مجلة أمريكية: الكويت تسلب مواطنيها الجنسية بوتيرة غير مسبوقة

أثر سحب الجنسية يمتد ليشمل التابعين - جيتي
أثر سحب الجنسية يمتد ليشمل التابعين - جيتي
شارك الخبر
تواصل في الكويت حملة غير مسبوقة لسحب الجنسية طالت عشرات الآلاف من المواطنين خلال فترة قصيرة، وسط تغييرات تشريعية وإدارية واسعة طالت تعريف الهوية الوطنية وآليات منح وسحب الجنسية، بما في ذلك الاعتماد على وسائل فحص حديثة مثل الحمض النووي

ونشرت مجلة "نيولاينز" تقريراً تناولت فيه حملة سحب الجنسية غير المسبوقة في الكويت، والتي طالت أكثر من 70 ألف مواطن، موضحة أن التحول نحو سياسات إقصائية تهدف لتعديل التركيبة الهوية والسياسية، والاعتماد على فحوصات الحمض النووي.

وأوضحت المجلة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي 21"، أن هناك 70 ألف كويتي على الأقل سُحبت جنسياتهم في حملة حكومية غير مسبوقة بدأت في آذار/ مارس 2024. وزعم الشيخ فهد يوسف الصباح، النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية، أن هذه الإجراءات تهدف إلى "تصحيح المخالفات المكتشفة"، واصفاً القرار بأنه "ضروري لمصلحة الوطن وسيادة القانون" رغم صعوبة تبعاته.

وأشارت المجلة إلى أن الأمر لم يقتصر على هذه الحملة، بل امتد ليشمل تعديلاً في قانون الجنسية كرس نظاماً متدرجاً يشبه الفصل العنصري، حيث صنف المواطنين إلى كويتيين بالأضل أو بالتجنس. وبموجب هذا النظام، يقتصر حق التصويت والترشح للبرلمان على الفئة الأولى فقط، بينما يظل أبناء المتجنسين وأحفادهم في فئة المتجنسين للأبد، وقد اعتبرت هذه الإجراءات تراجعاً عن الإصلاحات الديمقراطية والحقوقية التي عرفتها الكويت منذ التحرير في أوائل التسعينيات.

وعندما بدأت الحرب على إيران في شباط/ فبراير 2026، أوقفت الحكومة إعلاناتها الأسبوعية عن سحب الجنسية، حيث خففت السلطات من حدة خطابها في ظل الهجمات العشوائية للصواريخ والمسيّرات الإيرانية. إلا أنه بعد أيام قليلة من إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يوم الثلاثاء الماضي، سحبت الكويت الجنسية من أكثر من 2000 شخص.

وقالت المجلة إن هذه الحملة المستمرة تأتي كجزء من مسعى سياسي لإعادة الكويت إلى حقبة ما قبل عام 1990، حين كان السكان ينقسمون إلى ثلاث فئات: الكويتيون الأصليون، الذين استقروا قبل عام 1920، ولهم وحدُهم حق المشاركة البرلمانية، والكويتيون المتجنسون، الذين حُرموا وأبناؤهم من الحقوق السياسية، وفئة "البدون" وهم عديمو الجنسية الذين ولدوا ونشأوا في البلاد.

وقد نمت هذه الأيديولوجية القومية كرد فعل على التوسع الديمقراطي بعد الغزو العراقي، حيث طالب أنصارها بتطهير ملف الجنسية مما وصفوه بـ "التزوير والازدواجية". ومع تولي الأمير مشعل الأحمد السلطة نهاية 2023، تحوّل هذا الخطاب من الهامش إلى سياسة رسمية، مُطلقاً حملة حكومية غيرت حياة عشرات الآلاف من الكويتيين.

