تُمثّل السينما الحربية الأمريكية، على امتداد عقود، أحد أبرز أدوات التأثير الثقافي والسياسي التي استخدمتها
الولايات المتحدة لإعادة تشكيل إدراك الجمهور العالمي لطبيعة حروبها ودورها العسكري.
ولا تُقدَّم هذه الأعمال بوصفها ترفيهًا محضًا، بل تُبنى ضمن منظومة مؤسسية معقّدة يتقاطع فيها الإنتاج السينمائي مع المصالح الاستراتيجية لوزارة الدفاع الأمريكية، التي توفر دعماً لوجستياً وتقنياً واسعاً مقابل التأثير المباشر في مضمون السرد.
وتُعرف هذه العلاقة في الأدبيات الأكاديمية بـ”مجمع الدفاع والترفيه”، تفسر إلى حد بعيد كيف تتحول أحداث تاريخية معقدة ومليئة بالإخفاقات إلى قصص بطولية مشحونة بالعاطفة، تُبرز الجندي الأمريكي في صورة المنقذ أو الضحية النبيلة، وتُقصي في المقابل السياقات السياسية والإنسانية الأوسع.
"سقوط الصقر الأسود - Black Hawk Down"
يتناول الفيلم الشهير للمخرج ريدلي سكوت أحداث "معركة مقديشو - Battle of Mogadishu" التي وقعت في 3 تشرين الأول/ أكتوبر 1993 ضمن عملية :الثعبان القوطي - Operation Gothic Serpent".
وكانت المهمة تهدف إلى اعتقال قيادات مرتبطة بالزعيم الصومالي محمد فرح عيديد عبر إنزال سريع لقوات النخبة الأمريكية، بما في ذلك "الرينجرز - U.S. Army Rangers"، و"دلتا فورس - Delta Force"، بدعم جوي من مروحيات "بلاك هوك - UH-60 Black Hawk"، الذي منها جاء اسم الفيلم بسبب سوقتها بشكل مدوي في بدايات الأحداث.
يبدأ الفيلم بسرد عملية تبدو محسوبة وسريعة، قبل أن تنقلب إلى كارثة عسكرية بعد إسقاط مروحيتين، ما يؤدي إلى حصار القوات داخل أحياء مقديشو المكتظة. تتصاعد الأحداث عبر مشاهد قتالية مكثفة، من أبرزها محاولة تأمين مواقع سقوط المروحيات، ومشاهد القناصين غاري غوردون وراندال شوغارت اللذين قُتلا أثناء الدفاع عن الطاقم، وصولاً إلى الانسحاب الليلي المعروف إعلامياً بـ"مسيرة مقديشو".
وتتجاهل هذه المعالجة السينمائية سياقاً حاسماً، إذ لم تكن المعركة حدثاً منفصلاً، بل جاءت بعد تصعيد دموي، وأبرز محطاته غارة 12 تموز/ يوليو 1993 التي قتلت عشرات القادة الصوماليين خلال اجتماع سياسي.
ويتجاهل الفيلم إلى حد كبير سقوط ما بين 1000 إلى 2000 صومالي، معظمهم مدنيون. كذلك يُهمَّش الدور الحاسم لقوات التحالف، خاصة الماليزية والباكستانية، في إنقاذ الجنود.
بهذا، يتحول الانسحاب الأمريكي، الذي اعتُبر آنذاك إخفاقاً استراتيجياً أدى إلى تغيير السياسة الأمريكية في أفريقيا، إلى قصة بطولة إنسانية، حيث تُقدَّم التضحية الفردية كبديل عن تحليل الفشل العسكري والسياسي.
"الناجي الوحيد - Lone Survivor"
يروي الفيلم للمخرج بيتر بيرغ تفاصيل عملية "الأجنحة الحمراء - Operation Red Wings" التي جرت عام 2005 في إقليم كونار شرق أفغانستان، حيث تم إنزال فريق من قوات "سيلز البحرية - U.S. Navy SEALs" المكون من أربعة أفراد لمراقبة أحد قادة حركة طالبان.
