على الرغم من الإعلان الرسمي عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، والذي قالت الأخيرة إن من شروطه وقف العدوان على
لبنان إلا أن
الاحتلال شن الأربعاء قصفاً عنيفاً على لبنان.
حيث ارتكب جيش الاحتلال عدة مجازر مروعة في بيروت ومناطق أخرى من الشرق والجنوب اللبناني، في ضربات للطائرات الحربية الإسرائيلية على نحو مئة موقع.
وأُستهدف في هذا القصف مبانِ وشقق سكنية ومنشآت وشوارع في ذروة ظهر الأربعاء، ووفقا لأنباء أولية كانت حصيلة هذا القصف مئات من الشهداء والجرحى.
ووفقا للصليب الأحمر اللبناني، فإنه نتج عن هذا القصف استشهاد وإصابة أكثر من 300 شخص في بيروت وضاحيتها الجنوبية، مشيراً إلى أن كثير من الضحايا عالقون تحت الأنقاض وأن المستشفيات مكتظة.
رفض الاتفاق
وعلى الرغم من أن الاحتلال دائما ما يحاول أن يجد مبرراً لأي عملية قصف يجريها في المنطقة، إلا أن القصف الأخير على بيروت بعد اتفاق وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران، يدفع للتساؤل عن سببه الحقيقي، خاصة أن من شروط
إيران كان وقف الحرب على لبنان.
المختص بالشأن الإسرائيلي الدكتور سليمان بشارات، قال، "اعتقد أن السلوك الإسرائيلي فيما يجري في لبنان الآن يمكن أن يُفهم في عدة سياقات، الأول، أن إسرائيل هي بطبيعة الحال غير راضية عن الاتفاق الذي جرى مع إيران".
ويرى بشارات أن "إسرائيل لا تستطيع أن تلتف على قرار الولايات المتحدة، وبالتالي هي وجدت نفسها مُلزمه بهذا القرار، ولتفريغ موقفها الرافض والغاضب تذهب إلى الساحة اللبنانية على اعتبار أنها تُمثل بديلا إن جاز التعبير للساحة التي يمكن أن تُعبر إسرائيل من خلالها عن رفضها لهذا القرار".
وأوضح بشارات في تصريحات خاصة لـ"عربي21"، أن "الهدف الأساسي من ذلك ربما محاولة الضغط على إيران لخرق الاتفاق الذي جرى مع أمريكا، وبالتالي تُحرجها بهذا الاتجاه وتدفعها للتراجع عن التفاهمات التي جرت، وبالتالي تستطيع إسرائيل أن تكسب استمرارية الحرب على إيران وتجد في ذلك مبرراً لهذا السياق".
وتابع، "أما السياق الثاني، وهو السياق الذي لا تريد إسرائيل أن يتأكد أو يتشكل، وهو سياق أن يتم الربط ما بين اتفاق وقف إطلاق النار في إيران مع الساحة اللبنانية، وهي لا تريد لمبدأ وفكرة وحدة الساحات أن تعود مرة أخرى، وهي التي دفعت لفك هذا الارتباط بين الساحات بعد الحرب على قطاع غزة".
ولفت إلى أن "إسرائيل كانت حريصة بشكل كبير جداً على فكفكة معادلة وحدة الساحات والتفرد بها، بحيث تكسر هذه المعادلة، واليوم هي تريد أيضا أن تذهب إلى عملية كسر هذه القاعدة، بحيث أن لا يكون هناك ربط بين الساحات، وتريد أن تُبقي يدها مطلقة في لبنان إذا ما كان هناك اتفاقاً دائماً فيما يتعلق بإيران".
وأما السياق الثالث وفقا لبشارات، "فهو سياق العقاب الجماعي"، وقال، "نحن نعلم أن إسرائيل حاولت على مدار 15 شهراً وما بعد ذلك إضعاف وإنهاء
حزب الله وقدرات المقاومة الاسلامية في لبنان ولم تنجح".
وأضاف، "كذلك لم تنجح الحكومة اللبنانية أيضا في نزع سلاح حزب الله، وأظهرت عودة حزب الله بهذه القوة وبهذا الاستخدام من القوة المتراكمة لديه قدرة على تشكيل خطراً مستقبلياً على الاحتلال الإسرائيلي".
وأوضح بشارات، "بالتالي إسرائيل تريد أن تذهب إلى عقاب جماعي وعقاب للحاضنة الشعبية حتى تعمل على عملية زعزعة حالة الاحتضان لفكرة مشروع المقاومة في لبنان، وهي تريد أن تجعل من المقاومة ثمناً كبيراً يمكن أن يمنع بشكل أو بأخر هذا الاحتضان الشعبي".
ويعتقد المختص بالشأن الإسرائيلي، أن "إسرائيل تريد أن تُثبت واقعً جديداً فيما يتعلق بلبنان، وهي تخشى من أن يكون هناك توجه فعلي للذهاب إلى اتفاق نهائي مع إيران وبقاء جبهة لبنان مرتبطة بهذا الاتفاق".