اظهار أخبار متعلقة


وركز الأمير مشعل الأحمد على ملف الجنسية منذ توليه مقاليد الحكم في 16 كانون الأول/ ديسمبر 2023، ففي أول خطاب له أمام مجلس الأمة بعد أربعة أيام من تنصيبه، انتقد "تعاون السلطتين التشريعية والتنفيذية على الإضرار بمصالح البلاد والعباد"، مشيراً إلى "ملف الجنسية" وما وصفه بـ "العبث بالهوية الكويتية". وبعد أقل من ثلاثة أشهر، أطلقت الكويت أكبر حملة لسحب الجنسية في تاريخ العالم العربي.

وفي 4 آذار/ مارس 2024، تم سحب جنسية ثماني نساء وثلاثة رجال، أبرزهم حاكم المطيري، مؤسس حزب الأمة المقيم في تركيا. ثم توسعت الحملة في ظل غياب البرلمان، إذ حل الأمير مجلس الأمة في 15 شباط/ فبراير، وبعد انتخاب مجلس جديد في نيسان/ أبريل، أرجأ انعقاده شهراً كاملاً قبل أن يحله مجدداً في 10 أيار/ مايو ويعطل العمل ببعض مواد الدستور.

وأفادت المجلة أن الحكومة، التي واجهت صعوبات أولية في حصر من تعتبرهم مزورين أو مزدوجي جنسية، لجأت إلى تشجيع المواطنين على الإبلاغ عن بعضهم البعض، حيث خصصت إدارة مباحث الجنسية خطاً ساخناً في 15 آذار/ مارس لحث المواطنين على تقديم "المعلومات الموثوقة".

وقد أتاح ذلك الفرصة للابتزاز، إذ كشف العمل الميداني للتحقيق في العاصمة الكويت عن حالة شاب من جنسية عربية سجله كفيله الكويتي قديماً باسم ابنه المتوفى، وبعد وفاة الأب، تنازل الشاب عن الميراث لعلمه بعدم أحقيته، لكن ذلك لم يعصمه من ابتزاز أبناء الكفيل الآخرين الذين طالبوه بآلاف الدنانير مقابل التستر عليه وعدم الإبلاغ عنه.

وفي كانون الأول/ ديسمبر 2024؛ عدلت الحكومة قانون الجنسية ليتيح للسلطات استخدام "الوسائل العلمية الحديثة" لسحب الجنسية، وهو ما فسره مرسوم لاحق بأنه يشمل فحوصات الحمض النووي، والتي كانت تسحبها قسراً من المواطنين.

وتزايدت وتيرة سحب الجنسية بشكل حاد منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2024. ووفقاً لـ "مبادرة غرفة الأخبار"، فقد بلغ عدد الحالات التي سُحبت جنسيتها 71,059 حالة حتى 15 نيسان/ أبريل 2026، وهو ما يمثل 4.6 بالمئة من إجمالي المواطنين الكويتيين البالغ عدد مليون و545 ألف نسمة.

وأشارت المجلة إلى أن أثر سحب الجنسية يمتد ليشمل التابعين، حيث قدر أكاديمي كويتي العدد الإجمالي بما يتراوح بين 250 إلى 300 ألف شخص، ما يعني فقدان كويتي من بين كل خمسة لجنسيته، في حين حصر وزير الداخلية فهد اليوسف العدد بنحو 50 ألفاً فقط.

وقالت المجلة إن المشاركة البرلمانية قبل الغزو العراقي كانت مقتصرة على الرجال من فئة "المواطنين المؤسسين"، مع استبعاد المتجنسين وأبنائهم والنساء. لكن قرار مجلس الأمة رقم 44 لعام 1994 أعاد تصنيف أبناء المتجنسين ككويتيين أصليين، وتلاه في 2005 منح المرأة حق التصويت والترشح، ليصبح أبناء القبائل المكوّن الرئيس للمعارضة البرلمانية.