تتطور الأحداث عندما يواجه الفريق ثلاثة رعاة أفغان، ويقرر إطلاق سراحهم، قبل أن يقع في كمين عنيف. يصوّر الفيلم المعركة على أنها مواجهة غير متكافئة ضد مئات المقاتلين، حيث يُظهر الجنود وهم يقاومون موجات متتالية من الهجمات، في تضاريس جبلية قاسية، مع سقوطهم من المرتفعات وإصابتهم إصابات قاتلة، وصولاً إلى بقاء ماركوس لوتريل كناجٍ وحيد، وإنقاذه لاحقاً بواسطة القروي محمد غلاب.
لكن التحقيقات اللاحقة، سواء العسكرية أو الصحفية، تكشف عن اختلاف كبير بين السرد السينمائي والواقع. فعدد مقاتلي طالبان، وفق التقديرات الرسمية، تراوح بين 10 إلى 35 مقاتلاً فقط، وليس بين 80 و200 كما يروّج الفيلم. كما أن المعركة النهائية داخل القرية، التي تُصوَّر كاشتباك واسع مع تدخل جوي أمريكي، لم تحدث فعلياً وفق شهادة غلاب.
إضافة إلى ذلك، تشير تقارير ميدانية إلى أن لوتريل لم يكن في الحالة الحرجة التي عُرضت، وأنه احتفظ بذخيرة لم يستخدمها. هذه التناقضات تعكس توجهاً واضحاً نحو تضخيم حجم التهديد، وتحويل عملية فاشلة تكتيكياً إلى قصة صمود أسطورية.
"القناص الأمريكي - American Sniper"
يقدّم الفيلم للمخرج الشهير كلينت إيستوود سيرة القناص كريس كايل، الذي خدم في العراق ضمن قوات سيلز البحرية، ويُوصف بأنه الأكثر فتكاً ومهارة في تاريخ
الجيش الأمريكي.
يتنقل الفيلم بين جبهات القتال في مدن مثل الفلوجة والرمادي، وبين الحياة الشخصية لكايل، مع التركيز على الصراع النفسي الذي يعيشه. ومن أبرز المشاهد، قرار قنص امرأة وطفل في بداية الفيلم، والذي يُقدَّم كاختبار أخلاقي، إضافة إلى المواجهة الدرامية مع قناص سوري يُدعى “مصطفى”.
غير أن هذه الشخصية، “مصطفى”، لا تمثل واقعاً موثقاً، بل تم تضخيمها درامياً لخلق خصم واضح. كما يعتمد الفيلم خطاباً لغوياً يصنّف العراقيين ضمن إطار “الوحوش”، ما يعزز صورة ثنائية للصراع: جنود أمريكيون أخلاقيون في مواجهة عدو متوحش.
الأخطر من ذلك هو الربط الضمني بين هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001 والحرب في العراق، وهو ربط لا يستند إلى حقائق تاريخية، لكنه يعكس السردية السياسية التي رُوّجت خلال تلك الفترة. بذلك، لا يكتفي الفيلم بتبسيط الحرب، بل يعيد تشكيلها أخلاقياً لصالح الرواية الأمريكية.
"زيرو دارك ثيرتي - Zero Dark Thirty"
يركّز الفيلم للمخرجة كاثرين بيغلو على الجهود الاستخباراتية التي قادت إلى اغتيال زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في عملية أبوت آباد عام 2011.
ويبدأ الفيلم بمشاهد استجواب عنيفة تتضمن استخدام أساليب تعذيب مثل الإيهام بالغرق، ويُوحي بأن هذه الوسائل كانت حاسمة في الحصول على المعلومات التي أدت إلى تحديد موقع بن لادن.
وتتطور الأحداث عبر سنوات من العمل الاستخباراتي، وصولاً إلى العملية العسكرية التي نفذتها وحدة سيلز – الفريق السادس - SEAL Team Six".
لكن تقارير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي أكدت لاحقاً أنه لا يوجد دليل على أن التعذيب لعب دوراً حاسماً في تحديد مكان بن لادن. كما كشفت وثائق عن تدخل وكالة الاستخبارات المركزية في مراجعة السيناريو، بما في ذلك تعديل بعض المشاهد لتخفيف حدة الانتهاكات.
هذا التباين يجعل الفيلم أقرب إلى عمل يبرر سياسات مثيرة للجدل، من خلال تقديمها كوسائل فعالة وضرورية، رغم الجدل القانوني والأخلاقي الذي يحيط بها.