هل تلقى دعوات إسقاط ديون مصر صدى دوليا بعد تخفيف الدعم الخليجي؟

لا يعول خبراء على تحسن معدلات النمو في تقليل أزمة الديون- الأناضول
لا يعول خبراء على تحسن معدلات النمو في تقليل أزمة الديون- الأناضول
شارك الخبر
تتزايد المؤشرات الكاشفة عن وصع الاقتصاد المصري السيء، بفعل أزماته الهيكلية والبنيوية وتفاقم ملف الديون، وسط تحذيرات من أزمات أشد عمقا وتأثيرا على المصريين، ما دفع بأصوات إعلامية لتبني دعوات تطالب الدائنين الدوليين بإسقاط ديون مصر.

وفي أحدث الإحصاءات كشفت بيانات البنك الدولي السبت الماضي، أن الالتزامات الخارجية على مصر خلال الأشهر المتبقية من العام الجاري، والمتمثلة في سداد أقساط القروض وفوائدها، تبلغ 38.65 مليار دولار.

وأظهرت البيانات وجود 34 مليار دولار كأقساط ديون، و4.64 مليارات دولار كفوائد، و12.7 مليار ودائع خليجية بالبنك المركزي المصري، كاشفة عن وجوب سداد 16 مليار دولار بالربع الثاني، و10.6 مليارات دولار بالربع الثالث، و12 مليار دولار بالربع الأخير.

وتشكل فوائد الدين العبء الأكبر على مالية مصر خلال السنوات الماضية، خاصة بعد تسجيل الديون الخارجية والداخلية أرقاما تاريخية غير مسبوقة وبلوغ الدين العام المصري يبلغ نحو 377.8 مليار دولار.

أوضاع صعبة.. ودعوة أديب


وتعيش القاهرة أكبر أزماتها المالية بعهد رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، مع حلول آجال أقساط وفوائد دين خارجي بلغ 163.9 مليار دولار بنهاية العام الماضي، في توقيت تراجع فيه بفعل الحرب "الأمريكية-الإسرائيلية" على إيران، دخل البلاد من السياحة وقناة السويس، مع هروب نحو 10 ملايين دولار من الأموال الساخنة، بجانب تضاعف تكلفة فاتورة الطاقة من البترول والغاز؛ ما فاقم خسائر العملة المحلية وهوى بها من معدل 47 جنيها لنحو 55  جنيها مقابل الدولار.

وهي الأزمات التي دفعت بالحكومة المصرية إلى اتخاذ قرارات تقشفية أضرت بملايين المصريين، مع رفع سعر الوقود والغاز بين 14 إلى 30 بالمئة، إلى جانب أسعار ركوب القطارات ومترو الأنفاق، ما فاقم معدلات التضخم بالبلاد إلى 15.2 بالمئة آذار/مارس الماضي، في ظل موجة غلاء شملت أغلب السلع والخدمات.

في إطار تلك الأوضاع، أطلق الإعلامي المصري سعودي الجنسية عمرو أديب دعوة عبر برنامجه بفضائية "إم بي سي مصر" السعودية، تطالب بإسقاط دول العالم وبينها الخليج العربي والمؤسسات الدولية المقرضة كصندوق النقد والبنك الدوليين، الديون المصرية، على غرار إسقاط "نادي باريس" عام 1991 نحو 43 مليار دولار مستحقة على مصر عقب مشاركتها في حرب "تحرير الكويت".

وقال أديب: "ننتظر أن يأتي مؤتمر بباريس أو لندن، وتتفق الدول على إعفاء مصر من الديون"، مضيفا: "مصر تحتاج معجزة كما حدث أيام الرئيس حسني مبارك"، محذرا من أوضاع قاسية تواجه المصريين حتى بعد نهاية "حرب إيران".

اظهار أخبار متعلقة



يقابل دعوة أديب، إحجام خليجي عن رغبة مصر في الحصول على دعم مالي جديد على غرار ما حصل عليه رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، -بين 50 و100 مليار دولار، وفق تقديرات مختلفة- من السعودية والإمارات والبحرين والكويت عقب انقلابه على الرئيس الراحل محمد مرسي، منتصف 2013.

