ارتبط بالقذافي.. من هو "إياد أغ غالي" رجل التحولات الحادة الذي قد يحكم مالي؟

يلاحق أغ غالي وفق مذكرة صادرة في 2024 عن المحكمة الجنائية الدولية- إكس
تشهد مالي تطورات متسارعة، بعد شن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المحسوبة على تنظيم القاعدة، هجمات كبيرة على العاصمة باماكو، وكاتي والمطار، وكيدال، بالتنسيق مع فصائل طوارقية.

وقبل ذلك، فرضت الجماعة حصارًا على الوقود والطرق منذ أيلول/ سبتمبر 2025، مما أدى إلى شلل شبه كامل في العاصمة وتهديد انهيار الدولة تحت حكم المجلس العسكري بقيادة أسيمي غويتا.

ومع توارد أنباء شبه مؤكدة عن مقتل وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا، بدأت وسائل إعلام بتسليط الضوء على زعيم "نصرة الإسلام"، المعروف باسم إياد أغ غالي، كقائد جديد للبلاد، في حال نجحت الجماعة بهزيمة المجلس العسكري بشكل كامل.

ولا يعد أغ غالي قائدا جهاديا تقليديا، إذ تحمل سيرته الذاتية تجارب مثيرة، وتقلبات غير متوقعة، تجعل من قصة الرجل السبعيني مثارا للاهتمام.

عائلة "نبيلة" ويُتم مبكر

ولد إياد في الخمسينيات (قرابة 1954 أو 1958) بقرية بوغاسا في منطقة كيدال شمال مالي، وينتمي لعائلة نبيلة من قبيلة "الإيفوغاس" العريقة، وتحديدًا إلى إحدى بطونها الرفيعة المعروفة بمكانتها داخل الهرم القبلي الطوارقي.

قُتل والده، غالي أغ بابكار، في عام 1963 خلال تمرد الطوارق الأول، بعد اتهامه بالتعاون مع الدولة، مما ترك أثراً عميقاً في هوية إياد وتوجسه من السلطة المركزية، وأسهم في تشكيل نظرته العدائية تجاه باماكو.

قضى طفولته متنقلاً بين مناطق كيدال مثل أبيبارا وتين-إساكو، في بيئة صحراوية قاسية، قبل أن تدفعه موجات الجفاف في السبعينيات إلى مغادرة مالي نحو ليبيا، مثل آلاف الشباب الطوارق في تلك المرحلة.

صلة بالقذافي وصناعة المقاتل

في ليبيا، التحق أغ غالي عام 1975 بـ"الفيلق الإسلامي" التابع لنظام معمر القذافي، حيث تلقى تدريبًا عسكريًا وأيديولوجيًا مكثفًا، وبدأت ملامح شخصيته القتالية بالتشكل.

لم تقتصر تجربته على ليبيا، بل امتدت إلى ساحات صراع إقليمية ودولية؛ إذ شارك عام 1982 في القتال بلبنان إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية خلال حصار بيروت، كما خاض الحرب الليبية-التشادية في ثمانينيات القرن الماضي.

هذه التجارب المبكرة، التي تنقل فيها بين جبهات متعددة، أكسبته خبرة ميدانية واسعة، ورسخت صورته كمقاتل عابر للحدود، قبل أن يعود لاحقًا إلى شمال مالي حاملاً مشروع تمرد خاص به.

حياة "اللهو" والشاعر الطوارقي

خلال الثمانينيات والتسعينيات، لم يكن إياد يشبه "الجهادي" في شيء؛ بل كان يُوصف بـ"الرجل الروك أند رول" والشاعر المحب للحياة.

في صغره، انبهر أغ غالي براعي بقر يعزف على الغيتار في فيلم غربي عُرض بسينما بدائية في الصحراء. فصنع غيتاره الأول من علبة زيت وعصا وسلك فرامل دراجة.

ومع إتقانه العزف، أتقن أغ غالي موسيقى الأمريكيين إلفيس بريسلي، وجيمس براون، والنجم المالي علي فرقا توري وموسيقيي البوب العرب.

حول نار المخيم ليلاً، كان أغ غالي وموسيقيون طوارق آخرون يبتكرون أسلوبهم الخاص في موسيقى "البلوز" الصحراوية.


صورة نشرتها "وول ستريت جورنال" لإياد أغ غالي وهو يعزف عام 1992

لاحقا، أصبح أغ غالي يرتدي بدلات فاخرة وساعات "رولكس" وأحذية "ويستون"، ويتردد على الملاهي الليلية في باماكو وباريس، ويعيش حياة منفتحة بعيدة تمامًا عن التشدد الديني.

وكتب إياد أغ غالي كلمات أغنية "بسم الله" (Bismillah) الشهيرة لفرقة "تيناريوين" الطوارقية، وكان يشاركهم العزف بالإيقاع على براميل معدنية، كما دعم تأسيس "مهرجان الصحراء"، ليكون جزءًا من المشهد الثقافي الطوارقي، لا العسكري فقط.

ولم تكن "بسم الله" مجرد أغنية عادية، إذ أعلن من خلالها "أغ غالي" عن توجهاته الثورية. وجاء في كلماتها "باسم الله، بدأنا الثورة برفقة إخوتي.. لطرد اللصوص وسحق الأعداء.. سنصعد الجبال هرباً من البؤس".


زعيم التمرد وصانع السلام

بالتزامن مع اهتماماته الفنية، كان إياد أغ غالي سياسيا وعسكريا فاعلا، إذ أسس عام 1988 حركة "الشعب لتحرير أزواد" (MPLA)، وقاد هجوم "ميناكا" عام 1990 الذي أشعل ثورة الطوارق.

