تكرر الحديث مجدّدا حول أزمة المياه التي تعصف بمناطق عديدة من العالم، مع تراجع معدلات هطول الأمطار خصوصا في أوروبا. وتعاني بلدان أوروبية عديدة من ارتفاع درجة الحرارة مع هبوط معدلات الأمطار.
فقد بات نحو نصف أراضي إنكلترا يعاني من الجفاف، نتيجة الانخفاض الحاد في معدلات هطول الأمطار واستمرار موجات الحرّ، ما أدى إلى تراجع مستويات المياه في الأنهار والخزانات. وتشهد القارة الأوروبية هذا الصيف واحدة من أخطر أزماتها
المناخية منذ بدء تسجيل البيانات. وليست هناك مؤشرات أوضح على تراجع كميات الأمطار من اللون الأصفر للمساحات الريفية في أوروبا ومنها بريطانيا التي كانت تجذب أنظار الزائرين من البلدان العربية وهم يحلٌّقون فوق المطارات استعدادا للهبوط، حيث الحشائش الخضراء تكسو الأراضي الريفية بشكل متسق.
وفي الشهرين الأخيرين اختفت تلك المناظر وحل مكانها اللون الأصفر. فلا يملك الإنسان وهو يمشي في الحدائق العامّة إلا أن يشعر بالقلق مما ينتظر هذا العالم من مُحول وجفاف واضمحلال. ويتساءل الكثيرون عن الأسباب التي أدّت إلى هذا
التغير المناخي الخطير، وما إذا كانت الإنسانية تستطيع تجاوزه بدون دفع فواتير كبيرة ترتبط بنمط الحياة اليومية ونوعيتها.
إن القضية ترتبط أساسا بسلوك الإنسان وتوجهاته العقلية، ومدى انصياعه للإرادة الإلهية، والقبول بأداء الأدوار التي تحقق الانسجام مع الخالق، وتمنع نزعة البعض لتجاوز الحدود وتحدّي الإرادة الإلهية والقوانين الطبيعية. لذلك مطلوب من الإنسان التخلّي عن ظواهر الغرور والغلوّ والتطرّف والإسراف في استهلاك المصادر الطبيعية واستنزافها بدون حساب. هذه ضرورات يفرضها العقل عندما تحدث أزمات مناخية تقلق الإنسان وتكشف ضعفه وتحجّم دوره في إعمار الأرض وتهمّش قدرته لتحمّل دور الاستخلاف عليها.
قبل أربعين عاما بدأ الحديث والاكتشاف الرسمي عن ثقب طبقة الأوزون، عندما نشر فريق من العلماء البريطانيين (من بينهم جو فارمان وغيره) دراسة تكشف عن انخفاض هائل غير مسبوق في تركيز غاز الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية (القطب الجنوبي). وقبل ذلك بعشرة أعوام صدر عن العالمين ماريو مولينا وشيروود رولاند تحذير من أن مركبات الكلوروفلوروكربون (CFCs) المستخدمة في التبريد والبخاخات تدمّر الأوزون، وهو التنبؤ العلمي المبكر قبل ظهور الثقب الفعلي. وبدأ العلماء يبحثون الظاهرة وينشرون الأبحاث ويصدرون التحذيرات ويقترحون بعض الخطوات العملية للتقليل من تآكل طبقة الأوزون. وربما كان هناك شيء من الاستجابة، ولكن العادات الاستهلاكية البشرية استمرّت، خصوصا في غياب الإجراءات الرسمية والقوانين الصارمة التي تساهم في ذلك.
هذا برغم توقيع الاتفاقية الدولية التاريخية المسمى ببروتوكول مونتريال لمنع استخدام المواد المدمرة للأوزون في العام 1987. وتؤكد الأرقام أن الأمطار التي هطلت في بريطانيا خلال شهر يوليو/تموز لم تتجاوز 7% من المعدل الطبيعي، فيما انخفضت إلى 1% فقط في بعض مناطق جنوب إنكلترا، الأمر الذي تسبب في تفاقم ظاهرة «الجفاف المفاجئ» في مناطق واسعة من وسط البلاد وشرقها وجنوبها. وقد تحولت فرنسا وإسبانيا إلى بؤرة الأزمة، حيث اندلعت فيهما أكبر حرائق الغابات في تاريخ البلدين الحديث، ففي جيروند جنوب غرب فرنسا، التهم حريق هائل نحو 42 ألف هكتار (نحو 104 آلاف فدان) من غابات الصنوبر، في واحدة من أكبر عمليات الإجلاء في تاريخ البلاد، بينما امتدت حرائق أخرى غرب مدريد في مقاطعتي أفيلا وطليطلة لتغطي نحو 77 ألف هكتار، وفقًا لـ «نيويورك تايمز».
الأمر الواضح أن التداعي المناخي الذي بدأ الحديث عنه قبل أكثر من أربعة عقود ما يزال مستمرا، ولم تُتخذ إجراءات فاعلة للحدّ من ذلك. ومع أن الظواهر الطبيعية ليست من اختصاص الإنسان، إلّا أن القوانين الإلهية التي تحكمها معروفة بقدر معقول لديه. فالانبعاث الحراري (أو الاحتباس الحراري) يحدث عندما تدخل أشعة الشمس إلى الأرض، ثم تحبس الغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان تلك الحرارة داخل الغلاف الجوي. ووفقاً للأمم المتحدة، فإن هذا يشبه غطاءً يلتف حول الكوكب ليمنع الحرارة من الهروب إلى الفضاء. وتتمثل طرق تقليل الانبعاث الحراري في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، تحسين كفاءة الطاقة، وزيادة المساحات الخضراء.
