كيف تطورت عمليات نقل الأسلحة الصينية إلى إيران على مدى عقود؟

قالت صحيفة نيويورك تايمز إن الإدارة الأمريكية حصلت على معلومات تفيد بأن الصين ربما أرسلت إلى إيران صواريخ تطلق من على الكتف - الأناضول
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريراً للصحفي ديفيد بيرسون قال فيه إن الصين حافظت، على مدار العقدين الماضيين، على توازن دقيق في علاقتها العسكرية مع إيران، حيث قدمت مساعدات غير مباشرة في كثير من الأحيان بدلاً من بيع الأسلحة.

ويحظى هذا النهج الآن باهتمام متجدد بعد أن صرح مسؤولون أمريكيون بأن وكالات الاستخبارات تُقيِّم ما إذا كانت الصين قد شحنت صواريخ محمولة على الكتف إلى إيران في الأسابيع الأخيرة.

وقد صرح الرئيس ترامب بأنه سيفرض تعريفة جمركية إضافية بنسبة 50 بالمئة على البضائع الصينية إذا ثبتت صحة هذا التقييم. ونفت الصين هذه المزاعم، واصفة إياها بأنها "مجرد افتراء"، وتعهدت بـ "الرد بحزم" إذا مضت إدارة ترامب قدماً في فرض التعريفات الجمركية.

وقال المسؤولون الأمريكيون إن المعلومات التي حصلت عليها وكالات الاستخبارات الأمريكية ليست قاطعة، لكن إذا ثبتت صحة ذلك فسيمثل تحولاً تكتيكياً مهماً في طريقة دعم بكين لأقرب شركائها الاستراتيجيين في الشرق الأوسط.

شهدت مبيعات الأسلحة الصينية لإيران طفرة هائلة في ثمانينيات القرن الماضي، ثم تلاشت تقريبا في العقد الأخير امتثالا لحظر الأمم المتحدة والعقوبات الأمريكية.

واقتصر الدعم الصيني لإيران في السنوات الأخيرة على قطع غيار يمكن استخدامها في التقنيات المدنية، فضلا عن الصواريخ والمسيّرات، إلا أن للصين مصلحة كبيرة في الأزمة الإيرانية، إذ يأتي نحو ثلث إجمالي وارداتها من النفط الخام من الخليج العربي.

وفيما يلي تطور الدعم العسكري الصيني لإيران على مر السنين:

ثمانينيات القرن الماضي: سنوات الازدهار

تزامن اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 مع إصلاحات سوقية كبرى في الصين، حيث أمر الزعيم آنذاك، دينغ شياو بينغ، الشركات المملوكة للدولة بالتخلي تدريجيا عن الدعم الحكومي والسعي بدلا من ذلك إلى تحقيق الربح التجاري.

وفجأة، مُنحت شركات الدفاع الصينية المملوكة للدولة صلاحية تصدير منتجاتها. أدى ذلك إلى تدفق هائل من الصواريخ والطائرات المقاتلة والدبابات والمركبات المدرعة والبنادق الهجومية الصينية إلى إيران، بدءا من عام 1982 وبلغ ذروته عام 1987، وفقا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

في الوقت نفسه، باعت الصين كميات أكبر من الأسلحة للعراق، مما أدى إلى اشتباك الطرفين المتحاربين باستخدام الأسلحة الصينية نفسها.

عارضت إدارة ريغان مبيعات الأسلحة الصينية لإيران، ولا سيما صواريخ "سيلكورم" المضادة للسفن. استخدمت طهران هذه الصواريخ في هجمات على المياه الكويتية عام 1987، استهدفت ناقلة نفط أمريكية وأخرى مسجلة في الولايات المتحدة.

ردت الولايات المتحدة بتقييد صادرات بعض المنتجات التكنولوجية المتقدمة إلى الصين. نفت الصين بيع الأسلحة مباشرة إلى إيران، لكنها أكدت أنها ستبذل المزيد من الجهود لمنع وصول صادراتها العسكرية إلى إيران عبر وسطاء.

التسعينيات: نقل التكنولوجيا

بعد الحرب، شرعت إيران في تطوير قاعدتها العسكرية الصناعية بمساعدة الصين، وكان من أبرز منتجاتها صاروخ "نور" المضاد للسفن، الذي تمت هندسته عكسياً من خلال شراء صواريخ كروز من طراز C-802 الصينية.

يقول برايان هارت، الباحث في مشروع قوة الصين بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: "لعبت الصين دوراً محورياً في دعم تحديث الجيش الإيراني لعقود، لا سيما في تطوير قدرات إيران الصاروخية".

وكتب بيتس جيل، الخبير المخضرم في الشؤون الصينية، في مجلة الشرق الأوسط للشؤون الدولية، أن إيران تلقت أيضاً مساعدة من الصين في بناء منشآت إنتاج الصواريخ، بل وحتى في إنشاء ميدان لاختبار الصواريخ شرق طهران.

وتحت ضغط الولايات المتحدة لتقليص مبيعاتها من الأسلحة الجاهزة، وخاصة الصواريخ إلى إيران، بدأت الصين بزيادة صادراتها من الأدوات الآلية والمكونات التي يمكن استخدامها لأغراض عسكرية ومدنية.

من العقد الأول من الألفية الثانية وحتى الآن: تقنيات الاستخدام المزدوج

في عام 2006، فرضت الأمم المتحدة عقوبات على البرامج النووية والصاروخية الباليستية الإيرانية، وصوتت الصين لصالح القرار، وتراجعت بشكل كبير عن إبرام عقود أسلحة رسمية جديدة مع طهران.

لم يكن هذا التحول مرتبطاً بالقانون الدولي بقدر ارتباطه بالاستراتيجية الإقليمية؛ فابتداءً من منتصف العقد الثاني من الألفية الثانية، بدأت الصين بتعميق علاقاتها الاستراتيجية مع دول الخليج، بما فيها السعودية والإمارات، وهما خصمان تقليديان لإيران، بالإضافة إلى قطر.

وواصلت الصين تزويد إيران بتقنيات ومواد ذات استخدام مزدوج ساعدتها على تكديس ترسانة من الصواريخ والمسيّرات، وشمل ذلك مواد كيميائية تُستخدم في إنتاج وقود الصواريخ الباليستية، ومكونات للطائرات المسيّرة، مثل موصلات الترددات اللاسلكية وشفرات التوربينات.

لكن هارت قال إن الصين لا تزال شكلاً بالغ الأهمية من أشكال الدعم، نظراً لاعتماد إيران على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة لمهاجمة القوات الأمريكية والإسرائيلية ودول أخرى في المنطقة.

وفرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شركات واجهة صينية وهونغ كونغية، بزعم أنها أُنشئت لتوفير قطع غيار ومكونات للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة لإيران.

وتتزايد الشكوك أيضاً حول استخدام إيران لنظام الملاحة الصيني "بيدو" الذي يعتمد الأقمار الصناعية، كبديل لنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) الأمريكي، لأغراض عسكرية.

وفي الشهر الماضي، ذكرت وكالة تابعة للكونغرس الأمريكي أن "بيدو" ربما استُخدم لتوجيه ضربات إيران بالطائرات المسيّرة والصواريخ في أنحاء الشرق الأوسط.