استهداف شامل وردّ جزئي

سعد الله مزرعاني
جيتي
جيتي
شارك الخبر
في سياق متصل ومتواصل بدأ بانهيار الاتحاد السوفياتي في صيف عام 1991، انتهت حقبة «الحرب الباردة» والثنائية القطبية، وبدأت مرحلة القطبية الاحتكارية الأميركية. فترة التسعينيات رسّخت انهيار المنظومة السوفياتية وانقسام أو تقسيم بعض بلدانها (تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا). شهدت أيضاً الابتلاع السياسي والاقتصادي لمعظم الدول التي كانت تدور في الفلك السوفياتي. هي شهدت كذلك محاولة إضعاف روسيا واحتوائها وتفتيتها ونهبها بما يحيلها إلى دولة فاشلة تحكمها المافيات في الداخل، وواشنطن من الخارج... استغرقت هذه الحقبة نحو عقد من الزمن لتبدأ، بعدها، حقبة «المحافظين الجدد» برئاسة بوش الابن (2001 - 2009).

بلور هؤلاء استراتيجية هجومية عالمية جوهرها وضع قوة أميركا في خدمة هيمنتها الاقتصادية وسيطرتها السياسية، بكل الوسائل: بما في ذلك الحروب «الوقائية» أو «الاستباقية». مشروع «الشرق الوسط الكبير» (من موريتانيا إلى باكستان) كان المنطلق. الهدف تمثَّل في تصفية ما تبقّى من قوى وأنظمة وآثار المرحلة «التحررية» التي رفعت شعارات «الوحدة والحرية والاشتراكية» والتنمية المستقلة و«الحياد الإيجابي» والإصلاح الاجتماعي... شجّع هذا النهج انتكاس تجربة مصر الناصرية بعد وفاة رائدها، وتولي أنور السادات الانقلاب الشامل عليها. اعتمدت إدارة بوش من أجل ذلك الغزو العسكري المباشر. تمّ احتلال أفغانستان في أواخر عام 2002، والعراق في مطلع ربيع 2003.

مقاومة الغزو الأميركي، وصمود سوريا، وفشل غزو لبنان عام 2006، محطات قادت إلى استحضار الإرهاب الهمجي عبر «دولة الخلافة الإسلامية» في أجزاء واسعة من العراق وسوريا. مجازر الدبابات الإسرائيلية في سهل مرجعيون ووادي الحجير كانت عاملاً مهماً في إعاقة «ولادة الشرق الأوسط الجديد» خلافاً لما أعلنت وزيرة خارجية أميركا.

تبدّل أسلوب الغزو بالعنف والاحتلال واستحضار الإرهاب، لتبدأ، سريعاً، مرحلة الحرب «الناعمة»: «الربيع العربي» الذي كان قد اختُبر بنجاح في عدد من الجمهوريات السوفياتية السابقة. أطلقت القوى المخطّطة شعارات ضد الفساد والاستبداد والنهب...من قبيل التضليل والتمويه. استهدفت دولاً أكثر من سواها: مصر وتونس بسبب ترهّل سلطتيهما وازدياد النقمة الشعبية، ما كان يهدّد بانفجار غير مسيطر عليه. لبنان بسبب دور المقاومة فيه.

سوريا بسبب موقفها، موقعها الاستراتيجي... ليبيا، اليمن (ولاحقاً الجزائر والسودان) للتخلص من قادة نزعات استقلالية، وللنيل من الوحدة الداخلية، وللسيطرة على الثروات... سياسات خبيثة تكشّفت عن مخطط تفتيت وتعطيل وإضعاف، وصراعات داخلية لا تنتهي: ذات طابع طائفي ومذهبي وإثني وقبلي ومناطقي... الخليج وحده بقي خارج المشهد نسبياً، رغم أن أنظمته هي الأكثر حاجة إلى الإصلاح وافتقاراً إلى أبسط حقوق الإنسان والعدالة والحداثة التي عاد ليرفع لواءها محمد بن سلمان (الذي لا يقارن هول إقدام أجهزته على اغتيال خاشقجي في تركيا بإقدام البوعزيزي، نتيجة القمع، على الانتحار في تونس). الأسوأ أن كوارث هذه «الثورات» المضلّلة لم تنته بعد، إلاّ في سوريا حيث استُبدل ديكتاتور بإرهابي، وفي مصر وتونس إلا بإحكام سلطة العسكر الموالي لواشنطن، وفي البحرين والمغرب إلا بالانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية!
مع الرئيس الأميركي الحالي، بدأت الحقبة الأخيرة المستمرة الراهنة. إنها حقبة تفاقم عجز الولايات المتحدة عن منافسة العملاق الصيني ومواجهة تحدّيات متزايدة أخرى.

