كرة القدم والسلطة في الجزائر.. ماذا قالت صورة تبون وبوعلام بوعلام و"الخضر"؟

تكتسب مشاركة المنتخب الجزائري في كأس العالم 2026 أهمية خاصة، كونها تمثل خامس ظهور لـ"الخضر" في النهائيات العالمية.. (واج)
حمل استقبال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لبعثة المنتخب الوطني لكرة القدم، عشية مغادرتها للمشاركة في نهائيات كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة وكندا والمكسيك، أبعاداً تجاوزت الطابع الرياضي البحت، بعدما لفت الأنظار الظهور العلني لمدير ديوان رئاسة الجمهورية بوعلام بوعلام، الذي غاب عن المشهد الإعلامي خلال الأسابيع الأخيرة، ما فتح الباب أمام قراءات سياسية متعددة بشأن دلالات حضوره في هذا التوقيت.

واستقبل الرئيس تبون، أول الأحد، لاعبي المنتخب الوطني والجهاز الفني بقيادة المدرب فلاديمير بيتكوفيتش بمقر الرئاسة، بحضور وزير الرياضة وليد صادي ومدير الديوان الرئاسي بوعلام بوعلام، مع غياب لافت لكمال سيدي السعيد مستشار الرئيس المكلف بدائرة الإعلام والاتصال برئاسة الجمهورية، حيث جرى تبادل الحديث مع اللاعبين والتقاط صورة تذكارية، كما قدم قائد المنتخب رياض محرز للرئيس قميص المنتخب وكرة قدم تذكارية قبل ساعات من سفر البعثة إلى أمريكا الشمالية للمشاركة في المونديال.

لكن الحدث الذي بدا للوهلة الأولى بروتوكولياً ورياضياً، سرعان ما اكتسب بعداً سياسياً لدى متابعين للشأن الجزائري، بسبب ظهور بوعلام بوعلام، أحد أكثر الشخصيات نفوذاً داخل مؤسسة الرئاسة، بعد فترة من الغياب عن المناسبات العلنية.

عودة إلى دائرة الضوء


خلال الأشهر الماضية، تداولت بعض المنصات الإعلامية والسياسية تكهنات بشأن موقع بوعلام بوعلام داخل هرم السلطة، وتحدثت عن احتمال تراجع نفوذه أو ابتعاده عن بعض الملفات الحساسة، وهي معلومات لم تؤكدها أي جهة رسمية.

وجاء ظهوره إلى جانب الرئيس في استقبال المنتخب الوطني ليعيد اسمه إلى واجهة النقاش السياسي، خصوصاً أن الرجل يُعرف تقليدياً بأنه من الشخصيات التي تعمل بعيداً عن الإعلام، رغم أنه يتولى واحداً من أكثر المناصب حساسية داخل الدولة.

ويُعد بوعلام بوعلام من أقرب الشخصيات إلى الرئيس تبون منذ سنوات، إذ شغل سابقاً منصب المستشار القانوني للرئيس، قبل أن يتولى إدارة ديوان الرئاسة، وهو موقع يمنحه دوراً محورياً في متابعة الملفات السياسية والقانونية والإدارية والتنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة.

وبحكم طبيعة مهامه، ظل الرجل حاضراً في قلب عملية صناعة القرار دون أن يكون كثير الظهور في الفضاء العام، ما جعل كل ظهور له يحظى بمتابعة خاصة داخل الأوساط السياسية والإعلامية.

كرة القدم كلغة سياسية


ليست هذه المرة الأولى التي تتحول فيها كرة القدم في الجزائر إلى فضاء لإرسال الرسائل السياسية والرمزية.

فمنذ عقود، شكّل المنتخب الوطني أحد أهم مصادر الإجماع الوطني في بلد عرف محطات سياسية معقدة وتحولات عميقة. وغالباً ما تحرص السلطات على ربط نفسها بالنجاحات الرياضية الكبرى لما تمنحه من رأسمال رمزي وشعبي يصعب توفيره عبر ملفات أخرى.

ويحمل المنتخب الجزائري مكانة استثنائية في الوعي الجماعي، إذ يتجاوز كونه فريقاً رياضياً ليصبح رمزاً وطنياً جامعاً، وهو ما يجعل كل حدث يتعلق به، من التأهل إلى كأس العالم أو الفوز بالألقاب القارية، مناسبة ذات أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية أيضاً.

ومن هذا المنظور، يعتبر كريم مولاي الخبير الأمني الجزائري المنشق عن النظام، في تصريحات خاصة لـ "عربي21" أن استقبال تبون للمنتخب هو رسالة دعم للدولة الجزائرية لممثليها في المحفل العالمي، وفي الوقت نفسه هو تأكيد على ارتباط مؤسسة الرئاسة بأحد أكثر الرموز الوطنية قدرة على صناعة الإجماع."

دلالات المشهد الرئاسي


وأضاف: "في الأنظمة السياسية التي تتسم بتركيبة مؤسساتية معقدة، لا يُنظر عادة إلى الصور الرسمية باعتبارها مجرد لقطات بروتوكولية، بل باعتبارها جزءاً من التواصل السياسي غير المباشر".