وأوضحت المجلة أن هذه القوى السياسية الجديدة لم تكتفِ بدخول المعترك السياسي، بل رفعت لواء تجنيس "البدون"، وهم سكان ينتمون لقبائل شمالية تمتد جذورهم في المنطقة قبل رسم الحدود الحالية، ولم تمنحهم الكويت الجنسية، مما حول مطلب تجنيسهم إلى قضية بالغة الحساسية للدولة على مر السنين.

وأشارت المجلة إلى ظهور خطاب إقصائي على هامش المشهد السياسي كرد فعل على هذه التطورات، يضع تميزاً حاداً بين فئات السكان ولا يعترف إلا بـ "الكويتيين المؤسسين" كـ"أصليين". وكان التعبير الأكثر تطرفاً هو خطاب النائب السابق محمد الجويهل، الذي أسس عام 2009 قناة "السور"، نسبة لسور عام 1920 الذي أصبح مرجعاً زمنياً في قانون الجنسية للفصل بين الكويتيين "الأصليين" وغيرهم.

وتجاوز الجويهل وقناته رفض تجنيس البدون إلى رفع شعار "الكويت للكويتيين"، بدعوى أن الهوية الكويتية قد "تلوثت" بـ"الإيرانيين والعراقيين والدخلاء". كما اتهم هذا التيار أبناء القبائل بأنهم سعوديون يخفون هويتهم "للاستيلاء على الثروات"، زاعماً أن الأسماء الكويتية تتعرض لعملية "سرقة" منظمة.

وأضافت المجلة أن الدعاية التي بثتها قناة "السور" أشعلت أزمة في كانون الأول/ ديسمبر 2009، حيث تظاهر 5000 شخص بمشاركة نواب برلمانيين للمطالبة بوقف التشكيك في ولاء القبائل. ورغم إغلاق الحكومة للقناة وإحالة الجويهل للتحقيق، لم تتراجع شعبيته، فقد فاز بمقعد في مجلس الأمة عام 2012، مما مكنه من استجواب وزير الداخلية حول ملف الجنسية.

وشكلت مجموعة من الإعلاميين والسياسيين ورجال الأعمال من حاملي الجنسية الأصلية كتلة ضغط سياسي عُرفت بـ "مجموعة الثمانين" برئاسة الإعلامي عادل الزواوي، لترجمة هذا الخطاب إلى برنامج سياسي وقانوني يهدف لسحب جنسية مزدوجي الجنسية ومن تعتبرهم المجموعة مزورين. وقد نجح التجمع في إحباط مقترح برلماني عام 2016 لنقل سلطة سحب الجنسية إلى القضاء، معتبراً إياه "مبادرة خطيرة" تحد من سلطة السياسيين في هذا الملف.

وانتقل هذا الخطاب من الهامش ليصبح سياسة رسمية مع تولي الأمير مشعل الأحمد مقاليد الحكم في كانون الأول/ ديسمبر 2023، ففي مايو/ أيار 2024، دعا لمراجعة حالات "من دخلوا البلاد بصفة غير حق وتدثروا بالجنسية أو حملوا ازدواجية"، مؤكداً أن الأدوات الديمقراطية استُخدمت بطرق "لا تتفق مع عادات وتقاليد أهل الكويت الأصليين".

وأفادت المجلة أن الأمير كرر هذا الموقف في خطاب آذار/ مارس 2025، بعدما تجاوز عدد المسحوبة جنسياتهم 50 ألفاً، واصفاً منتقدي الحملة بـ "دعاة الفرقة ومثيري الفتن"، ومؤكداً التزامه بـ "تطهير الكويت من الشوائب التي علقت بها".

اظهار أخبار متعلقة


وقالت المجلة إن هذا الخطاب الإقصائي لم يكن لينتج حملة سحب جنسية بهذا الحجم والسرعة لولا وجود إطار قانوني مهيأ لذلك، حيث قسم قانون الجنسية لعام 1959 السكان إلى المواطنين الأصليين، والمواطنين المتجنسين. وبينما حدد القانون حالات فقدان الجنسية، فإنه ميز بين إسقاط الجنسية الذي يطبق على الفئتين، وبين سحبها الذي يطبق حصراً على المتجنسين في حالات التزوير أو ارتكاب الجرائم خلال السنوات الخمس الأولى من حصولهم عليها.

