تتعدد وتتطور الاستراتيجيات العسكرية والأمنية التي يعتمدها جيش
الاحتلال الإسرائيلي في التعامل مع جبهات المقاومة في جنوب وشمال
فلسطين المحتلة، لكن الواقع وتطورات الأحداث على الأرض تكشف فشل تلك الاستراتيجيات في التصدي لأصحاب الأرض.
وعمل جيش الاحتلال خلال السنوات الماضية على إقامة جدار أمني ذكي حول قطاع غزة ومثله في الشمال مع
لبنان وسبق ذلك إقامة جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية المحتلة، لكن الفلسطينيين سرعان مع وجدوا الأدوات المختلفة للتعامل مع تلك الجدر، والمثال الأبرز على ذلك العملية العسكرية الدفاعية التي نفذها المقاومة الفلسطينية وأطلقت عليها "طوفان الأقصى" وتمكنت من خلالها تجاوز الجدار الأمني حول القطاع.
اظهار أخبار متعلقة
جدار وأبراج مراقبة
وخلال حرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع غزة التي بدأت في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 واستمرت لأكثر من عامين، عمل جيش الاحتلال على فرض إقامة منطقة عازلة ضمن ما يسمى الخطر الأصفر داخل القطاع إلى جانب جدار أمني ومواقع عسكرية وأبراج مراقبة في محاولة لمنع عمليات المقاومة ضد قواته التي ما زلت تحتل مساحة كبيرة من القطاع المدمر، وذات الإستراتيجية الفاشلة بحسب مختصين يحاول جيش الاحتلال استنساخها في جنوب لبنان حيث أعلن أمس السبت أنه أقام خطا أصفر فاصلا جديدا في الجنوب اللبناني.
وعن إستراتيجية بناء الجدر وإقامة المناطق العازلة التي يهتم بها الاحتلال، بين المؤرخ والأكاديمي الخبير بالشأن الإسرائيلي البروفيسور محمود يزبك، أن "هذه عقيدة متأصلة في الفكر الصهيوني منذ أن بدأ الاستيطان في فلسطين، وإقامة الجدر هي عملية بدأت في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين".
ونوه في حديثه لـ"عربي21"، إلى أن "بعض المستوطنات الإسرائيلية ما زالت محاطة بالجدار الذي أحيطت به وقت إقامتها في سنوات العشرين والثلاثين من القرن الماضي وبعدها، وكان يطلق على ذلك جدار وبرج مراقبة حيث تعزل المستوطنات عن محيطها".
وأوضح يزبك، أن "هذه العقيدة تدل على أن الاستيطان الصهيوني في فلسطين لم يكن على ثقة بأنهم كما يزعمون يريدون العودة لبلادهم، أو أنه سيكون جزءا من المشهد العام الفلسطيني؛ بل هو استعمار، حيث أقيمت المستوطنات في مناطق بعيدة عن السكان الفلسطينيين، ومنذ البداية يسكنهم الخوف والفزع من ردة الفعل الفلسطينية حينما تأتي، لذلك كان يحصر نفسه ومستوطنته في جدار يلفها وعدة أبراج مراقبة للحراسة، وهم يعلمون أن الاستيطان غير مقبول بالنسبة للسكان من حولهم، لذا يسكنهم خوف متواصل من أصحاب الأرض".
ولفت إلى أن "هذه الفكرة الصهيونية (جدار وبرج مراقبة) عمليا استمرت حتى يومنا هذا، ويحصل هذا اليوم في قطاع غزة ولبنان"، منوها إلى أن "إقامة مناطق عازلة في المناطق المحتلة هي تطور في الفكر الإسرائيلي، وفي هذا الجانب يمثل قطاع غزة عمليا النموذج الأكثر وضوحا لذلك".
اظهار أخبار متعلقة
فشل استراتيجيات الاحتلال
وأضاف المؤرخ متسائلا: "هل هدف إقامة الجدر والمناطق العازلة هو حماية إسرائيل من القطاع؟، بالطبع هذا كلام لا أساس له من الصحة، فأحداث 7 أكتوبر (طوفان الأقصى) أثبتت فشل هذه النظرية وعدم صدقيتها، وأكثر من ذلك؛ حينما ننظر للمستوطنات التي أقيمت في القطاع بعد احتلاله عام 1967 وأحيطت كلها بجدر وأبراج مراقبة وحتى تفكيكها، نجد أن هذه المستوطنات فشلت في حماية المستوطنين في تلك الفترة، وذلك حينما انتفض القطاع ضد الاحتلال والاستيطان".
