نشرت صحيفة "
نيويورك تايمز" مقالا لمدير مكتبها في مدريد جيسون هورويتز قال فيه إنه على الرغم من أن رئيس وزراء إسبانيا، ورئيسة وزراء إيطاليا، يمثلان طرفي نقيض في الطيف الأيديولوجي، إلا أنهما وجدا نفسيهما يسلكان نفس الطريق للبقاء السياسي وهو "الوقوف في وجه الرئيس
ترامب".
ترامب كطوق نجاة
وعد الكاتب هذا النهج بأنه دليل على مدى تراجع شعبية ترامب في
أوروبا، ففي إسبانيا، برز
سانشيز، كشخصية محبوبة لدى اليسار الدولي لمعارضته ترامب، سواء بسبب تهديدات الاخير بفرض تعريفات جمركية، أو مطالبه بزيادة الإنفاق العسكري، أو طموحاته في غرينلاند، أو حربه على إيران.
"لا للحرب!"، هكذا هتف سانشيز في مؤتمر ببرشلونة خلال عطلة نهاية الأسبوع. تحدث أمام حشد متحمس ضم قاعدته الشعبية في إسبانيا، بالإضافة إلى قادة ليبراليين من أوروبا وأمريكا الجنوبية وأفريقيا والولايات المتحدة.
وقال سانشيز: "عارٌ على من يدافعون عن امتيازات النخب، ومن يدعمون الحرب"، لكن كما أشار العديد من المحللين الإسبان، فإنّ تصدي سانشيز لترامب، وردود ترامب المتكررة على سانشيز، لم يساهم فقط في رفع مكانة رئيس الوزراء في الخارج، بل صرف الأنظار عن مشاكله الداخلية.
حيث يواجه حلفاء سانشيز السياسيون السابقون فضائح فساد محرجة ومحاكمات في المحكمة العليا الإسبانية هذا الشهر. (يؤكدون براءتهم، وسانشيز نفسه غير متورط).
وكانت شعبية سانشيز تتراجع في استطلاعات الرأي منذ الصيف. لكن ترامب أصبح طوق نجاة له. فكلما سعى سانشيز إلى إبعاد إسبانيا عن الولايات المتحدة، تحسّنت شعبيته. ومنذ أن تصدّى لترامب، وهو يُثير حماسة قاعدة جماهيرية هو في أمسّ الحاجة إلى حشدها. شعبيته في ازدياد.
ترامب كعبء ثقيل
يحدث شيء مشابه على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط، في إيطاليا، علما أنه لا يجمع سانشيز وميلوني الكثير من القواسم المشتركة سياسيا. فهي تمثل التيار اليميني المتشدد في أوروبا، الذي لطالما احتضن ترامب لنزعته القومية، ومعارضته للهجرة، وازدرائه لسياسات الهوية الليبرالية.
أما
ميلوني، فقد سعت لسنوات إلى تعزيز نفوذها في أوروبا كجسر يميني يربطها بترامب، ومع ذلك، وجدت نفسها الأسبوع الماضي تسلك نفس الطريق المختلف عن ترامب، وخسرت ميلوني مؤخرا استفتاء عزاه العديد من المحللين إلى علاقتها الوثيقة بترامب.
كما وقد تراجعت شعبيته في إيطاليا بشكل حاد منذ أن هدد بفرض تعريفات جمركية، بما في ذلك على المعكرونة، وشنّ الحرب على إيران، ثم هاجم ترامب البابا ليو الرابع عشر.
في إيطاليا الكاثوليكية، حيث للفاتيكان مكانةٌ مرموقة، لا يُعدّ الاختيار بين الوقوف إلى جانب بابا يحظى بشعبية ويُدافع عن السلام في حرب يُعارضها معظم الإيطاليين، وبين رئيس أمريكيّ يسعى لكسب شعبيته، خيارا حقيقيا.
ميلوني، التي حكمت بمنهج براغماتي أكثر منه أيديولوجيّ، انحازت إلى جانب البابا، وقالت: "أجد تصريحات الرئيس ترامب بشأن البابا غير مقبولة"، وقد قام ترامب بالردّ نيابة عن ميلوني، مُهاجما إياها بالخيانة، وأنها لا تتمتع بالشخصية التي ظنّ أنه يعرفها.
بالنسبة لميلوني، التي من المتوقع أن تخوض الانتخابات العام المقبل، مثل سانشيز، كانت رسالة الانفصال بمثابة هدية سياسية.
رئيس أمريكي سامّ
يُظهر هذا النأي عن ترامب، الذي يُعدّ ضرورة سياسية لطرفين أيديولوجيين مُختلفين تماما مثل سانشيز وميلوني، مدى سُمّية الرئيس الأمريكي في جميع أنحاء القارة، على اليسار، كان ترامب بمثابة فزاعة منذ اليوم الأول، وقد أدرك سانشيز بوضوح أن المكاسب السياسية من خوض معركة شرسة ضد الرئيس الأمريكي تفوق أي ردود فعل سلبية محتملة.
ويقول مستشاروه إن بلاده، التي تتمتع باقتصاد نام وفائض تجاري مع الولايات المتحدة وحماية الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالاتفاقيات التجارية، مجهزة جيدا لأي ردود فعل. ترامب مكروه لدرجة أنه يُعدّ خصما لسانشيز أكثر فائدة منه صديقا.
من جهة أخرى، رأى المحافظون الأوروبيون لسنوات في ترامب شخصية مُلهمة، شخصا كسر المحظورات ضد اليمين المتطرف، وخلق زخما في سعيهم لتفكيك الاتحاد الأوروبي وتنفيذ أجندات قومية أكثر في بلادهم، لكن النأي الذي تسعى إليه ميلوني يُشير إلى أن هذا قد يتغير.
أما في بريطانيا، أصبح نايجل فاراج، الذي كان من مُعجبي ترامب، ينتقده بشدة. ووصفه أحد الشخصيات البارزة في حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف بأنه "عبء ثقيل". وفي فرنسا، دعا قادة التجمع الوطني صراحة إلى النأي بأنفسهم عنه.
وحاليا، يبدو الآن أن ميلوني قد قررت هي الأخرى أن ترامب يمثل تحديا كبيرا، وإذا أرادت المزيد من الأدلة على أن تقارب ترامب قد يكون له أثر سلبي على نتائج الانتخابات.
فما عليها إلا أن تنظر إلى المجر، حيث خسر حليف ميلوني، فيكتور أوربان، مؤخرا خسارة ساحقة، على الرغم من الأخبار السارة من ترامب والزيارة الشخصية التي قام بها نائب الرئيس جيه دي فانس.