وكانت معايير إثبات المواطنة منحازة هيكلياً، فوفقاً لدراسة أجرتها أستاذة التاريخ فرح النقيب عام 2014، تمكن سكان المدن من تقديم وثائق رسمية كشهادات الميلاد والوفاة وصكوك ملكية الأراضي وأوراق السفر، مما سهل قبولهم ككويتيين أصليين. وفي المقابل، واجه سكان البادية، الذين اعتمد نمط حياتهم على الثقافة الشفهية والترحال والرعي، صعوبات بالغة في تقديم مثل تلك المستندات.

وذكرت المجلة أن محاضر لجنة صياغة الدستور عام 1962 كشفت عن توجه لإقصاء المتجنسين سياسياً؛ حيث رفض وزير العدل آنذاك، حمود الزيد الخالد، منحهم السلطة خشية تدفق التيارات القومية واليسارية، قائلاً: "أما أن نسلمهم رقابنا ليحكمونا، فهذا ما لا يمكننا السماح به"، مما أدى لحرمانهم من الترشح وتقييد حقهم في التصويت.

وامتد هذا الحرمان ليشمل الأبناء أيضاً، فرغم تأكيد الخبير الدستوري المصري الدكتور عثمان خليل عثمان بأن ابن المتجنس لا يجوز سحب جنسيته لأنه لم يكتسبها بقرار منحة، إلا أن الحكومة أصرت على معاملته كمتجنس. وقد وصف الدكتور عثمان القانون بهذا الشكل بأنه "قاسٍ للغاية"، لأنه يجعل الأبناء والأحفاد يرثون وضع "المتجنسين" إلى ما لا نهاية.

وأشارت المجلة إلى أن الحياة البرلمانية في الكويت بدأت بهذا الانقسام بين فئة الأصليين، الذين يملكون كامل الحقوق السياسية، وفئة المتجنسين، الذين نالوا حق التصويت بعد انتظار دام 20 عاماً، مع حرمانهم هم وذرياتهم من حق الترشح للمناصب النيابية بصفة دائمة.

وينصّ الدستور الكويتي على ضرورة حصول ولي العهد على تأييد أغلبية أعضاء مجلس الأمة، وهو ما جعل البرلمان ساحة تنافس بين الطامحين إلى الحكم. وشكّلت القوى الوطنية في تلك الحقبة كتلة معارضة ذات قاعدة حضرية، مستندة إلى التيارات الفكرية القومية واليسارية التي كان بعض أعضاء لجنة صياغة الدستور يخشون دخولها للحياة السياسية عبر المواطنين المجنّسين.

ولإضعاف هذه الكتلة وضمان تأييد البرلمان، سجل الشيخ جابر العلي الصباح أعدادًا كبيرة من البدو كمواطنين "بالأصل"، ليخلق قاعدة انتخابية موالية له. وبلغ هذا الصراع على الخلافة بينه وبين الشيخ جابر الأحمد الصباح ذروته مع قرار الأمير صباح السالم حلّ مجلس الأمة في تموز/ يوليو 1976 بشكل غير دستوري، وهو أول حلّ للمجلس في تاريخ الكويت. وانتهى النزاع بوفاة صباح السالم وتولي جابر الأحمد الحكم، الذي عيّن سعد العبدالله ولياً للعهد سنة 1978 من دون العودة إلى المجلس المنحل.