وتابع: "لهذا السبب، أرى أن حضور بوعلام بوعلام هو مؤشر على استمرار حضوره داخل الدائرة الرئاسية الضيقة، خصوصاً بعد الجدل الذي أحاط باسمه خلال الفترة الماضية".

وأكد مولاي أن "بوعلام بوعلام ليس شخصية إعلامية كثيرة الظهور، بل يُعرف داخل دوائر الحكم بأنه رجل يعمل بعيدًا عن الأضواء. قبل تعيينه مديرًا لديوان رئيس الجمهورية، شغل منصب المستشار القانوني للرئيس عبد المجيد تبون لعدة سنوات، وكان مكلفًا بمتابعة الملفات القانونية والقضائية الحساسة ورفع التقارير والملاحظات مباشرة إلى رئيس الجمهورية".

وأضاف: "كما سبق له أن ترأس الهيئة الوطنية للوقاية من الجرائم المرتبطة بتكنولوجيا الإعلام والاتصال ومكافحتها، وهي هيئة تتعامل مع ملفات تقنية وأمنية وقضائية بالغة الحساسية، ما أكسبه خبرة واسعة في إدارة الملفات المعقدة".

وأشار مولاي إلى أن "بوعلام بوعلام هو أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في محيط الرئيس، ليس فقط بحكم منصبه كمدير للديوان، بل أيضًا بسبب احتفاظه بملفات الشؤون القانونية والقضائية والعلاقات مع المؤسسات والتحقيقات، وهي ملفات تمنحه اطلاعًا واسعًا على مختلف دواليب الدولة".

وأضاف: "تشمل صلاحيات مدير ديوان الرئاسة متابعة نشاط السلطة التنفيذية، وتحليل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومراقبة اتجاهات الرأي العام، والتنسيق مع الأحزاب والتنظيمات الوطنية، والإشراف على الاتصال الرئاسي والعلاقات مع وسائل الإعلام، فضلًا عن متابعة ملفات المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين".

وحول ظهوره الأخير قال مولاي: "أما ظهوره الأخير، فيبدو أنه يحمل رسالة واضحة لكل من روّج لإشاعات إبعاده أو تراجع نفوذه، مفادها أن الرجل لا يزال حاضرًا في قلب المشهد الرئاسي، وأن مكانته داخل مؤسسة الرئاسة لم تتغير".

غير أن القراءة الموضوعية للمشهد تقتضي التمييز بين الوقائع المؤكدة والتأويلات السياسية. فالوقائع تشير إلى أن مدير الديوان ظهر إلى جانب الرئيس في مناسبة رسمية ذات أهمية وطنية، بينما تبقى الاستنتاجات المتعلقة بالتوازنات الداخلية أو النفوذ السياسي ضمن دائرة التحليل والتقدير لا الحقائق المعلنة.

بين الرياضة والسلطة


تكشف هذه المناسبة مجدداً عن المكانة الخاصة التي تحتلها كرة القدم في الحياة السياسية الجزائرية. فاللعبة الأكثر شعبية في البلاد لم تكن يوماً مجرد نشاط رياضي، بل تحولت إلى عنصر فاعل في تشكيل الهوية الوطنية وصناعة الرموز الجماعية.

ولهذا فإن صور المنتخب الوطني كثيراً ما تتجاوز المستطيل الأخضر لتصبح جزءاً من مشهد سياسي أوسع، حيث تتقاطع الوطنية والشرعية الرمزية والتواصل السياسي في لحظة واحدة.

وبينما يستعد "الخضر" لخوض خامس مشاركة لهم في نهائيات كأس العالم، يبقى الحدث الرياضي في صدارة الاهتمام الشعبي، غير أن الصورة التي جمعت الرئيس تبون بالمنتخب ومدير ديوانه أعادت التذكير أيضاً بأن السياسة والرياضة في الجزائر ظلتا، على الدوام، مجالين متداخلين يصعب الفصل بينهما بالكامل.

وتكتسب مشاركة المنتخب الجزائري في كأس العالم 2026 أهمية خاصة، كونها تمثل خامس ظهور لـ"الخضر" في النهائيات العالمية بعد مشاركات 1982 و1986 و2010 و2014، وهي البطولة التي شهدت أبرز إنجاز كروي جزائري عندما بلغ المنتخب الدور ثمن النهائي في مونديال البرازيل 2014 قبل خروجه بصعوبة أمام ألمانيا التي توجت لاحقاً باللقب.

ويخوض المنتخب الحالي المنافسة بقيادة المدرب السويسري فلاديمير بيتكوفيتش وجيل يضم عدداً من اللاعبين أصحاب الخبرة يتقدمهم القائد رياض محرز، وسط آمال جماهيرية باستعادة صورة المنتخب القادر على مقارعة كبار المنتخبات العالمية. كما تأتي المشاركة في النسخة الأولى من كأس العالم الموسعة بمشاركة 48 منتخباً، ما يمنح "الخضر" فرصة جديدة لتأكيد حضورهم على الساحة الدولية واستعادة المكانة التي صنعها الجيل الذهبي للكرة الجزائرية في محطات تاريخية سابقة.