بين اتفاق 17 أيار واتفاق واشنطن

سعد الله مزرعاني
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
بما أن تفاعل العوامل نفسها يقود، مبدئياً، إلى النتائج نفسها، فإن توقُّع أن يؤول اتفاق واشنطن، المُوقَّع في 26/6/2026، إلى المآل عينه الذي انتهى إليه اتفاق 17 أيار 1983، أمر مطروح بشكل عام. لكنّ المعادلة هنا ليست ميكانيكية. الميدان الاجتماعي ليس مماثلاً للحقل الكيميائي. العوامل ذاتها فيه تخضع لبعض المتغيّرات أو للكثير منها. الفارق الزمني بين التجربتَين يتجاوز أربعة عقود. رغم ذلك، يمكن الاستنتاج، من دون كبير عناء، أن المشتركات كبيرة وكثيرة. ليس أدلّ على ما تَقدّم، من أن المقارنة سرعان ما شقّت طريقها إلى الأذهان. ينطبق ذلك على المؤيّدين لاتفاق واشنطن. ينطبق، بدرجة أكبر، على المعارضين له. سُجّلت بالتالي مجموعة جهود ومحاولات من قِبَل طرفي النزاع: الأوّل، لنفي المقارنة بذريعة اختلاف الظروف؛ والثاني، لتأكيدها بسبب التشابه وضآلة الفروقات.

في السياق، سارعت «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBCI)، في نشرتها المسائية الإثنين الفائت، إلى دخول السجال من بابه الواسع - وهي لا تزال مستمرّة فيه -. هي جزمت، عبر صيغة واثقة واستعلائية، أن الشروط والظروف مختلفة. قرّرت أن المقارنة مفتلعة من أساسها. القناة المذكورة ليست وحيدة في الترويج لهذا التوجّه. ثمّة ضخ إعلامي كبير مُسخَّر للغرض نفسه. لذا، يصبح التناول الموضوعي أداة لا غنى عنها للتقرير بشأن صحّة المقارنة والتشابه، من عدمها. لنبدأ بأن اللاعبين هم أنفسهم: لبنان، العدو الإسرائيلي، والولايات المتحدة.

في ما يتعلّق بلبنان، السلطتان القديمة والجديدة متطابقتان إلى حدٍّ بعيد في ملابسات تولّيهما الحُكم إثر متغيّرات خارجية كان أساسها، في الحالتَين، واشنطن وتل أبيب، الشريكَين الدائمَين في السياسة والمواقف حيال لبنان والمنطقة. في التجربة: تل أبيب تعتدي وتجتاح، وواشنطن تدعم وتبرّر وتغطي و«تتوسّط» منفردة لتحقيق أهداف العدوان أو ما أمكن منها! الشراكة تلك، بلغت في الصراع المستمرّ الراهن، ذرى غير مسبوقة: لجهة شراسة العدوان ووحشيّته، توسّع الاحتلال والمجازر والتدمير والإبادة في غزة والضفة ولبنان وسوريا، وتحوّل المواجهة إلى حرب إقليمية عبر العدوان العسكري المشترك على إيران، الهادف إلى تغيير نظامها وسياساتها ونهب ثروتها.

في مجرى الشراكة الأميركية - الصهيونية بقيادة واشنطن، تبلور أكثر الهدف الأميركي المتمثّل بإقامة «الشرق الأوسط الجديد». تبلور، أيضاً، في كنفه، مشروع «إسرائيل الكبرى» الصهيوني. في السياق أيضاً، ينبغي إضافة عوامل مؤثّرة في مجرى الصراع، أهمّها الانقلاب الذي قادته واشنطن على سلطة الرئيس بشار الأسد. يضاف، أيضاً، غياب الاتحاد السوفياتي إلى لائحة البراهين على حصول تبدّل حاسم لموازين القوى، الأمر الذي جعَلَ الفريق الأميركي - الصهيوني هو سيد الساحة في لبنان والمنطقة، وقراره هو النافذ، والاحتكام إليه هو الخيار الوحيد الممكن بذريعة وضع حدّ للخسائر. يركِّز الرافضون للمقارنة، كذلك، على تغيُّر البيئة السياسية والشعبية، وعلى ضعف القوى التي تضافرت جهودها من أجل إسقاط اتفاق 17 أيار.

