نظّم التحالف العالمي من أجل
فلسطين أول أمس
الثلاثاء
ندوة إلكترونية محورية، سلطت الضوء على البنية التحتية للدعاية
الإسرائيلية الممولة بشكل واسع والمعروفة باسم "الهاسبراه"، وهو مصطلح
إسرائيلي يشير إلى شبكة الدعاية والإعلام المموّلة من الدولة بهدف التأثير على
الرأي العام داخليًا وخارجيًا.
ترأست الندوة لجين عبدالله، ممثلة التحالف،
التي وصفت المشهد الراهن بأنه "حرب معلومات ترعاها الدولة". وأشارت إلى
أن إسرائيل خصصت مبلغاً ضخماً يقدر بـ 729 مليون دولار (ما يعادل 580 مليون جنيه
إسترليني) لتمويل حملات على منصات التواصل الاجتماعي، مع التأثير في منظومات
الذكاء الاصطناعي خلال عام 2026. وحذرت عبدالله من أن هذه الآلة "تسعى إلى
تشكيل بل وهندسة ما تخبرنا به الآلات"، مشيرة إلى الدور المنهجي الذي تلعبه
في توجيه الرأي العام وخلق سرديات مضللة.
فخ "صناعة السخط"
افتتحت النقاش الدكتورة مريم أوراغ، عالمة
الأنثروبولوجيا في جامعة وستمنستر، مقدمة "الهاسبراه" باعتبارها متطلباً
لا غنى عنه لأي "مشروع هيمنة قائم على العنف". وطرحت أوراغ مفهوم
"صناعة السخط"، مؤكدة أن الدولة، في حال غياب موافقة شعبية على أفعالها،
تلجأ إلى التشكيك المنهجي في التجربة الفلسطينية، لافتة إلى أن الهاسبراه باتت
"محاصرة بين المطرقة والسندان"، إذ يتسبب الطابع "المباشر
والمُصوَّر" للإبادة الجماعية في انهيار الدعاية التقليدية تحت وطأة الواقع.
ونصحت أوراغ بعدم الانخراط في الرد على كل حجة مغرضة، بل اقتراح تقسيم العمل بين
خبراء متخصصين في دحض الادعاءات، فيما يتفرغ البقية للأنشطة السياسية الحقيقية.
التحيز البنيوي في عمالقة التكنولوجيا
حوّل نديم ناشف، المدير التنفيذي لمنظمة
حملة (7amleh)، محور
النقاش إلى التحيز البنيوي المضمن في عمالقة التكنولوجيا مثل ميتا وغوغل. وكشف
ناشف أن المحتوى العربي يخضع لـ "إفراط في المراقبة والتدجيل" عبر
خوارزميات تصنيف مشددة، مطبّقة قبل سنوات على المحتوى العبري، وأن وحدات الهاسبراه
تنسّق مع هذه الشركات لإسكات الأصوات الفلسطينية عبر الحجب الخفي، في حين تروّج
الروايات الرسمية من خلال صفقات بملايين الجنيهات الإسترلينية. وشدّد ناشف على
ضرورة الدفاع عن "حق الوجود" على المنصات الرقمية ودعم بدائل أخلاقية
مملوكة لفلسطينيين، مثل منصة Upscrolled.
من الوعي الرقمي إلى القوة الملموسة
تناول طارق كني ـ شوا، الباحث السياسي في
مؤسسة الشبكة، توظيف استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT) لدحض المعلومات المضللة، مستشهداً بإعادة
البناء الجنائي لعملية اغتيال هند رجب كنموذج، لكنه حذّر من أن الكشف وحده لا يكفي
دون بناء القوة السياسية. وأوضح أن الغرض من الأدوات الاستخبارية هو الحفاظ على
السجل التاريخي وربط الحقيقة بنتائج ملموسة عبر الضغط السياسي والتنظيم الجماهيري.
أما حلا حنينة، الباحثة الفلسطينية المقيمة
خارج غزة، فأكدت أن الإعلام الغربي غالباً ما يتواطأ مع الدعاية الممولة من
الدولة، مستحضرة تجربة قصف مستشفى الأهلي وتسويق رواية "الأربعين رضيعاً
المقطوعة رؤوسهم"، وحثّت المتضامنين على إعلاء الصوت الفلسطيني ورفض ما سمتها
"التواطؤ الإعلامي الغربي".
تتبّع الأثر الورقي الرقمي
الصحفي الاستقصائي أنس عمبري قدم أدوات
عملية لكشف عمليات التأثير الأجنبي، موضحاً كيف يمكن استخدام مركز شفافية
الإعلانات التابع لغوغل وملفات تسجيل الوكلاء الأجانب الأمريكية لتتبّع الملايين
المنفقة على المؤثرين في مجالات الحياة اليومية والمحتوى الديني، والتي تُستخدم
لإغراق الساحة بالروايات الرسمية. وأشار إلى حالة انسحاب إحدى الشركات المتعاقدة
لتنفيذ "برنامج قائم على الروبوتات الرقمية" بعد موجة احتجاج شعبية،
مشجعاً الناشطين على "تتبّع الأثر الرقمي لمحاسبة الجهات المتواطئة".
تحويل الوعي الرقمي إلى ضغط سياسي
وختاماً، أشار أنس التكريتي، الأمين العام
للتحالف، إلى أن الاستراتيجيات المطروحة تمثل تحولاً من الرد الفوري إلى موقف
منضبط واستباقي في مواجهة حرب المعلومات. وأضاف أن دمج أدلة استخبارات المصادر
المفتوحة مع الضغط السياسي وتتبع المسارات المالية يمكّن الناشطين من كسر حلقة
السخط المُصطنع، وتحويل الوعي الرقمي إلى ضغط سياسي فعّال لتحقيق التغيير
والمساءلة.
تُمثّل هذه الندوة جزءاً من سلسلة منتظمة من
الندوات الإلكترونية والإحاطات الاستراتيجية التي ينظّمها التحالف العالمي من أجل
فلسطين.
والتحالف هو ائتلاف دولي تأسس في لندن صيف
2025 عقب مؤتمر جمع أكثر من 70 منظمة من نحو 25 دولة، بما فيها مؤسسات حقوقية،
حركات طلابية، ونشطاء إعلاميين وفلسطينيين من الداخل والخارج.
يهدف التحالف إلى تعزيز التضامن العالمي مع
الفلسطينيين، مواجهة
الاحتلال الإسرائيلي، تفنيد الروايات المضللة، وبناء قدرات
مشتركة للمجتمع المدني، مع تركيز على الضغط السياسي والإعلامي والاستراتيجي لتحويل
الدعم الشعبي إلى تأثير ملموس على الساحة الدولية.