FT: تزايد الإشارات على تراجع حب الأمريكيين لـ"إسرائيل"

صوّت الأسبوع الماضي 40 من أصل 47 عضواً ديمقراطياً في مجلس الشيوخ ضد بيع الأسلحة الأمريكية لدولة الاحتلال - الأناضول
نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" مقالاً لإدوارد لوس تساءل فيه عن السبب الذي لم تعد تحب فيه أمريكا دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وتساءل "من في أمريكا يتذكر إسحاق رابين؟ من المؤكد أن قلة ممن هم دون الأربعين يتذكرون رئيس الوزراء الذي سعى للسلام مع الفلسطينيين. اغتياله عام 1995 على يد متطرف إسرائيلي دفع البلاد نحو اليمين، وبشّر ببزوغ فجر عهد بنيامين نتنياهو، ولا يبدو أن هذا التوجه سيتلاشى".

وأضاف "ليس من المستغرب أن يكون الشباب الأمريكي اليوم مؤيداً للفلسطينيين كما كان أسلافهم مؤيدين لدولة الاحتلال. خاطر رابين بحياته من أجل السلام. فماذا سيقول التاريخ عن نتنياهو؟".

وقال لوس إن التغير في الرأي العام الأمريكي واضحٌ جداً، فنسبة 60 بالمئة من الأمريكيين ينظرون إلى الاحتلال نظرة سلبية، وفقاً لمركز بيو للأبحاث، وكلما صغر سنهم ارتفعت هذه النسبة.

ويتعاطف ثلاثة أرباع الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، وفقاً لاستطلاع رأي منفصل أجرته شبكة "إن بي سي" في نهاية الأسبوع الماضي.

ومع رحيل جيل الطفرة في المواليد، من المرجح أن يزداد العداء لدولة الاحتلال في أمريكا، حيث يتناقص عدد الذين ينظرون إلى "إسرائيل" على أنها "داود" الذي يقف في وجه جالوت العالم العربي، ويتزايد عدد من يربطونها بالعسكرة المفرطة.

ولا يستبعد الكاتب نشوب خلاف محتمل  بين إسرائيل والرئيس دونالد ترامب، ففي مرحلة ما، سيتوصل الرئيس إلى اتفاق مع النظام الإيراني لإنهاء عملية "الغضب الملحمي"، ومهما كانت تفاصيل هذا الاتفاق، فمن شبه المؤكد أن تعارضه "تل أبيب".

ويعرف الأمريكيون اليوم بالدور الذي لعبه نتنياهو في إقناع ترامب بأن مهاجمة إيران كانت فكرة صائبة،  وقد أهدرت الجماعات المؤيدة للاحتلال الكثير من النوايا الحسنة باتهامها من يراقبون نفوذ نتنياهو بنشر خطاب (معاد للسامية)، وهذا من شأنه أن يجعل ملايين الأمريكيين الصهاينة معادين للسامية.

ومع ذلك يحمل لوس ترامب المسؤولية الكاملة على توريط أمريكا في هذه الحرب التعسفية، وكما ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز"، كان الصوت الأبرز الذي حث ترامب على المضي قدما هو صوت نتنياهو.

فيما أظهر مستشارو ترامب أنفسهم، بمن فيهم وزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جيه دي فانس ومدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف ورئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين مستويات متفاوتة من الشك. فلم يكن نتنياهو محركا خفيا للأحداث، لكن مهاراته في إقناع ترامب كانت مؤثرة.

وأشار الكاتب إلى اتجاه آخر مثير للجدل ضد دولة الاحتلال، وهو الظاهر  بين الديمقراطيين. فقد صوت 40 من أصل 47 عضو ديمقراطي في مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي ضد بيع الأسلحة الأمريكية لدولة الاحتلال.

مع أن الديمقراطيين وقبل بضع سنوات، سعوا بشغف للحصول على تمويل من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، وهي أقوى جماعة ضغط مؤيدة للاحتلال في البلاد. ولا تزال أيباك تصور نفسها على أنها غير حزبية. ولكنهم يتعهدون الآن  بعدم قبول ما يعتبرونه أموالا مشبوهة.

