بشكل مفاجئ تم التعجيل بتوقيع مسودّة
مذكرة التفاهم الأميركية -
الإيرانية أمس في باريس رغم أنه كان مقرراً اليوم في سويسرا وبذلك قُطع الشك حول مصداقية بنودها الـ14، وما تضمنته من تفاهمات أثارت الجدل الواسع بين قراءات مختلفة تدور في مجملها حول تحديد المنتصر والمهزوم في الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.
من المهم الانتباه إلى أن مذكرة التفاهم قد دارت من تاريخ الثلاثاء الماضي في كل وسائل الإعلام وملأت شبكات التواصل الاجتماعي تعليقات، كما حظيت بمتابعة واهتمام قلما توفرا لمذكرة تفاهم دوليّة أخرى.
طبعاً بعض المؤشرات توحي بأن تسريب مذكرة التفاهم التي تم توقيعها أمس قد يكون مقصوداً لجس نبض العالم، ومن الواضح أن ردود الفعل، بما فيها التعليقات في شبكات التواصل الاجتماعي، قد لاقت التمحيص المطلوب، حيث لاحظنا وتيرة تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب وكيف أنها ليست نفسها مقارنة بين يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، وهذا الصعود والنزول في اللغة يبدو لنا أنه نتاج التأثر بمقاربة النصر والهزيمة. ناهيك بأنه للمرة الأولى تقريباً يوجه، أول من أمس (الأربعاء) في مؤتمر الدول السبع، نقداً لإسرائيل منذ بداية ولايته الأولى إلى حد الآن. بل إن التعجيل في توقيع مذكرة التفاهم خطوة تعكس الحسم في تحويلها إلى أمر واقع للجميع وعلى رأسهم إسرائيل إضافة إلى تأثير ما دار من محادثات سرية في مؤتمر الدول السبع.
من ناحية أخرى، من الملاحظ أن مقاربة النصر والهزيمة سطحية وعاطفية ونتاج نظرة مؤدلجة. والحال أنه من تاريخ الحرب العالمية الثانية تغيرت مقاربة الحروب في عالم أصبح يصف نفسه بالقرية الصغيرة، الأمر الذي يعني أن حتى الهزيمة تُعولم اليوم، ويظل النصر في معناه النسبي جداً ضيق العائدات.
يبدو لنا أن المقاربة خاطئة ولم تعد صالحة لصراعات الألفية الثالثة، إذ رأينا كيف أن الحرب الروسية - الأوكرانية قد أضرت بدول كثيرة؛ بسبب الارتفاع غير المسبوق لأسعار القمح وأيضاً الطاقة، وبذلك يصبح تعسفاً على الواقع والحقيقة تعداد الخسائر والأرباح حكراً على طرفي النزاع من دون سواهما، مع العلم أنه بالمعنى الإنساني فإن كل الحروب خاسرة وكل أطرافها مهزومون. وفي هذا السياق ذاته عن أي انتصار نتحدث وقد سقط في إيران أكثر من 3500 شخص، منهم المئات من الأطفال؟
والجدير بالتفكير ليس تحديد المهزوم والمنتصر، بل وضع مذكرة التفاهم الموقعة أمس في تقويم من نوع آخر: هل قيل لنا كل شيء فعلاً عن مذكرة التفاهم، أم أن شيئاً آخر يمكن تحديده بوضع هذه المسودة في السياق السياسي الاقتصادي للولايات المتحدة، وأيضاً وضع المذكرة نفسها في سياق الخطاب الإيراني الرسمي، خاصة في خصوص البند الثامن.
بالنسبة إلى
الولايات المتحدة الأميركية، فإن مصلحة رئيسها تتعارض مع الاستمرار في حرب مفتوحة بعد التضييقات التي عرفها، وصولاً إلى تأثير الحرب على مستقبله السياسي، وأيضاً الضغوطات التي فرضتها هذه الحرب الحساسة في خصوص تداعياتها على حركة الطاقة في العالم، وصولاً إلى اضطرار الرئيس الأميركي إلى اعتماد نوع من الخطاب المجامل يحاول فيه مصادقة الصين، وذلك في اختلاف تام مع الحرب التجارية المندلعة منذ أشهر بينهما.
مذكرة التفاهم بمثابة فرصة لالتقاط الأنفاس وشق طريق التعافي من الإصابات العديدة
إذن الولايات المتحدة تريد إيقاف الحرب، ولكن على شكل هدنة غير مصرح بها؛ لأنها وإن لم تكمل المهمة التي خاضت الحرب من أجلها فإنها فهمت ما يجب العمل عليه في الحرب المقبلة إذا استدعى الواقع مستقبلاً ذلك. ومن المهم رصد المنجز الأميركي الذي يمكن تلخيصه في تعطيل المشروع النووي الإيراني لسنوات طويلة مقبلة من خلال اغتيال عدد واسع من العلماء، وإلحاق دمار في البنية التحتية مما سيجعل إيران تنشغل بجروحها لزمن تتوقف مدته حول القدرة على التعافي.
لذلك، فإن مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية سيقضي بها الرئيس الأميركي على الصداع الكبير الذي سببته له هذه الحرب، وسيستبدل به صداعاً آخر خفيفاً مقارنة بالأول، وهو الصداع الإسرائيلي، باعتبار أن إسرائيل لم تبلغ هدفها الأكبر الذي رسمته من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ولم تغنم إلا بإضعاف الأذرع وإصابة الرأس في غير مقتل.
أما إيران، فلقد خسرت كثيراً، وما أظهرته من صمود لا يحتمل المزيد من الاستنزاف، لذلك فإن مذكرة التفاهم بمثابة فرصة لالتقاط الأنفاس وشق طريق التعافي من الإصابات العديدة. وما التزمت به إيران في البند الثامن من المذكرة حيث أكدت «مجدداً أنها لن تنتج أسلحة نووية أبداً» إنما يندرج ضمن خطابها الدائم حول الملف النووي، وكما نعلم فإنه رغم اعترافها ببرنامجها النووي السلمي سنة 2003 فإنها رسمياً تنفي دائماً وجود برنامج نووي عسكري. وبناء عليه فإن البند الثالث هو تكرار لخطاب يتكرر منذ 23 عاماً.
ومن منطلق كل هذه العناصر فإنه أمس قد حصل التوقيع على هدنة للبيت الأبيض، واستراحة لإيران، ويظل التفاهم رهين الأسابيع المقبلة وربما أكثر.
الشرق الأوسط
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.