الغضب الخليجي من مصر السيسي، نتيجة موقفه من "حرب إيران"، والإحجام عن تلبية مطالبه بدعم خليجي جديد لإنقاذ الاقتصاد المصري، كشف عنه مقال لرئيس تحرير الأهرام الأسبق الكاتب عبدالناصر سلامة، مطلع الشهر الجاري، موضحا أن زيارة السيسي، للإمارات وقطر والبحرين والكويت في آذار/مارس الماضي، كانت لطلب الدعم المالي العاجل، مؤكدا أنه طلب قوبل بغض الطرف عنه أو التجاهل.

مؤشرات تفاقم الأزمة


وبحسب رصد مراقبين، فهناك عدة مؤشرات تؤكد تأزم وضع مصر في تدبير أقساط وفوائد الديون ورد الودائع الخليجية حال طلبها، ومنها: إعلان صندوق النقد الدولي الأربعاء الماضي، عدم تمديد برنامج تمويل مصر، متجاهلا في ذلك تأثير "حرب إيران" على الاقتصاد المحلي وإيرادات قناة السويس، والسياحة والعملة المحلية.

ويشيرون إلى "احتمالات غلق باب الدعم الخليجي ولو مرحليا وتجميد الاستثمارات بمصر، في إطار توجه خليجي نحو إعادة التسليح العسكري، والبحث عن طرق بديلة لتصدير النفط والغاز، وإصلاح ما هدمه القصف الإيراني، وتوجيه الاستثمارات لمشروعات الداخل"، ملمحين إلى إعلان الصندوق السيادي السعودي الأسبوع الماضي، توجيه جميع استثماراته بالمرحلة المقبلة للداخل السعودي.

وفي إشارة إلى فقدان مصر إحدى منابع الدعم الخليجي، يأتي إعلان السعودية الخميس الماضي، إمداد باكستان بـ3 مليارات دولار كوديعة مع تجديد وديعتها القائمة لدى المركزي الباكستاني (5 مليارات دولار)، تقديرا للدور الباكستاني في الأزمة، ما يقابله توجيه اللوم لمصر.

كذلك تشير الأنباء إلى حالة فتور علاقات الإمارات ومصر، والتي تحاول القاهرة استعادة وهجها بتسليم 13.8 ألف فدان من أراضي مشروع "رأس الحكمة" بالساحل الشمالي الخميس الماضي، لشركة "مُدن" الإماراتية، كمحاولة لإرضاء أبوظبي، بحسب قراءة محللين.

وفي سياق تعدد النوافذ المغلقة أمام الحكومة المصرية للحصول على دعم مالي جديد، يتحدث البعض عن عدم التفات الإدارة الأمريكية إلى طلب وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو 26 آذار/ مارس الماضي، دعما ماليا عاجلا بسبب تبعات "حرب إيران".

وبينما يرى خبراء أنه لم يعد أمام حكومة القاهرة لتوفير أقساط وفوائد الدين الخارجي حتى تظل صفحة مصر بيضاء ودون تعثر بالسداد إلا ملف الطروحات العامة؛ إلا أنه ملف يشهد تعثرا بشكل لافت وخاصة مع تفجر "حرب إيران"، وما تبعها من هجوم إماراتيين وكويتيين وسعوديين على مصر يكشف عن إحجام خليجي محتمل عن ملف شهد سباقا سعوديا إماراتيا بأعوام (2022 و2023 و2024).

اظهار أخبار متعلقة



الحكومة المصرية كانت تستهدف جمع 6 مليارات دولار بعام مالي واحد، لكن ركود ملف الطروحات وتراجع رغبة المستثمرين دفعاها لتقليل مستهدفاتها إلى نحو 4.5 مليار دولار فقط بالسنوات الثلاث المقبلة.