ونبه الخبير إلى أن "إسرائيل الآن تحاول أن تعمق هذه المفهوم بإقامة جدار ومناطق عازلة قرب الخط الأصفر، بحيث يتم عزل سكان القطاع عن المستوطنات المحيطة به، وهذا هو قضم واحتلال فعلي لأكثر من 50 في المئة من مساحة القطاع ووضع السكان في منطقة جدا ضيقة، وهدف ذلك زيادة الضغط على السكان لأجل دفعهم للخروج من القطاع، ولكن حتى هذه اللحظة هذه النظرية فشلت فشلا كبيرا، لأن الناس يعودون للقطاع حينما يجدون فرصة لذلك".
وتابع: "إقامة الخط الأصفر كحدود لمنطقة عازلة داخل القطاع، هي أحد الطرق لشرعنة الاحتلال الإسرائيلي في القطاع، وخلق ضغط جغرافي وديموغرافي على السكان الفلسطينيين لدفعهم نحو ترك وطنهم نحو أماكن أخرى، وذات الفكرة يعملون على تطبيقها في لبنان"، مؤكدا أن "الفلسطيني أثبت أنه لن يخرج ويترك أرضه، وكل هذه الأفكار تدل على فشل إستراتيجي في فهم الإسرائيلي للمنطقة الفلسطينية والعربية بشكل عام".
وخلص يزبك، إلى أن "هذه الجدر والمناطق العازلة التي يتم من خلالها اقتطاع مساحات كبيرة، ستزول حينما يبدأ الضغط الداخلي الفلسطيني وأيضا اللبناني، فهي مشاريع مؤقتة بالنسبة للفلسطيني وحينما تبدأ حركة مناهضة لهذه المناطق العازلة، ستكون هذه المناطق هي مسبب جديد للانتفاض ضد الاحتلال الإسرائيلي".
اظهار أخبار متعلقة
خطط تهويد مؤجلة
من جانبه، أوضح الباحث والخبير في الشأن الإسرائيلي وليد الشوملي، أن "العقيدة الدينية التوراتية تغلغلت اليوم في إسرائيل من القيادة وحتى الشارع الإسرائيلي، وأجهزة الاحتلال المختلفة تعمل منذ قيام دولة الاحتلال على التخلص من السكان الفلسطينيين الأصليين، وهم لديهم العديد من خطط السيطرة والتهويد المؤجلة التي تنتظر اللحظة المناسبة لإخراجها وتنفيذها.
ونوه في حديثه لـ"عربي21"، إلى أن "العقدية الأمنية الإسرائيلية ترتكز على المعتقدات التوراتية اليمينية التي تعتمد على التطهير العرقي للشعب الفلسطيني الموجود على أرضه، فأي خطط من مثل تطويق غزة وفرض مناطق عازلة أو الجدار المخطط إقامته في الغور لعزلنا عن الأردن وجدار الفصل العنصري في الضفة وحول القدس، كل هذه تصب في الإستراتيجية العامة لدى الاحتلال والتي تهدف إلى التضييق على السكان، وتهجير طوعي وقسري خاصة في المناطق التي يعتبرها إستراتيجية ومهمة له من ناحية أمنية".
ولفت الشوملي، أن "إسرائيل دائما ما تتذرع بالناحية الأمنية عندما تريد الاستيلاء على مناطق جديدة وإقامة جدار أمني أو اقتطاع مساحات من الأرض تحت مزاعم إقامة مناطق عازلة"، مؤكدا أن "دولة الاحتلال لا تتردد في تنفيذ أي خطة يمكن تنفيذها من أجل تطهير الأرض من سكانها والتطويق الأمني لهم".
وذكر أن "المناطق التي يقتطعها الاحتلال مثلا من قطاع غزة لإقامة منطقة عزلة، هي تحتوي على مصادر للمياه يتم سرقتها وأراض زراعية يتم تدميرها، وهذا يتسبب بحرمان الفلسطيني من حقوقه المختلفة وخاصة في توفير ما يلزمه من ماء وغذاء، إضافة للتحكم العسكري بحركة المواطن كما يجري في الضفة الغربية المحتلة، وكل هذا يساهم في التضييق على الفلسطيني صاحب الأرض".