في مجرى تعقيدات متلاحقة، أطلق الرئيس جوزيف عون مبادرة تفاوض مباشر مع القيادة الإسرائيلية. التعقيدات متنوعة. الداخلية منها، تمثلت في عدم صحة تقديرات الرئيس
اللبناني لجهة حجم التطلب الأميركي والإسرائيلي بشأن سلاح المقاومة والوضع اللبناني عموماً. عبّر الأميركيون عن ذلك بإلحاحهم، والإسرائيليون بتصعيدهم العسكري. انتقدوا أسلوب عون. أطلقوا متطرفين أميركيين صهاينة لإحراجه حتى من على منبر الرئاسة. تصرفوا بوقاحة وقلة أدب حيال قائد الجيش. بالمقابل، ارتفعت أسهم رئيس الحكومة.
شعر الرجل، الذي وصل إلى سدّة الرئاسة بدعم أميركي، أنه لا يملك أي هامش للمناورة، وأنه بات مهدداً. في الأثناء، توقّفت كلياً «الميكانيزم». لم يقدّم أو يؤخّر تكليف السفير السابق سيمون كرم في إرضاء واشنطن أو تل أبيب. إزاء ذلك وسواه، جنحت المداولات بين جيش المستشارين في بعبدا نحو حرق المراحل: إحداث استدارة كاملة في سياسة الرئيس. طرح المفاوضات المباشرة. بلورة معادلة أن ميزان القوى قد حُسم لمصلحة أميركا وإسرائيل. تبنّي مقاربة رئيس الحكومة ورواية جعجع وأمثاله للمشكلة وللحل.
في الأثناء، كانت واشنطن تطلق يد تل أبيب في إدارة وتنفيذ حرب شاملة على لبنان والمقاومة: بهدف إخضاع الأول، وتصفية الثانية. حشدت تل أبيب في حربها تلك نخبة قواتها وفرق جيشها. لكنها اصطدمت، سريعاً، بمقاومة ضارية: مفاجئة، ومتكيفة، وصلبة بعقيدة وبأسلوب قتالها، وبمسيّراتها المستعصية على الرصد والتدمير. المهل التي طلبها نتنياهو استُهلكت دون جدوى. جاهر المسؤولون الإسرائيليون بعجزهم عن تفادي الخسائر. ارتفعت أصوات تطرح، جدّياً، مسألة الانسحاب من لبنان بعد اتخاذ قرار بسحب عدد من الوحدات العسكرية وحصر الأهداف بـ«تأمين مستوطنات الشمال».
تزامن ذلك مع صمود إيراني غير متوقع على هذا النحو. تراجعت الأطماع الإسرائيلية والجموح الترامبي. حينها استُحضرت مبادرة الرئيس عون (بعد تجاهل استمرّ حوالى شهر) من أجل تسجيل انتصار معنوي/سياسي لمصلحة واشنطن وتل أبيب عبر إدخال لبنان في حظيرة
التطبيع مع العدو. لهذا الغرض تم، بسرعة، بين بيروت وواشنطن وتل أبيب، توليف لقائي سفيرة لبنان وسفير العدو في واشنطن: الأول بحضور وزير الخارجية، والثاني بحضور ترامب نفسه (ومعظم أركان إدارته ممن لم يُقالوا بعد!).
لا وقف لإطلاق نار، وهو ذريعة وبداية مبادرة عون، على الإطلاق! البيان الأول الذي أذاعته الخارجية الأميركية عن اللقاء، اختصر المفاوضات قبل أن تبدأ: «حق العدو، وحده، في الدفاع عن النفس».
التعاون على نزع سلاح المقاومة. في اللقاء الثاني، حدّد ترامب نفسه، موعداً، خلال 3 أسابيع، للقاء رئيسي لبنان وإسرائيل! حصل ذلك في خضم استمرار العدوان الإسرائيلي، وفي ذروة عزلة حكومة الفاشيين المتطرفين ورئيسها المطلوب للعدالة: في الكيان بسبب الفساد، وفي العالم بسبب الإبادة. نتنياهو هو مَن أعلن وضع «إسرائيل الكبرى» (وضمنها لبنان) موضع التنفيذ. وهو أيضاً مَن يواصل جرائم قتل وحرق وتدمير وتهجير مئات الآلاف من اللبنانيين، بكل وحشية وهمجية ودائماً بالشراكة مع واشنطن.
