من الدوحة إلى واشنطن.. شبكة علاقات تربط عائلة الخياط السورية بترامب

“غولف ترامب” بوابة النفوذ.. كيف يُستخدم الاسم الرئاسي في كواليس السياسة؟ - الصفحج الرسمية محمد الخياط "إنستغرام"
كشف تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" للصحفي إريك ليبتون٬ عن ملامح نمط متصاعد من تداخل المصالح الاقتصادية مع القرار السياسي في واشنطن، في ظل تحركات تقودها عائلة الخياط القطرية السورية الأصل٬ بالتوازي مع علاقاتها المتنامية مع دوائر مقربة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الثانية.

في مشهد يعكس طبيعة هذا التداخل، يروي التقرير كيف استمع النائب الجمهوري جو ويلسون إلى عرض قدمه مستثمرون من الشرق الأوسط لتطوير مشاريع عقارية ضخمة في سوريا، شملت ميناء سياحيا وناديا للبولو ومعارض فاخرة وملعب غولف عالمي.

وبينما كان رجل الأعمال السوري محمد الخياط يطرح هذه المشاريع، كانت شركات مرتبطة بعائلته قد حصلت بالفعل على عقود حكومية تتجاوز قيمتها 12 مليار دولار لإعادة إعمار قطاعات واسعة من الاقتصاد السوري.

غير أن تنفيذ هذه المشاريع كان مشروطا بعقبة رئيسية٬ رفع العقوبات الأمريكية بشكل دائم عن سوريا، وهو ما تطلب تحركا سياسيا داخل الكونغرس بدعم من إدارة ترامب.

"ملعب غولف" كأداة نفوذ

في هذا السياق، برز اقتراح لافت قدمه ويلسون، يقضي بإنشاء ملعب غولف يحمل اسم ترامب في سوريا، باعتباره وسيلة لجذب انتباه الرئيس ودعم تمرير قرار رفع العقوبات.

المفارقة أن فكرة المشروع لم تكن جديدة، إذ كان الخياط قد طرح مسبقا إقامة منتجع يحمل العلامة التجارية لترامب، في مؤشر على توظيف الرمزية التجارية للرئيس في خدمة أهداف سياسية.

وبالتوازي، كان شقيقا الخياط يجريان مفاوضات مع إيفانكا ترامب وزوجها جاريد كوشنر بشأن مشاريع عقارية بمليارات الدولارات في ألبانيا، ما يعكس تشابك المصالح بين العائلة الرئاسية ومستثمرين أجانب.


يشير التقرير إلى أن هذا النمط، الذي كان يُنظر إليه تقليديا كسمة لدول الشرق الأوسط، بات حاضرا أيضا في واشنطن، حيث تتداخل المشاريع التجارية مع ملفات سياسية حساسة.

ويؤكد أن العديد من المستثمرين باتوا يسعون إلى التقرب من عائلة ترامب أو الاستثمار في مشاريعها، أملا في تحقيق مكاسب سياسية، حتى دون طلب مباشر، ما خلق ما وصفه بـ"نظام محسوبية تنفيذية" مشوه.

ورغم ذلك، نفى البيت الأبيض ومؤسسة ترامب أي علاقة مباشرة بهذه المشاريع أو تأثيرها على قرارات السياسة الخارجية، كما أكدت عائلة الخياط أن شراكاتها مع كوشنر لا ترتبط بجهود رفع العقوبات.

تعود جذور هذه العلاقات إلى لقاءات جمعت الطرفين في العاصمة القطرية الدوحة خلال كأس العالم 2022، حيث التقت عائلتا ترامب والخياط في أجواء غير رسمية.

كما برزت أسماء أخرى في هذا السياق، من بينها مايكل بولس ووالده مسعد بولس صهر ترامب، اللذان لعبا دورا في تسهيل قنوات التواصل مع دوائر سياسية أمريكية.

وبعد عودة ترامب إلى السلطة وسقوط نظام بشار الأسد، تكثفت هذه العلاقات، حيث حضر أفراد من عائلة الخياط مراسم تنصيب ترامب، وعقدوا لقاءات مع شخصيات نافذة في واشنطن.

مشاريع إعادة إعمار بمليارات الدولارات

على الأرض، حصلت عائلة الخياط على سلسلة مشاريع استراتيجية في سوريا، شملت: ( إعادة تأهيل مطار دمشق بقيمة تقارب 4 مليارات دولار - إنشاء محطات طاقة بقيمة تصل إلى 7 مليارات دولار - مفاوضات مع شركة شيفرون لتطوير حقول الغاز البحرية).

كما يعمل محمد الخياط على مشروع سياحي ضخم على الساحل السوري يتضمن منتجعا وملعب غولف يحمل علامة ترامب.

وحظيت هذه المشاريع بدعم من المبعوث الأمريكي توم باراك، الذي شارك في الترويج لها ضمن توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة.

في موازاة ذلك، بدأت حملة ضغط مكثفة داخل الكونغرس لرفع العقوبات، شملت لقاءات مباشرة مع مشرعين، وتقديم مبادرات رمزية، من بينها هدية تذكارية تحمل شعار ترامب قُدمت إلى ويلسون لنقلها إلى البيت الأبيض.

كما عُرضت زيارات إلى سوريا لبعض أعضاء الكونغرس في محاولة لتعزيز الدعم السياسي.

وبالفعل، نجحت هذه الجهود في دفع الكونغرس إلى إقرار تشريع يقضي برفع العقوبات بشكل دائم، قبل أن يوقعه ترامب نهاية العام الماضي.


انقسام داخل واشنطن

رغم هذا التقدم، لم يكن الإجماع كاملا، إذ أبدى النائب برايان ماست تحفظات على رفع العقوبات دون ضمانات، محذرا من مخاطر محتملة على الأقليات في سوريا.

لكن مواقفه شهدت تحولا لاحقا عقب لقاءات مباشرة مع مسؤولين ومستثمرين، ما يعكس تأثير القنوات غير الرسمية في إعادة تشكيل المواقف السياسية.

في المقابل، يسلط التقرير الضوء على مخاوف داخلية في سوريا، خصوصا في المناطق الساحلية، حيث يخشى سكان محليون من فقدان أراضيهم لصالح مشاريع استثمارية ضخمة.

كما يثير توجه شراء منازل تاريخية في دمشق القديمة وتحويلها إلى مشاريع سياحية تساؤلات حول الحفاظ على الهوية الثقافية والتراثية للمدينة.

يخلص التقرير إلى أن ما يجري يعكس تحولا في طبيعة العمل السياسي الأمريكي، حيث لم يعد الفصل واضحا بين المصالح الخاصة وصنع القرار، خاصة في ملفات معقدة كسوريا.

وبين مشاريع الغولف وصفقات الطاقة وإعادة الإعمار، تتشكل ملامح "دبلوماسية المصالح"، التي قد تعيد رسم موازين النفوذ، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل داخل المؤسسات الأمريكية نفسها.