مطلوب من الإنسان التخلّي عن ظواهر الغرور والغلوّ والتطرّف والإسراف في استهلاك المصادر الطبيعية واستنزافها بدون حساب
هذه الحلول تساعد في خفض الغازات الدفيئة وحماية المناخ. ولكنّ هذه الأساليب العلمية بطيئة التأثير، كما أنها مشروطة باستيعابها من قبل البشر، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه. فظاهرة الاستهلاك البشري هي التي توجّه نمط الحياة، ويصعب تخلّي الأفراد عما يعتبرونه «مكاسب» مشروعة خصوصا إذا كانت تحدّ من حرّيّاتهم في الاستهلاك الذي أصبح مادّة للتباهي والتفاخر، والتعبير عن المكانة الاجتماعية للفرد. وهذا الانسياق وراء الحياة الرّخوة والملذات من بين أهم أسباب التداعي البيئي.
يمكن القول إن هناك دورات فلكية تؤثر على الكوكب الأرضي، فبين الحين والآخر يزداد الشتاء برودة في بعض المناطق أو تزداد درجات حرارة الصيف وتتجاوز معدلاتها المعروفة. كما يتقلص هطول الأمطار فترة ويزداد أخرى. فالكون الذي يعيش فيه الكوكب ليس راكدا، بل تتحرك مكوّناته، تارة بحدوث الرياح العاتية، وأخرى بـ «موت» بعض النجوم، وثالثة بتلاشي بعض المجرّات. ومن الطبيعي أن يكون لبعض ذلك شيء من الانعكاس على مناخ كوكب الارض. وهذه التقلبات لا تتناقض مع مبدأ «التوازن» الذي أكده القرآن الكريم. هذا التوازن لا يعني عدم حدوث تغيرات مفاجئة تترك آثارها التي كثيرا ما تكون مؤقتة.
ويمكن الإشارة إلى طبيعة الحياة والمناخ على ظهر الأرض. فبشكل عام هناك توازن كبير بين دوران الأرض وحركة الشمس، كما أن هناك تأثيرا للوجودات والظواهر الفلكية على حالة التوازن في كوب الارض. وترتبط الظواهر المناخية بذلك بشكل وثيق. فتحدث العواصف والتقلبات الجوّيّة وينجم عنها تأثير على مناخ الكوكب. وإلى جانب وجود خصائص ذاتية للظواهر المناخية، هناك عوامل ترتبط بأنماط الحياة على ظهر الكوكب. فعندما كانت الإنسانية في بداياتها كانت حياة البشر حركة عاديّة لا تؤثر على المناخ. ولكن مع تطور الحياة البشرية والخروج عن المألوف بدخول الإنسان عالم التكنولوجيا وتسبب ذلك في انبعاث الغازات، أصبح لذلك آثار مباشرة على مبدأ التوازن، فنجم عن ذلك شيء من الاختلال الذي أدّى إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض بأكثر من درجة مئوية ونصف منذ منتصف الأربعينيات، وهو تغير كبير من شأنه الانعكاس على المناخ بشكل عام.
من هنا يمكن الوصول إلى استنتاج مفاده أن لتلك التطورات أثرا مباشرا على التوازن المناخي، وأن إحدى نتائج ذلك حدوث اضطراب في ديناميكية دورة تكوّن المياه، ابتداء بتكوّن السحب، وصولا إلى معدّلات الأمطار ومصادر المياه الأخرى. كما تطورت تكنولوجيا تبديد الغيوم لمنع هطول الأمطار، وكلها محاولات علمية للتأثير على مسار الطبيعة، قد ينجم عنها تأثيرات سلبية على المناخ. وقد عرف التاريخ الإسلامي محاولات منطلقة من العقيدة، من أجل الاستمطار بالتوجه إلى السماء ومخاطبة الربّ. كما حدثت محاولات لإنتاج المطر الاصطناعي، ولكن تلك المحاولات لم تمنع حدوث أزمة مياه على كوكب الأرض. لذلك فمن الأرجح استمرار شحّة المياه ونضوب مصادرها ما لم تحدث تغيرات جوهرية في سلوك الإنسان وجشعه ونزعاته لاستغلال الطبيعة، والإصرار على «أن الإنسان في صراع دائم مع الطبيعة». وبدلا من ذلك يجدر بالإنسان الانسجام مع هذه الطبيعة وعدم تحدّيها بمحاولات «هندسة» هطول أمطارها، أو تقمّص رداء التأثير على مسارات أفلاكها ضمن مقولة «قهر الطبيعة».
فالكون تحكمه قوانين إلهية دقيقة، استطاع الإنسان اكتشاف بعضها، وما يزال جاهلا بأكثرها «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا». إن الهرولة لتطوير العلوم مطلوبة، ولكن ليس من أجل ليّ ذراع القوانين الطبيعية، فذلك تحدٍّ غير مشروع لمصدر تلك القوانين، ينعكس سلبا على الحياة البشرية.
التطوير العلمي يجب أن ينطلق من معرفة حركة الكون وأجرامه وما يحكمها من قوانين، وعدم محاولة إعادة صياغة القوانين التي تحكم حركة الرياح والسحاب والأمطار. والأرجح أن محاولات توجيه القوانين الطبيعية ضمن ما يملكه الإنسان من معرفة محدودة بها، لن تحقّق ما يريده هذا الإنسان، بل قد ينجم عنها عكس ما يهدف إليه. وفي ذلك إضرار بالحياة البشرية وإضعاف للتكامل المنشود بين المكوّنات الطبيعية.
القدس العربي
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.