وأضاف، "بالتالي إسرائيل تريد أن تحول الجبهة مع لبنان إلى ورقة مكسب وضغط في المسار التفاوضي أمام إيران، وبالتالي تُثبت واقعاً يخدم الأهداف والرؤية الإسرائيلية المستقبلية".
ويرى أن إسرائيل، "تريد أن تدفع باتجاه أن يكون هناك مفاعيل داخل المجتمع اللبناني والحكومة والأطراف اللبنانية إلى ضرورة الضغط باتجاه تسريع تفكيك سلاح حزب الله".
وأوضح بشارات، "أي أن تستفيد إسرائيل من ذلك بإنهاء منظومة سلاح حزب الله بشكل كامل، لأنها باتت تخشى من أن حزب الله عاد ليُشكل معادلة مؤثرة في المعادلة السياسية في الداخل اللبناني، وهي لا تريد ذلك".
ولفت إلى أن سبب ذلك "هو إذا ما عاد حزب الله إلى مؤثر على المعادلة السياسية في البيئة الداخلية اللبنانية هذا سيقطع الطريق وسيعمل على عملية افشال كل ما تحقق من إنجازات وفقاً للمنظور الإسرائيلي".
وقال بشارات إن "السياق الأخر مرتبط في أن ما تقوم به إسرائيل الآن هو سياق مرتبط بتقزيم الإنجازات لإيران، فهي لا تريد أن تُظهر إيران بأنها استطاعت أن تكسر المعادلات وتحقق الإنجازات على الجبهة الإيرانية وعلى الجبهة الشمالية مع لبنان، بل تريد أن تُقزم هذا الإنجاز لعدم قدرة اسرائيل تبرير ذلك أمام أي من المواقف الاقليمية أو الدولية أو حتى المجتمع الإسرائيلي".
وأكمل، "وهذا يحيلنا إلى السياق الأخير في هذا الإطار، وهو أن بنيامين نتنياهو ظهر أنه ضعيف وفاشل في تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي انطلق من خلالها بالحرب على إيران وكذلك الأمر بالحرب على لبنان، وأنه وعد الإسرائيليين بالحرب الأولى ما قبل الذهاب إلى الهدنة بتدمير حزب الله وسلاحه".
وأوضح، "لكن حزب الله عاد مرة أخرى ليُظهر كل هذه القدرات العسكرية وهذه البنية القوية والمتماسكة، وبالتالي نتنياهو يُريد أن يسوق أنه يستطيع توجيه ضربة قوية ويؤثر على منظومة حزب الله ويسوق ذلك إلى المجتمع الإسرائيلي".
وأكد أن هذا هو جزء من عملية التسويق في الإنجازات مقابل الإخفاقات على الجبهة الإيرانية، وبالتالي كل ما نشهده من عمليات تصعيد واضح جدا أنها تأتي في هذه السياقات التي تحدثنا عنها".
التأكيد على وحدة الجبهات
ورداً على القصف الإسرائيلي الوحشي على لبنان قال، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إبراهيم رضائي، "رداً على العدوان على لبنان يجب وقف حركة السفن في هرمز فوراً".
وأضاف رضائي، "يجب توجيه ضربة قوية وحاسمة لمنع عدوان الكيان على لبنان، اللبنانيون ضحوا بأرواحهم من أجلنا ولا ينبغي لنا أن نتركهم وحدهم ولو للحظة".
وربط رضائي بين جميع الجبهات، وقال، "إما وقف إطلاق النار في جميع الجبهات أو لا وقف لإطلاق نار في أي جبهة".
من جهتها قالت وكالة فارس للأنباء إن السلطات الإيرانية أعلنت مساء الأربعاء وقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز بعد انتهاك دولة الاحتلال الإسرائيلي وقف إطلاق النار، وارتكابها مجازر في لبنان".
ونقلت الوكالة عن مصدر عسكري قوله، إن إيران تحضر لتنفيذ عمليات ردع ضد المواقع العسكرية للاحتلال في فلسطين المحتلة.
وأشار المصدر العسكري، الذي وصفته بالمطلع إلى أنه "في أعقاب استمرار انتهاك جيش الكيان الصهيوني لوقف إطلاق النار المؤقت ضد لبنان والمقاومة الإسلامية فيها، تحضر إيران لتنفيذ عمليات ردع ضد المواقع العسكرية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة".
وشدد المصدر على أنه "يتزايد الاعتقاد في طهران بأن استمرار هجمات الكيان الصهيوني رغم الاتفاق على جميع الجبهات دليل على عجز الولايات المتحدة عن السيطرة على نتنياهو، أو أن القيادة المركزية الأمريكية سنتكوم منحت الكيان الصهيوني حرية التصرّف".