وفي السياق، لا يعول خبراء على تحسن معدلات النمو في تقليل أزمة الديون؛ خاصة مع تخفيض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المصري بالعام المالي الحالي إلى 4.2 بالمئة مقارنة مع 4.7 بالمئة في كانون الثاني/ يناير الماضي.

دعوة عاطفية دون صدى


وفي إجابته على سؤال "عربي21": هل تجد دعوات إسقاط الديون صدى دوليًا؟، تحدث الخبير الاقتصادي والأكاديمي المصري الدكتور علي شيخون، راصدا الاحتمالات القائمة وكاشفا عن أوراق النظام المصري في هذا الملف، وخططه المحتملة في مواجهة توقف الدعم الخليجي.

مستشار التطوير المالي والإداري، قال إن "تلك الدعوات لن تجد صدى دوليا"، مضيفا: "وعلى الأرجح لن تجد في المدى المنظور لعدة أسباب بنيوية أهمها أن إسقاط الديون عام 1991 كان استثناءً تاريخياً نادراً جاء مكافأة سياسية صريحة على مشاركة مصر بحرب الخليج. وآنذاك قدمت خدمة استراتيجية تمثلت بدعم عسكري وسياسي مباشر مقابل الإعفاء. أما اليوم فلم تقدم خدمة مماثلة توازن قيمة ديون تبلغ نحو 164 مليار دولار".

وتابع: "المجتمع الدولي لم يعد يستخدم أداة الإسقاط، بل تحول إلى إعادة الجدولة والتمديد ومبادلة الديون بالاستثمارات"، موضحا أن "الدائنين الرئيسيين (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، دول الخليج)، لكل منهم مصالحه الخاصة، ولا أحد يميل لمحو الدين مجانًا".

ويرى أن "دعوة عمرو أديب عاطفية أكثر منها ورقة ضغط حقيقية، ولا أظن أنها تمثل توجهاً سعودياً رسمياً، فالرياض اليوم لديها أولوياتها التنموية الضخمة في (رؤية 2030)، ولا تميل لسياسة شيكات الدعم المباشر كما في الماضي".

5 أوراق بيد مصر


وعن "أوراق النظام المصري الجديدة بعد استنزاف الأوراق التقليدية"، قال شيخون: "الأوراق القديمة مثل محاربة الإرهاب والاستقرار الإقليمي وورقة سيناء قد تآكلت بدرجات متفاوتة؛ وما تبقى من أوراق حقيقية يمكن تعدادها في 5 أوراق".

لفت إلى أن أولها: "ورقة اللاجئين، الأكثر فاعلية حالياً، إذ تستضيف مصر الملايين من السودان وسوريا وليبيا واليمن وتستطيع التلويح بعدم القدرة على الاحتواء، وهو ما يهدد أوروبا مباشرة بموجات هجرة جديدة".

اظهار أخبار متعلقة



وثانيا: "ورقة قناة السويس"، مبينا أنها "موجودة وإن تراجعت إيراداتها بسبب توترات البحر الأحمر، لكنها تبقى شرياناً ملاحياً عالمياً لا يمكن تجاهله"، ملمحا ثالثا إلى "ورقة التموضع بين الكتل الكبرى"، مؤكدا أنه "يمكن أن يتم بالتلويح بالتقارب مع الصين وروسيا أو مع أوروبا حسب من يدفع أكثر، لكنها ورقة ضغط لا خيار استراتيجي حقيقي".

وأضاف الخبير المصري: "وتبقى الورقة الرابعة والأثقل وزناً في المشهد أن مصر أكبر من أن يُسمح بانهيارها؛ فلا الإقليم ولا المجتمع الدولي يتحمل تداعيات انزلاقها الاقتصادي"، مستدركا: "لكن المفارقة المُرّة أن هذه القوة التفاوضية تُبنى على هشاشة الداخل ويُسدّد فاتورتها المصريون من معيشتهم اليومية".

وخامسا أشار إلى "ورقة التطبيع مع إسرائيل"، لكنه بين أن "فاعليتها منخفضة حالياً، لأن إسرائيل بعد (حرب غزة) وتآكل الدعم الشعبي للاحتلال عالمياً لم تعد الورقة الرابحة بواشنطن كما كانت".