وسرعان ما تحول من قائد ميداني إلى لاعب سياسي، فكان من الموقعين على اتفاق تمنراست عام 1991، الذي هدف إلى إنهاء التمرد، قبل أن يلعب دورًا في مسار المصالحة الذي تُوّج بإحراق آلاف الأسلحة في مراسم "شعلة السلام" الشهيرة في تمبكتو عام 1996.

كما عمل مستشارًا للرئيس المالي ألفا عمر كوناري، وشارك في العمل الإعلامي، في محاولة لترسيخ حضوره داخل الدولة، لا خارجها فقط.

علاقات متشابكة وانقسامات طوارقية

رغم صعوده، واجه أغ غالي منافسة داخلية شرسة، خصوصًا بسبب هيمنة قبيلته "الإيفوغاس" على مفاصل التمرد، ما أدى إلى انشقاقات وظهور حركات منافسة.

كما فشل لاحقًا في أن يصبح "أمنوكال" (الزعيم التقليدي) لقبيلته، وهو ما اعتُبر ضربة رمزية لمكانته داخل المجتمع الطوارقي.

وفي عام 2011، رفضت الحركة الوطنية لتحرير أزواد (MNLA) قيادته، بسبب علاقاته السابقة مع الحكومة المالية، ما دفعه للبحث عن مسار بديل يعيد من خلاله فرض نفسه على المشهد.

التحول الديني… من التبليغ إلى الجهاد

بدأت نقطة التحول الديني (أو السياسي كما يراه البعض) في عام 1999 مع وصول دعاة من "جماعة التبليغ" الباكستانية إلى كيدال.

تأثر أغ غالي بخطابهم، فترك حياة اللهو، والتزم دينيا حيث أطال لحيته وارتدى الثوب الأبيض، وقام بعدة رحلات إلى باكستان.

دبلوماسي ووسيط رهائن

تزامنت نزعة التدين التي أظهرها أغ غالي، مع تعيينه قنصلاً لمالي في جدة بالسعودية عام 2007، في خطوة عكست ثقة نسبية من الدولة به.

لكن هذه المرحلة كشفت أيضًا عن وجهه الأكثر غموضًا؛ إذ لعب دور الوسيط في عمليات تحرير رهائن غربيين لدى الجماعات المرتبطة بالقاعدة، مستفيدًا من علاقاته العائلية، خصوصًا ارتباط ابن عمه بقيادات بارزة في التنظيم.

وحقق من هذه الوساطات أرباحًا مالية كبيرة، ما دفع جهات استخباراتية لوصفه بأنه "يظهر دائمًا عندما تكون هناك أموال على الطاولة".

وفي عام 2010، طُرد من السعودية واعتُبر "شخصًا غير مرغوب فيه"، بسبب صلاته المتنامية بدوائر جهادية.

من محاربة القاعدة إلى التحالف معها

في واحدة من أبرز تناقضات مسيرته، تشير تقارير إلى أن أغ غالي طلب في منتصف العقد الأول من الألفية دعماً دولياً، بما في ذلك من الولايات المتحدة، لتنفيذ عمليات ضد فرع القاعدة في شمال أفريقيا.

لكن بعد سنوات قليلة، أصبح أحد أبرز حلفاء التنظيم في المنطقة.

تأسيس "أنصار الدين" وبناء النفوذ

بعد رفضه من قبل الحركة الوطنية لتحرير أزواد، أسس أغ غالي عام 2012 جماعة "أنصار الدين" بدعم من زعيم القاعدة عبد المالك دروكدال.

وسيطرت الجماعة على مدن رئيسية مثل تمبكتو وكيدال، وفرضت تطبيقًا صارمًا للشريعة، شمل حظر الموسيقى والتدخين.

الإمبراطورية الجهادية

في 2017، تم دمج عدة فصائل جهادية لتشكيل "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM)، ليصبح أغ غالي "الأمير" الفعلي لأكبر تحالف جهادي في الساحل.

ومنذ ذلك الحين، رسخ موقعه كأحد أبرز أعداء فرنسا والقوى الدولية في المنطقة، مستفيدًا من شبكة علاقات قبلية واسعة ومعرفته الدقيقة بالجغرافيا الصحراوية.

ولا يجد أغ غالي القائد الجهادي الحالي، حرجا في إعلان تحالفه مع جبهة تحرير أزواد تعتبر علمانية-قومية في توجهها الرئيسي، لكنه قال إن التحالف تكتيكي ومؤقت.

ورغم أن المجلس العسكري مدعوم من روسيا، وتحديدا من قبل الفيلق الأفريقي (خليفة فاغنر)، إلا أن "نصرة الإسلام" أوضحت في بيانها الأخير ألا مشكلة لديها مع موسكو.



صراع النفوذ والبقاء في الظل

يعيش إياد أغ غالي اليوم متوارياً في جبال "أدرار الإيفوغاس"، محافظًا على حضور إعلامي محدود، في استراتيجية قائمة على الغموض وتجنب الأضواء.

ويخوض منذ العام 2020 حربًا مفتوحة ضد "تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى"، في صراع دموي على النفوذ والموارد.

ملاحقات دولية

ويلاحق أغ غالي وفق مذكرة صادرة في 2024 عن المحكمة الجنائية الدولية، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تشمل التعذيب والاغتصاب والاضطهاد الديني في تمبكتو خلال فترة سيطرة الجماعات الجهادية على شمال مالي.

المصادر:  (وول ستريت جورنال) (فرانس 24) (jeune afrique) (magazine.atavist)