمطار من أجل الانسحاب أو تسليم السلاح. ولذلك تبقى الصورة حتى الآن ضبابية بانتظار ما ستكشفه الساعات المقبلة.

كيف نفهم طبيعة العلاقة الحالية بين جماعة نصرة الإسلام وجبهة تحرير أزواد؟


في السابق لم يكن هناك تنسيق معلن بين الطرفين، رغم وجود كل منهما على الأرض في مناطق متقاربة. كانت العلاقة قائمة على تجنب الصدام أكثر من التعاون المباشر.

لكن التطور الجديد أن الطرفين أعلنا صراحة هذه المرة أن الهجمات نُفذت بتنسيق وتعاون كاملين، وأنهما شكلا تحالفًا ميدانيًا لاستهداف الدولة المالية والسيطرة على عدد من المدن.

جبهة تحرير أزواد ركزت هجماتها على شمال البلاد، بينما تولت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وخاصة عبر كتيبة ماسينا بقيادة أمادو كوفا، تنفيذ الضربات الأشد في وسط البلاد وضاحية كتي العسكرية قرب باماكو.

هذا يعني أننا أمام تحالف نوعي بين قوة انفصالية محلية وقوة جهادية ضاربة، وهو ما يرفع مستوى التهديد بشكل غير مسبوق.

إلى أي مدى أثرت الانقلابات العسكرية في مالي على تماسك الدولة؟


الانقلابات كانت من أهم أسباب إضعاف الدولة المالية، فانقلاب 2012 تحديدا شكل ضربة قاصمة، لأنه تزامن مع خروج مساحات واسعة من شمال البلاد عن سيطرة الحكومة، وسيطرة الحركات الأزوادية على تلك المناطق، ثم جاءت انقلابات 2020 و2021 لتعمق الأزمة، عبر فتح مواجهة مع المجتمع الدولي والأمم المتحدة والدول الغربية، وعلى رأسها فرنسا، التي فرضت عقوبات وإجراءات أضعفت إمكانيات الدولة الاقتصادية والعسكرية.

قبل 2012 كانت مالي تعد من الدول ذات المؤشرات المقبولة نسبيًا في الاستقرار والحكم والتنمية داخل القارة الأفريقية، لكن منذ ذلك التاريخ دخلت البلاد في مسار انحداري مستمر أوصلها إلى هذا الوضع الهش.

وماذا عن المدنيين والوضع الإنساني؟

المدنيون هم الضحية الأولى بلا شك، مالي تعاني أصلًا من موجات نزوح كبيرة منذ سنوات، وهناك مئات الآلاف من الماليين موزعون بين موريتانيا والجزائر ودول جوار أخرى، وفي موريتانيا وحدها توجد مخيمات تستضيف نحو 300 ألف نازح مالي، فيما يعيش آخرون داخل المدن الجنوبية الجزائرية.

أي توسع جديد للصراع سيعني موجات نزوح إضافية ضخمة، خاصة إذا امتدت الاشتباكات أو تمكنت الجماعات المسلحة من فرض سيطرة أطول على بعض المناطق، لأن السكان عادة يفرون خوفًا من القتال أو من الوقوع تحت حكم هذه الجماعات.

ولهذا فإن الشارع المالي يعيش الآن حالة قلق وترقب شديدين، وسط مخاوف حقيقية من أن تتحول التطورات العسكرية إلى أزمة إنسانية أوسع.

ما السيناريوهات المحتملة خلال الأيام المقبلة؟ وهل يمكن أن تصل الجماعات المسلحة إلى إسقاط الحكومة ؟


حتى الآن لا تبدو العاصمة باماكو مهددة بالسقوط، لأن تأثير الهجمات عليها كان محدودًا نسبيًا وانحصر أساسًا في ضاحية كتي العسكرية، بينما عادت الحياة داخل المدينة إلى طبيعتها إلى حد كبير.

السيناريو الأقرب هو أن تتمكن الحكومة من استعادة السيطرة على معظم المناطق التي شهدت توترات، كما حدث في موجات سابقة منذ عام 2023، خاصة أن الجيش المالي يمتلك هذه المرة قدرات جوية أكبر، بينها طائرات مسيرة حصل عليها من تركيا إلى جانب دعم جوي روسي.

لكن كيدال تبقى الحالة الأكثر تعقيدًا، إذ قد تنجح الجماعات المسلحة في فرض وجود مؤقت أو نسبي هناك بحكم الطبيعة الجغرافية والحساسية التاريخية للمدينة، باعتبارها كانت معقلًا رئيسيًا لحركات أزواد سابقًا.

ومع ذلك، لا توجد حتى اللحظة مؤشرات مؤكدة على انهيار النظام أو سقوط العاصمة، وإن كانت الهجمات الأخيرة تمثل بلا شك تصعيدًا خطيرًا ورسالة بأن الصراع في مالي دخل مرحلة أكثر تنظيمًا وتعقيدًا من السابق، خاصة مع بروز تحالفات مسلحة جديدة واحتمالات وجود دعم خارجي في التخطيط والتنفيذ.