4  مسارات لمواجهة تجفيف المنابع


وفي تقديره لكيفية تصرف النظام المصري بعد تجفيف منابع الصرف الخليجية، قال شيخون: "الخليج لم يجفف بالكامل لكنه تحول من المنح المجانية للاستثمارات المقابلة بالأصول"، ملمحا إلى أن "صفقة رأس الحكمة مع الإمارات بقيمة 35 مليار دولار خير مثال"، مضيفا: "ومع ذلك فالإحساس بالإحجام الخليجي عن الدعم المباشر أصبح واقعاً معترفاً به".

ويرى أنه "أمام هذه المعطيات قد يتحرك النظام المصري على 4 مسارات متوازية"، مشيرا إلى أن "المسار الأول، يتمثل بالتقشف الداخلي الأكثر إيلاماً للمواطن، وسيشمل مزيداً من التعويم الجزئي للجنيه، ورفع الدعم عن السلع والطاقة، وتنفيذ إصلاحات شكلية إرضاءً لصندوق النقد مقابل شرائح التمويل، مع تحميل المواطن الفاتورة الأكبر عبر ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية"، مبينا أن "التوجيه الرئاسي الأخير كان واضحاً: (ترشيد الإنفاق وخفض الدين)، أي أن الداخل بدأ يتحمل العبء الأكبر".

يتمثل المسار الثاني، وفق رؤية شيخون في "بيع الأصول؛ وهو خط أحمر تم تجاوزه تحت الضغط"، متوقعا أن "تستمر خصخصة الشركات والأصول الحكومية، وربما يشمل حصصاً بشركات الجيش، مع طرح أصول مملوكة للدولة بالبورصة أو بيعها لصناديق استثمار خليجية وأوروبية"، ملمحا لاحتمال "تحويل الديون لاستثمارات عبر آليات مبادلة الديون، حيث يوافق الدائن على إسقاط جزء من الدين مقابل تنفيذ مشروعات أو امتلاك أصول مصرية".

"التنويع في الدائنين والتموضع الدولي هو المسار الثالث"، الذي وصفه الخبير المصري بـ"الجريء"، لافتا إلى أنه "في خطوة غير مسبوقة تم انتخاب مصر رئيساً لمنصة (نادي المدينين) التي أطلقتها الأمم المتحدة؛ وهذا يعني أنها لم تعد تطلب المساعدة كدولة منفردة، بل تقود كتلة دول الجنوب العالمي للتفاوض الجماعي على إعادة هيكلة الديون الدولية".

ويرى أن "هذا التحول يحول مصر من طالب مساعدة إلى صانع قواعد، إلى جانب ذلك تسعى مصر للتقارب مع الصين وروسيا كورقة ضغط على الغرب، مع تعزيز الشراكة مع الاتحاد الأوروبي التي أسفرت عن حزمة تمويل بقيمة 5 مليارات يورو في (2024-2026)".

وتحدث الأكاديمي المصري عن "التهدئة الداخلية لتحسين الصورة أمام الغرب"، كمسار رابع: "يشمل الإفراج عن بعض المعتقلين البارزين لإظهار مرونة أمام الغرب وتحسين مناخ حقوق الإنسان لفتح شهية الدعم السياسي والاقتصادي الأوروبي، مع إدارة المشهد الإعلامي داخلياً لتخفيف الاحتقان الشعبي".

ولخص "المشكلة الحقيقية" في أن "مصر دخلت دوامة الاقتراض لتسديد الاقتراض، وهو نفق لا مخرج منه إلا بإصلاح هيكلي حقيقي يشمل القطاعات الإنتاجية والزراعية والصناعية والضريبية"، مؤكدا أن "هذا الإصلاح يتطلب تقليص دور الجيش بالاقتصاد وفتح المجال للقطاع الخاص الحقيقي، وهي معادلة سياسية شديدة الحساسية لا تبدو الإرادة السياسية مهيأة لها حتى الآن".
التعليقات (0)