التفاف أمريكي حول الاتفاق مع إيران رغم التناقضات

سنية الحسيني
عربي21
شارك الخبر
تبنى الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته خطاباً يقوم على أن الاتفاق الإطاري الأميركي - الإيراني أنهى الحرب دون تقديم تنازلات جوهرية في الملف النووي، وأعاد المفتشين الدوليين، وضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز، ويمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، ما يحقق مكاسب اقتصادية من خلال خفض أسعار النفط وتجنب حرب طويلة. وقد دافع نائب الرئيس جي دي فانس وعدد من مسؤولي الإدارة عن الاتفاق باعتباره انتقالياً يحتاج إلى مفاوضات تقنية لاحقة.  

يعيش الاقتصاد الأميركي صدمة تضخمية مرتبطة بالحرب والطاقة، فالتضخم بقي مرتفعاً بسبب صدمات العرض والطاقة المرتبطة جزئياً بصراع الشرق الأوسط. يدعم 78% من الأميركيين إنهاء الحرب مع إيران، ويعتبر 57% منهم أن الحرب خلقت مشاكل أكثر مما قدمت حلولاً. وتفضل الإدارة الأميركية بقوة الاتفاق مع إيران لوقف الحرب نهائيا، وانعكس ذلك في الاتفاق الذي تفاهم حوله البلدان وأعلن عنه قبل أيام، إلا أن هذا الاتفاق في الوقت نفسه أثار غضب إسرائيل.

ورغم ذلك، يبقى هناك تحالف استراتيجي ثابت بين البلدين، مع تباعد متزايد في ترتيبات «اليوم التالي». في إطار كل تلك التطورات، تنقسم المواقف داخل الولايات المتحدة حول الاتفاق، ليس فقط بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل أيضاً داخل كل حزب، ما يعكس تعقيدات تمر بها عملية صنع القرار في الولايات المتحدة. فإليّ أين تتجه الأمور بين الحليفين الحميمين، وداخل الولايات المتحدة؟

رفعت الحرب أسعار النفط والطاقة، ما أدى لزيادة التضخم، الذي يدفع البنك الفيدرالي لرفع الفائدة، ويرفع تلقائياً عائد السندات الجديدة، في ظل تصاعد المخاوف من عجز الميزانية والديون الحكومية. يجعل ارتفاع التضخم البنك الفيدرالي أقل استعداداً لخفض الفائدة، بل إن بعض البنوك مثل «بنك أوف أميركا» و»بنك دويتشه» باتت تتوقع رفع الفائدة لاحقاً خلال العام الجاري. إذا استمرت الحرب فالسيناريو المرجح أن يعود النفط للارتفاع، خصوصاً إذا بقيت حركة الشحن غير طبيعية في مضيق هرمز، مع بقاء التضخم، وارتفاع الفائدة وعوائد السندات. بينما إذا نجح الاتفاق وتوقفت الحرب فالسيناريو المرجح أن يواصل النفط والبنزين الانخفاض، ويهدأ التضخم العام بشكل أسرع، وتنخفض عوائد السندات تدريجياً، ويستقر الدولار.

لا تخفي القيادة الإسرائيلية غضبها من الاتفاق، خصوصا في الجزء الذي يرتبط بلبنان، وكذلك المتنفس الاقتصادي المبكر جداً لإيران، قبل التحقق من التزامها في الملف النووي. وبينما بات واضحاً أن وقف الحرب وعقد اتفاق مع إيران يخدم الأمن القومي الأميركي، صرح عدد من الوزراء الإسرائيليين بأن حكومتهم لن تلتزم بالاتفاق، بينما هاجمت المعارضة نتنياهو، واتهمته بالفشل في التأثير على واشنطن، رغم أنها لا تؤيد الاتفاق أيضاً. وتعتبر إسرائيل أن الاتفاق لا يحقق أهدافها.
يعكس الاتفاق موقفا متباعدا بين البلدين في إدارة الحرب وترتيبات «اليوم التالي»