ورغم فشل جابر العلي في الوصول إلى العرش، فإن دوره في التلاعب بملف الجنسية ظلّ الأثر الأبرز لمسيرته السياسية؛ فقد أعاد تصنيف أعداد كبيرة من البدو من "مجنسين" إلى "مواطنين بالأصل"، ما أتاح لهم الترشح للبرلمان ودعم موقفه. وكتبت الباحثة الأميركية جيل كريستال في كتابها "النفط والسياسة في الخليج" أن هذه السياسات رفعت نسبة الناخبين البدو من 21 بالمائة سنة 1963 إلى 45 بالمائة سنة 1975، فيما ارتفع عدد ممثليهم في البرلمان من 14 إلى 23 نائبًا من أصل 50.

وأضافت المجلة أن هذا فتح الباب أمام استغلال ملف الجنسية لأهداف أقل أهمية؛ حيث يروي البعض أن بعض أعضاء لجنة التجنيس استغله لمنح الجنسية مقابل مكاسب مادية أو هدايا.

وحاولت الحكومة لاحقًا إعادة الأمور إلى ما قبل سياسات جابر العلي، لكنها فشلت؛ ففي  1970 أضيفت مادة إلى قانون الجنسية تسمح بسحب الجنسية الأصلية من الأفراد وأسرهم إذا ثبت أنه تم الحصول عليها عبر الاحتيال. وعندما حلّ الأمير جابر الأحمد المجلس مجددًا عام 1986، أصدر تعديلات أخرى، إذ كان القانون يمنح المجنسين حق التصويت بعد مرور عشرين عامًا، لكن مرسومًا جديدًا مدّد الفترة لعشر سنوات إضافية.

وسبّب الغزو العراقي سنة 1990 صدمة كبرى دفعت القيادة الكويتية إلى إعادة النظر؛ فقد اقتنع الأمير جابر الأحمد وولي العهد سعد العبدالله ووزراء بارزون من الأسرة الحاكمة بأن توسيع المشاركة البرلمانية سيعزز مكانة الكويت الدولية ويمنحها شرعية ديمقراطية في مواجهة الأزمات. وبعد التحرير، شهدت البلاد توسعًا ملحوظًا في المشاركة السياسية: فقد أُعيد تصنيف المجنسين وأبنائهم كمواطنين بالأصل، ومُنحت المرأة حقوقًا سياسية، وكاد ملف البدو يصل إلى حلّ جذري.

واستمر مسار الانفتاح البرلماني هذا خلال حكم أربعة أمراء متعاقبين، حتى وفاة الأمير نواف عام 2023 وتولي الأمير مشعل الأحمد، الذي بدا عازمًا على تفكيك هذا الانفتاح والعودة إلى نظام برلماني مغلق يقتصر على المواطنين الأصليين.

وأشارت المجلة إلى أن عددًا من الكويتيين، سواء ممن ما زالوا يحملون الجنسية أو ممن سُحبت منهم، نسبوا الحملة مباشرة إلى الأمير مشعل، معتبرين أن رؤيته متأثرة بخلفيته الأمنية وافتقاره إلى الخبرة السياسية قبل توليه الحكم. ورأى آخرون أن الهدف الحقيقي هو ضرب الدستور والتجربة الديمقراطية الكويتية؛ حيث قال أحد النواب السابقين: "العنصرية ليست المحرك لهذه الحملة؛ إنها تستهدف الديمقراطية الكويتية وتعويض غياب برنامج وطني". ووصف آخرون الأمر بأنه محاولة لـ"قص أجنحة" مجلس الأمة، تمهيدًا لاستبداله بمجلس استشاري بلا صلاحيات، على غرار ما هو قائم في بعض دول الخليج.

ورغم أن الحكومة برّرت قراراتها الأخيرة بالقول إن المستهدفين كانوا مزوّرين أو مزدوجي الجنسية، فإن الغالبية العظمى ممن جُرّدوا من جنسيتهم ينتمون إلى ثلاث فئات أخرى حصلت على الجنسية بشكل قانوني.