ويخوض مرشحو الحزب الديمقراطي للرئاسة الأمريكية حرب مزايدة لمعرفة من يستطيع النأي بنفسه أكثر عن الاحتلال. ويقود هذه الحرب رام إيمانويل، عمدة شيكاغو السابق، الذي تعهد بإنهاء الدعم الأمريكي السنوي لـ"تل أبيب" البالغ 3.8 مليار دولار.

ويقول إن دولة الاحتلال تستطيع شراء الأسلحة بسعر السوق كأي حليف آخر. ويضيف أنه في حال خرق إسرائيل لقواعد الحرب، فعلى أمريكا فرض حظر عليها. ويهدد ديمقراطيون آخرون بوقف بيع الأسلحة الدفاعية، بما في ذلك تلك اللازمة لنظام القبة الحديدية لدى الاحتلال.

ويقول لوس إنه لولا بيرني ساندرز، لكانت هذه السياسة غير واردة قبل بضع سنوات. ومما يؤكد هذا التحول أن اسم إيمانويل الأوسط هو "إسرائيل"، وتطوع لفترة وجيزة  في جيش الاحتلال الإسرائيلي.

لكن نتنياهو قد وضع نفسه في موقف قد يضطر إلى تحمل تبعاته. فعندما كان إيمانويل رئيسًا لموظفي باراك أوباما عام 2009، وصفه نتنياهو، بحسب التقارير، بأنه "يهودي يكره نفسه". وكانت خطيئة إيمانويل هي معارضته للمستوطنات الجديدة في الضفة الغربية المحتلة.

وقد مهدت هذه التكتيكات الطريق لردة الفعل العنيفة الحالية. ويجسد الخلاف بين نتنياهو وإيمانويل الاتهامات غير المتكافئة لما يسمى بالولاء المزدوج، فكل من يلمح إلى وجود صلات بين شخصية يهودية أمريكية بارزة والولايات المتحدة وإسرائيل يخاطر بالتعرض لاتهامات (معاداة السامية) من قبل (أيباك) وحلفاء نتنياهو الآخرين.

ومع ذلك، عندما تتبنى شخصية يهودية أمريكية مثل إيمانويل موقفا مغايرا بشأن المصالح الوطنية الأمريكية، توصم بالخيانة أو ما هو أسوأ. ويدرك الديمقراطيون، بمن فيهم أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ اليهود، هذه المعايير المزدوجة.

كما أن معظمهم منزعجون من سوء استخدام تهمة (معاداة السامية)، بل إن الإفراط في استخدامها يزيد من استياء أمريكا من دولة الاحتلال.

ويقول لوس إن الخطوة المقبلة، ستكون جهود ترامب لإيجاد مخرج من "الغضب العارم"، ومن الصعب تصور كيف سيتمكن من التوصل إلى تسوية بين الولايات المتحدة وإيران أفضل بكثير مما تفاوض عليه أوباما عام 2015.

لقد خلق نتنياهو سابقةً عندما حذر أمام الكونغرس بأن الاتفاق النووي الإيراني الأمريكي "سيئ للغاية" ولعب دورا أيضا في عام 2018 في إقناع ترامب بالانسحاب من المفاوضات.

ومنذ خروج ترامب من الاتفاق عام 2018، ارتفع مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يقدر بنحو 440 كيلوغراما - وهو ما يكفي لصنع حوالي 10 قنابل نووية .

ويحاول ترامب اليوم تعليق التخصيب إلى أجل غير مسمى، في حين أن اتفاقية أوباما جعلت المدة 15 عاما. ولكن إذا فشلت خطة ترامب في كبح برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني وقطع علاقات إيران مع وكلائها الإقليميين، فلن يكون نتنياهو راضيا عن أية اتفاق.

في غضون ذلك، تواجه كل من الولايات المتحدة ودولة الاحتلال انتخابات في وقت لاحق من هذا العام، ومن هنا فمواصلة الحرب تعتبر معضلة للطرفين، ونتنياهو أذكى من أن يخاطر بحملة انتخابية دون دعم ترامب.

لكن غريزة ترامب في الحفاظ على الذات ستمنعه على الأرجح من المخاطرة بوقوع خسائر بشرية فادحة في صفوف الولايات المتحدة بإرسال قوات برية إلى إيران. وهكذا، فإن مأزق نتنياهو محسوم سلفا الشيء الوحيد الذي يمكنه الاعتماد عليه هو أن من سيخلف ترامب سيكون على الأرجح أقل ودا بكثير.