يعكس الاتفاق موقفا متباعدا بين البلدين في إدارة الحرب وترتيبات «اليوم التالي»، أي أن الخلاف حول وسيلة تحقيق الأهداف، وليس حول الأهداف التي لم يظهر تباعدها بعد. وتعمل إسرائيل في المنطقة منذ السابع من أكتوبر دون إطار دولي ملزم، وبدعم أميركي مفتوح. وبينما ترى واشنطن الآن أن وقف الحرب يخدم الأمن القومي الأميركي، ترى إسرائيل أن استمرار حرية العمل العسكري يخدم الأمن القومي الإسرائيلي. ويبدو أن واشنطن تحاول أن تعيد تعريف استخدام القوة الإسرائيلية بما يخدم أولوياتها الإقليمية والاقتصادية والدبلوماسية، وذلك من خلال الانتقال من منح إسرائيل حرية استراتيجية واسعة، إلى محاولة أميركية لضبط هذه الحرية ضمن إطار إقليمي ودولي بقيادتها.

يدعم إسرائيل نواب وشيوخ أميركيون من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وتدعم «الإيباك» أو لوبي إسرائيل في الولايات المتحدة صراحة عدداً منهم وتمول دعايتهم الانتخابية. وقد انتقدت «الإيباك» الاتفاق معتبرة أنه «يثير تساؤلات جوهرية» حول الالتزامات الإيرانية بشأن البرنامج النووي، التي اعتبرتها «مبهمة وغير كافية»، وطالبت بأن يشمل الاتفاق النهائي إزالة كل اليورانيوم المخصّب من إيران، وتفكيك جميع منشآت التخصيب، ومعالجة برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف دعم إيران للجماعات المسلحة.

يرفض تشاك شومر زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ المدافع بشدة عن إسرائيل استمرار الحرب، رغم أنه انتقد الاتفاق ووصفه بأن «فن الاستسلام وليس السلام بالقوة». ورغم تلقي تسعة قادة ديمقراطيين بارزين أموالاً من «إيباك» بشكل معلن، إلا أنهم انتقدوا صراحة استمرار الحرب.
فعلى سبيل المثال، صوت بيل كاسيدي وسوزان كولينز وليزا مورسكي من الشيوخ المؤيدين لإسرائيل لصالح قرار صلاحيات الحرب (War Powers Resolution). وهو قانون صدر العام 1973 يُقيّد صلاحية الرئيس في إرسال القوات العسكرية إلى الخارج دون موافقة الكونغرس. وشكل التصويت الأخير على قرار صلاحيات الحرب في 23 من الشهر الجاري الأول من نوعه الذي ينجح في كلا مجلسي الكونغرس، بتصويت 50 مقابل 48، الأمر يعكس تحوّلاً تاريخياً حتى بين الجمهوريين الداعمين لإسرائيل.

يبدو أن «الإيباك» في موقف ضعيف هذه المرة مقارنة باتفاق العام 2015، فحين عارضت إسرائيل و»الإيباك» اتفاق أوباما، ودعمت بالكامل من قبل الحزب الجمهوري، الذي امتلك الأغلبية في الكونغرس، استطاع أوباما تمرير قراره بإبرام الاتفاق كقرار تنفيذي، لم يستطع المعارضون عليه جمع الأصوات اللازمة لرفضه. في حين لا تملك «الإيباك» حالياً ذلك النسيج المتماسك من الدعم خصوصاً من داخل الحزب الجمهوري، لدعم استمرار الحرب أو لتقويض الاتفاق، فإصرار ترامب على وقف الحرب وتنفيذ الاتفاق، لن يواجه بمقاومة معطلة، لا من قبل الديمقراطيين أو الجمهوريين، خصوصا أنه أيضا قرار تنفيذي لا يحتاج لموافقة الكونغرس.

يؤيد معظم الأميركيين إنهاء الحرب مع إيران عبر الاتفاق معها، وإن كانوا ينتقدون الاتفاق. وبين استطلاع حديث أن 60% من الجمهوريين أيدوا إنهاء الحرب، و56% من المؤيدين المتحمسين لترامب المعروفين بتيار (MAGA) أو «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً». ورغم ذلك يرى غالبية الأميركيين أن هذا الاتفاق لم يحقق أفضل النتائج لبلدهم.