الفئة الأولى هي زوجات الكويتيين اللواتي تخلّين عن جنسياتهن الأصلية لاكتساب جنسية أزواجهن، والمعروفة محلياً باسم "المادة 8". وقدرت مبادرة "نيوزروم"، أن 31703 امرأة من هذه الفئة فقدت جنسيتها بين 12 كانون الأول/ ديسمبر 2024 و8 شباط/ فبراير 2025. ووصف أحد النواب السابقين الأمر بأنه "أكبر عملية استهدفت النساء في تاريخ الكويت، وهجوم مباشر يحدث لأول مرة ضد الأمهات الكويتيات".

وتضم الفئة الثانية من حصلوا على الجنسية بموجب بند "الخدمة الاستثنائية للوطن"، ورغم قانونية وضعهم، جُرّدوا منها. من بين هؤلاء أسماء بارزة ارتبطت بالكويت فنيًا وثقافيًا، مثل المطربة نوال الكويتية والممثل داوود حسين. وعندما سُئل وزير الداخلية عن سبب إسقاط الجنسية عن هؤلاء، لم يقدّم مبررًا قانونيًا، بل رأيًا شخصيًا حول معنى "الخدمة الاستثنائية". وأثار هذا الطرح انتقادات كثيرة، إذ اعتبر أحد النواب السابقين من فئة الكويتيين الأصليين أن الأمر يتجاهل البعد الوجودي للانتماء.

والفئة الثالثة هي أبناء الكويتيات من آباء غير كويتيين؛ فمثل كثير من قوانين المنطقة، يمنح القانون الكويتي الأب حقاً تلقائياً في نقل جنسيته إلى أبنائه، بينما لا تتمتع الأم الكويتية بهذا الحق إلا في حالات محدودة، مثل الطلاق البائن أو غياب الأب أو ظروف استثنائية أخرى. وبعد الحرب مع إيران، استهدفت قرارات إسقاط الجنسية بشكل أساسي هذه الفئة، ما أثار جدلاً واسعاً حول التمييز القانوني القائم ضد النساء وأبنائهن.

وأشارت المجلة إلى أنه رغم ضخامة حملة إسقاط الجنسية، فإن اللافت هو غياب النقد العلني لها داخل الكويت؛ حيث قال أحد النواب السابقين، الذي فضّل عدم ذكر اسمه: "حتى في أيام الاحتلال العراقي، خرج الكويتيون إلى الشوارع وكتبوا على الجدران موقفهم الرافض للاحتلال. أما اليوم، فلا أحد يجرؤ على مجرد الإشارة إلى ما يحدث، لأن أي محاولة تُقابل فورًا بالإسكات القسري". وأوضح أن المقدمات بدأت مع حملة القمع ضد المعارضة التي انتهت بسجن المعارض البارز مسلم البراك في 2013، ومنذ ذلك الحين "ذبل المشهد السياسي". وفي تلك المرحلة، كان سلاح إسقاط الجنسية يُستخدم ضد الخصوم السياسيين، وهو ما وصفه النائب السابق بأنه "تسليع للجنسية"، مشبهًا ما يجري اليوم بـ"جمهورية رعب".

وقدم بعض النواب والمواطنين تفسيرًا آخر: خيبة الأمل الشعبية من شخصيات المعارضة نفسها. وفي مقابلة مع أسرة كويتية فقدت الأم فيها جنسيتها، قالت إحدى البنات إن الصمت الحالي هو "نتيجة عملية طويلة فقد فيها الناس الثقة بمن اعتقدوا أنهم قادة المعارضة". لكن الأم كان لها رأي مختلف؛ فهي من أصل عراقي وُلدت في الكويت، وحصلت على الجنسية عام 2002 بعد زواجها من كويتي عام 1989، وأكدت أن زواجها سبق الغزو العراقي، مدركة الرمزية الكبيرة لهذا التوقيت لدى الكويتيين، وكانت تنتظر منذ عشرين عامًا للحصول على حقوقها السياسية، لكنها فقدت جنسيتها في اللحظة التي كان يفترض أن تبدأ فيها ممارسة تلك الحقوق.