مع الرئيس الأميركي الحالي، بدأت الحقبة الأخيرة المستمرة الراهنة. إنها حقبة تفاقم عجز الولايات المتحدة عن منافسة العملاق الصيني ومواجهة تحدّيات متزايدة أخرى. يقترن ذلك بتعزّز الاتجاهات العنصرية اليمينية ببعد صهيوني في واشنطن. ذلك كان أساسياً في تمكين ترامب من الوصول إلى البيت الأبيض، ومن ثم في تجديد رئاسته، وفي مضاعفة دعم واشنطن للمشروع الصهيوني لإنشاء «إسرائيل الكبرى»: بالإرهاب والتوسع وفرض «الاتفاقيات الإبراهيمية» وحرب الإبادة الوحشية في فلسطين ولبنان.

في مجرى حقب المسار الاستعماري المذكور، بقيادة واشنطن، تراكمت الخسائر والهزائم والصراعات والتوترات في معظم البلدان العربية التي شملتها حروب الغزو والاحتلال والنزاعات الداخلية والتدخلات الخارجية. العالم العربي يعاني من ضعف متفاقم ومن عجز متعاظم. لا حصانة داخلية في دوله. لا تنسيق في ما بينها. الجموح الأميركي، وخصوصاً في ولايتي ترامب، عطّل مؤسسات ما يُسمى بـ«الشرعية الدولية» لمصلحة واشنطن التي يختصر إدارتها وإرادتها فرد أرعن وغير مُتّزِن!

دفع هذا المشهد الكئيب والمُقلِق الطرف الفلسطيني المقاوم، والمُحاصر في غزة إلى حدود الاختناق، لتنفيذ عملية «طوفان الأقصى». شكّلت هذه العملية محاولة لكسر الطوق الذي يشتد حول رقبة الشعب الفلسطيني بهدف تصفية قضيته بشكل كامل. حفّز ذلك تضامناً من قبل «محور المقاومة» اتّخذ شكل خطوات لم تكن تقع ضمن خطة مُعدَّة ومتكاملة لإدارة مواجهة مُنسّقة وفعّالة بحجم التحدّي الذي أطلقه الفريق المعادي. أمّا السلطات العربية، فقد لازمت ما يمكن تسميته «صمت القبور». يشمل ذلك المُطبِّعين والمرشّحين للتطبيع و«المحايدين» إزاء الصراع العربي – الإسرائيلي تقليدياً! ثمة طرف أساسي آخر غائب عن الحضور والفعل والتأثير هو الطرف الوطني الشعبي التحرري العربي. هذا ما ينبغي التوقف بشأنه ملياً وجدّياً!

لا يقلّل هذا التوصيف من دور القوى التي ما غادرت الميدان. لا يقلّل خصوصاً من تضحيات وصمود الشعب الفلسطيني ومقاومته اللذين استطاعا، بعظيم الآلام والبطولات، أن يستولدا سخطاً غير مسبوق على جرائم العدو وداعميه والمتواطئين. لا يقلّل، أيضاً، من أهمية الدعم والإسناد من قبل «محور المقاومة» في لبنان واليمن وإيران على وجه الخصوص. لكنّ شراسة وإجرام الأعداء يتطلّبان انخراط قوى سياسية وشعبية أكبر وفق خطة شاملة ومتماسكة. المعركة صعبة ومصيرية. المراجعة مطلوبة من جميع المُستهدفين بما يوفّر أصح وأفعل وأوسع دور ومشاركة. التاريخ لا يرحم المتفرّج أو القاعد أو المتواطئ... وللبحث صلة.

الأخبار اللبنانية


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)