في الأثناء، وابتداءً من الثاني من آذار الماضي، كانت المقاومة قد انخرطت مجدداً في الصراع، من بوابتي التضامن مع القيادة الإيرانية ضد العدوان الأميركي الإسرائيلي، ولإطلاق مرحلة جديدة في التصدي للاعتداءات الإسرائيلية بعد امتناع دام 15 شهراً. فاجأت المقاومة العدو قبل الصديق. تصميم واستعداد قلبا المشهد: المقاومة تعافت، وتعلمت من التجربة السابقة، وباتت أقدر وأكثر إيلاماً للعدو.
رغم ذلك واصل الرئيس عون وفريقه، في السلطة وخارجها، توجههما الساعي نحو التفاوض، إلى درجة الاستجداء: «بأي ثمن وفي أي مكان»، وبعد التخلي عن كل عوامل القوة سلفاً! طبعاً، النتيجة كانت كارثية، كما ذكرنا آنفاً: في بيان الخارجية الأميركية، وفي تصعيد العدوان الإسرائيلي وصولاً إلى الضاحية الجنوبية مساء الأربعاء الماضي: بمباركة واشنطن، كما أعلن العدو رسمياً!
ذكرنا بأنه، بسبب هذه المفاوضات وسلبيات شروط إجرائها، حقق كل من الرئيسين الأميركي والإسرائيلي مكاسب سياسية وإعلامية. بيد أن الأخطر سيكون إما فرض اتفاق إذعان على لبنان، أو إحداث فتنة بين اللبنانيين، أو على الإثنين معاً! في مجرى ذلك وخصوصاً بعد نجاحات المقاومة ميدانياً (وهي وعدت بذلك)، لوحظ نشاط لقوى عربية وأجنبية، لتدارك تصعيد غير مسيطر عليه، في الداخل اللبناني أو في المنطقة بسبب الجموح الأميركي والجشع الصهيوني. لقد تعثّرت، رغم كل الضغوط، محاولات زجّ الجيش في حرب مع المقاومة. كذلك تعثّرت، حتى الآن، محاولات استدراج السلطة السورية الجديدة إلى هذا المنزلق. يمكن القول، أيضاً، إنه قد جرى تطويق محاولات إحداث فتنة تنهض بها، خصوصاً، قوى محلية ذات تاريخ ممتد في التعاون مع العدو. لكن المؤامرة مستمرة.
لقد فرضت بطولات المقاومين من جهة، ووحشية العدو وتواطؤ واشنطن، من جهة ثانية، فرملة اندفاعة فريق الإذعان نسبياً. لكنه يواصل الإصرار على المضيّ في جوهر خياره. أحد الأدلة على ذلك، الإمعان في التفرّد، وتشويه وتزوير المعطيات والمقارنات .يتم، تكراراً، استحضار «الطائف» بشأن مسألتي سلاح الميليشيات وسلاح المقاومة. يكفي أن نشير هنا إلى البيان الوزاري لحكومة «الطائف» الأولى برئاسة المرحوم الرئيس سليم الحص.
تزوير التاريخ هو أحد وسائل ورشة شاملة لإحداث تحوُّل جذري في موقع لبنان وفي سياساته الداخلية والخارجية
استناداً إلى نص «وثيقة الوفاق الوطني» والذي يقول بـ«اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من
الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها...»، جاء في بيانها الوزاري: «الحكومة، في الوقت ذاته لن تألو جهداً... في العمل على تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب والبقاع الغربي بالوسائل المتاحة، ولا سيّما دعم المقاومة الباسلة...». الحكومة التي تشكلت فور انتخاب الرئيس إلياس الهراوي، كان قد جرى التفاهم على كل تشكيلتها، مع الرئيس الشهيد رينيه معوض. وكان معوض قد قال في خطاب الاستقلال: «إنني أدعوكم إلى الانضمام إلى موكب التحرير من أجل استعادة أرضنا المحتلة في الجنوب والبقاع الغربي...»!
تزوير التاريخ هو أحد وسائل ورشة شاملة لإحداث تحوُّل جذري في موقع لبنان وفي سياساته الداخلية والخارجية. وهي ستكون، كما أكدت تجارب سابقة، مغامرة خطيرة، خصوصاً إذا ما كان رهانها معقوداً، مرة جديدة، على العدو وداعمي إجرامه وجشعه وعنصريته. لقد أثارت حرب الإبادة المتواصلة موجة عالمية هائلة رافضة للمشروع الصهيوني ولارتكابات قادته وداعميهم. إن من مصلحة الشعب اللبناني الذي قدّم نماذج باهرة، ولا يزال، في الشجاعة والكرامة والمقاومة والانتصار، أن لا يكون خاضعاً أو تابعاً أو متعاوناً مع قتلة الأطفال والعمران والحياة والمستقبل.
الأخبار اللبنانية
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.