وأفاد شاب كويتي أيضًا بأنه يشعر بالتهديد رغم أن أسرته لم ترتكب أي مخالفة؛ مشيرًا إلى أن عشوائية اتخاذ القرار تجعله احتمال فقدان جنسيته أو جنسية أحد أفراد أسرته أمرًا غير مستبعد. وعندما سُئل إذا كان من الممكن أن يستيقظ لتجد نفسه لم يعد كويتيًا، أجاب بهدوء وكأنه سأل نفسه هذا السؤال مراراً: "نعم". ورفض شاب آخر من خلفية بدوية فكرة أن ما تحدث حملة تستهدف البدو تحديدًا، مؤكدًا أن قانون الجنسية اعتمد منذ صدوره نموذجًا غير ملائم لمجتمع كويتي متنوع العناصر، وأن منطق النظام في التعامل مع الجنسية إجرائي أكثر منه سياسي.

وأكدت المجلة أن حملة إسقاط الجنسية في الكويت مستمرة بلا مؤشرات على التراجع، مدعومة هذه المرة بمرتكز قانوني جديد يمنحها زخمًا إضافيًا؛ ففي مقابلة مع صحيفة "القبس" بتاريخ 9 آب/ أغسطس، شدّد نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية فهد اليوسف على أن "جميع ملفات الجنسية في الكويت تخضع للتدقيق والفحص الشامل من دون استثناء". ويعكس هذا التصريح إصرار السلطات على المضي قدمًا في مراجعة شاملة، لا تترك أي ملف خارج دائرة الفحص.

غير أنه في مقابل هذا التشدد الرسمي، يسود صمت إعلامي شبه كامل؛ حيث قال أحد الصحفيين: "لا شيء من هذا مهم مقارنة بما يحدث في فلسطين. لقد اعتدنا طوال سنة كاملة أن نرى كل ما عدا ذلك أمورًا ثانوية". ويوضح هذا التصريح كيف جرى تهميش القضية في الوعي العام، عبر مقارنتها بأحداث إقليمية أكبر، ما ساهم في تقليص مساحة النقاش المحلي حولها.

وفي نفس الوقت، تبدو الحكومة الكويتية عازمة على السرية وكبح أي صوت معارض؛ فقد توقفت اللجنة العليا لشؤون الجنسية مؤخرًا عن تضمين الأرقام الإجمالية في بياناتها المتعلقة بسحب الجنسية. ووصف عادل الزواوي، منسق "مجموعة الثمانين"، هذه الخطوة بأنها "سياسة حكيمة"، مدعيًا أن "بعض الجهات الخبيثة تستغل تلك الأرقام لخدمة أجنداتها ورغباتها".

ومع تزايد لجوء الكويتيين إلى الحسابات المجهولة على وسائل التواصل للتعبير عن استيائهم، أعلن فهد اليوسف أن الكويت تستعد لتطبيق نظام جديد "للقضاء نهائيًا على جميع الحسابات المجهولة"، مما يعكس رغبة السلطة في السيطرة على الفضاء الرقمي، الذي أصبح الملاذ الأخير للتعبير عن الغضب أو القلق بعيدًا عن الرقابة المباشرة.

وختمت المجلة بأن من فقدوا جنسيتهم بالفعل بدأوا بالتأقلم مع واقع جديد يقترب كثيرًا من حياة مجتمع البدون؛ حيث عبّر معظم من قابلتهم المجلة عن إحباط ويأس، لكن قلة قليلة ما زالت تتمسك بالأمل بأن هذه المرحلة مؤقتة، مرتبطة بوجود الأمير الحالي، وأن الأمور ستعود إلى طبيعتها مع تولي ولي العهد الشيخ صباح الخالد الحمد الصباح الحكم.
التعليقات (0)