ماذا عن حجج الطرف الآخر؟ ينطلق الطرف الآخر في مقاربته من أن المتصارعين هم أنفسهم تقريباً، وأن الطرف الإيراني (واليمني) قد عوّض، إلى حدّ كبير، الدورَين السوفياتي (الذي كان تأثيره ضعيفاً نسبياً) والسوري. يذكّر هذا الطرف بأن البلاد كانت تعيش حرباً أهلية متمادية، وأن الجيش قد تدخّل ضدّ المعارضة، وهذا ما لم يحصل حتى الآن. يعيد هؤلاء إلى الأذهان أن المعترضين آنذاك كانوا يعانون من تباينات وتناقضات مهمّة، لكنها لم تمنع توحّدهم ضدّ الاتفاق وإدارة معركة شاملة وفعّالة لإسقاطه، ومن ثمّ لإسقاط السلطة الفئوية التي أقرّته (أبرمه مجلس النواب ليعود ويتراجع عن ذلك بعد فترة قصيرة).

انطلقت غداة العدوان مباشرة، ضدّ المحتل وداعميه الأطلسيين، مقاومة «وطنية» وأخرى «إسلامية» صنعتا، رغم حداثة النشوء وضعف الإمكانات، إنجازات كبيرة لجهة فرض الانسحاب المتواصل على العدو، وكذلك على القوات الأطلسية الداعمة للمحتلّ، بعد تكبيد هذَين الطرفين خسائر فادحة. أمّا المقاومة اليوم، فهي قوية ومتمرّسة ومصمّمة وقادرة على إلحاق خسائر مؤلمة بالمحتلّ، ما يجعل عدوانه شديد التكلفة رغم جرائمه ووحشيته الموجّهتَين خصوصاً ضدّ المدنيين.

إلى ذلك، ثمّة في نص اتفاق واشنطن، من العيوب والسلبيات والتنازلات، ما يفوق بكثير نص اتفاق 17 أيار، ما دفع ويدفع أطرافاً متنوّعة ومتزايدة إلى الاعتراض عليه، وإلى إمكانية التشكّل في جبهة موحّدة، أو في جهد مشترك، لمواجهته أو تعديله أو عدم إبرامه. يضاف إلى ذلك أن الشراكة الصهيو - أميركية تعاني أزمات كثيرة: عسكرياً ومالياً وأخلاقياً، خصوصاً بعد إبادة غزة واعتداءات الضفة ولبنان والعدوان على إيران.

يلفت الانتباه بشكل خاص التحوّل في أوساط أميركية واسعة ضدّ دعم واشنطن المفرط لإسرائيل، وضدّ تعاظم نفوذ اللوبيات الصهيونية وتجاوزاتها في أوساط السلطة والمجتمع في أميركا. لا يمكن، في السياق نفسه، تجاهل التوترات المتواصلة في العلاقات الأميركية - الإسرائيلية، التي أجّجها الاتفاق الأميركي - الإيراني. نشوء مسارَين متوازيَين، بشأن لبنان، خصوصاً، هو دليل قاطع على التجاذب المربك بين أولويات الشريكَين، والتباعد الآخذ في التفاقم بينهما. بيد أن المفاوض اللبناني لم يأخذ ذلك في الاعتبار. على الأقلّ، كان هذا سيوفّر له فرصة ترميم الوحدة الوطنية، ومعالجة خطأ استعداء إيران واستفزازها طالما أن الإدارة الأميركية هي شريكة أساسية فيه. أمّا ما أصرّ عليه الطرف اللبناني، فهو الرهان المعيب على تل أبيب لتحقيق السيادة والتحرير والغلبة وتأكيد انعدام الخيارات!

يتّضح مما تَقدّم، أن ثمّة أسباباً وعوامل موضوعية مهمّة تشجّع أو تفرض الانخراط في فعل وطني واسع لإسقاط اتفاق واشنطن، وما ينطوي عليه من مخاطر أوّلها إحداث فتنة داخلية تشكّل أداة رئيسة في مسار توفير شروط نجاحه. ذلك يتطلّب مشروعاً وبرنامجاً وصيغة عمل مشترك، لكي تصحّ بالتوصيف وتتكرّس في النتائج، معادلة أن مصير اتفاق واشنطن، سيكون مماثلاً لمصير اتفاق 17 أيار.

الأخبار اللبنانية


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)