تعرف بنية أعضاء مجلس النواب الجمهوريين بـ»العائلات الخمس» وهي أجنحة داخل الأغلبية الجمهورية، تتدرج من اليمين المتشدد إلى المعتدلين البراغماتيين. وتنقسم هذه الأجنحة حول الموقف من الاتفاق الإطاري مع إيران، فيدعمه التيار التابع لترامب أو التيار الرسمي، بحجة أن الاتفاق يوقف الحرب ويفتح مضيق هرمز ويخفّض الكلفة الاقتصادية. أما جناح الصقور الأمنيين فيقف على النقيض، ويعتبر أن الاتفاق يمنح إيران أموالاً وشرعية، من دون ضمانات كافية لتقويض البرنامج النووي. وهناك الجناح المتحفظ الذي يطالب بمعرفة مزيد من التفاصيل وضمانات أكثر للاتفاق.

في حين يبرز الجناح الانعزالي America First الذي يهاجم في الأصل انخراط الولايات المتحدة في الحرب، والنفوذ الكبير لإسرائيل في صنع القرار. كما يتبقى الجناح الداعم لموقف إسرائيل الذي يركز على أمنها خصوصا في لبنان. وتنعكس هذه الأجنحة الخمسة بشكل مشابه على مجلس الشيوخ، وإن كانت حدودها أقل حدة نظراً لطبيعة الشيوخ الذين يتمتعون باستقلالية أكبر وفترات أطول في المنصب.

بينما يتضح الانقسام في الحزب الجمهوري نفسه حول الاتفاق مع إيران، يتجسد ذلك الانقسام أيضا في صفوف الديمقراطيين. تنقسم الخريطة الحزبية للديمقراطيين في مجلس النواب بين ثلاثة تيارات رئيسة هي: التقدميون، ويضم 99 نائبا، ويعتبر التكتل الأكبر، والوسطيون أو الديمقراطيون الجدد، ويضم 94 نائباً يشكلون العمود الفقري التقليدي للحزب، والجناح الاقتصادي المعتدل الأقرب لتوجهات الرئيسين كلينتون وأوباما، والمحافظون المعتدلون الذين تقلصت أعدادهم كثيراً وباتت لا تتعدى الـ 10 نواب حالياً. ويتقاطع مع هذه التيارات الجناح المؤيد لإسرائيل، الذي يمتد عبر الوسطيين.

لا توجد تلك التكتلات في مجلس الشيوخ بشكل رسمي مماثل، مع بقاء تلك التوجهات عموماً.
يعتبر تشاك شومر زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ أن إيران تبدو رابحة في الاتفاق، وأن الولايات المتحدة أصبحت في وضع أسوأ مما كانت عليه قبل الحرب. ووصف السيناتور ريتشارد بلومنتال الاتفاق بأنه «استسلام غير مشروط»، ودعا لعرضه على مجلس الشيوخ لمراجعته. انتقد جيري نادلر المؤيد التقليدي لإسرائيل الاتفاق، واعتبره لا يعالج الصواريخ أو الوكلاء الإقليميين، وأضعف من اتفاق العام 2015. واعتبر النائب غريغ ستانتون أن حرب ترامب كانت «كارثة»، وإن الاتفاق يقدم تنازلات ضخمة قبل الحصول على التزام نووي دائم من إيران.  

تكشف مواقف الإدارة والكونغرس والرأي العام الأميركي أن الأولوية باتت تتجه نحو إنهاء الحرب وتخفيف كلفتها الاقتصادية والأمنية، حتى وإن ظل الاتفاق مع إيران محل انتقاد بين مختلف التيارات السياسية. ورغم استمرار الانقسام الحزبي حول تفاصيل الاتفاق، إلا أن المشهد الأميركي يظهر تقارباً متزايداً بين الجمهوريين والديمقراطيين حول ضرورة تجنب حرب طويلة، بما يجعل فرص استمرار المسار التفاوضي أكبر من فرص العودة إلى التصعيد العسكري.

ويعكس الغضب الإسرائيلي من الاتفاق تباعداً متزايداً عن الإدارة الأميركية في إدارة المرحلة المقبلة، وقد يكون أبعد من ذلك، ورغم أنه ليس اختلافاً في الأهداف الإستراتيجية بين الحليفين، إلا أنه بالإمكان استثماره لصالح ملفات مثل غزة ولبنان، وقد تتحسن فرص ذلك أكثر في حال أفرزت انتخابات الكنيست القريبة القادمة حكومة مختلفة.

الأيام الفلسطينية


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)