في الوقت الذي يقدم فيه الإسرائيليون كشف الحساب الأمني والعسكري الخاص بالحرب على
إيران، فقد وضع آخرون أيديهم على الفاتورة
الاقتصادية المالية، بعد أن انكشفت الفجوة الهائلة التي فتحت في الخزائن العامة، ولأن حكومة الاحتلال اقتصرت في تحديدها للمتضررين من
الحرب على القطاع الخاص فقط، مما يعني إيصال الدورة الاقتصادية إلى حافة الانهيار، وسيدفع عموم الإسرائيليين ثمناً باهظاً من هذه الحرب.
المحررة الاقتصادية لمدة عشرين عاما، ليئات ،رون، أكدت “أننا أمام حرب استثنائية بكل المقاييس، ليس فقط لأننا ندخل ونخرج من المناطق المحمية والملاجئ منذ شهر، لأن الأمر يبدو طبيعيًا بالنسبة لنا، بل لأننا أدركنا أنه مهما كانت طبيعة الحرب الجارية على إيران، سواء أكانت صواريخ تنطلق منها أو من لبنان، أو مثل هجوم الطوفان من الحدود الجنوبية مع غزة، فهناك أمور في إسرائيل لا تتغير".
وأضافت في مقال نشره موقع “
ويللا” الإسرائيلي، وترجمته "عربي21" أنه بإمكان “الجيش الإسرائيلي القتال بجانب أعظم قوة في العالم، ومجاراتها في القدرات العسكرية، لكن الإسرائيليين يفشلون بأبسط الأمور، مثل بناء الكتائب العسكرية، وإقرار خطة تعويضات اقتصادية، صحيح أن عامتهم لم يُخزنوا المياه وورق التواليت في الأيام الأولى هذه المرة، لأننا جميعًا فهمنا المفهوم الإيراني لحرب الـ 12 يوماً، لكن الحكومة عاجزة تماما عن استيعاب ما تعلمته في إدارة شؤونها الداخلية، بل تكرر الأخطاء نفسها، وتعمل ببطء شديد، ولا تراعي مصلحة الإسرائيليين".
وأكدت أنه “كالعادة، هناك حرب، وهناك نتائج، وهناك التقرير المرحلي لها، الذي قدمه محافظ بنك إسرائيل، أمير يارون، في نهاية آذار/مارس الجاري، وتظهر البيانات الواردة في التقرير السنوي للبنك عبئا اقتصاديًا غير مسبوق، حيث بلغ الإنفاق نحو 352 مليار شيكل منذ بداية تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأدى القتال المباشر مع إيران لزيادة متوسط التكلفة إلى ما بين 1.5 و 1.7 مليار شيكل يوميا".
وأوضحت أن “محافظ البنك المركزي لم يتوان عن توجيه انتقادات لاذعة للأداء الاقتصادي للدولة، مؤكدًا بوضوح أن الاقتصاد الإسرائيلي لن يتمكن من الاستمرار بتحمل النفقات الهائلة على التسلح والاحتياطيات، فضلا عن الحفاظ على
تضخم الصناديق القطاعية، على المدى الطويل، محذراً أنه بدون خفض حاد في الإنفاق غير المعزز للنمو، ستكون ثقة المجتمع الدولي في الاستقرار المالي لإسرائيل في خطر حقيقي".
وأضافت أن "نزاهة الحكومة موجودة على المحك حالياً لأنها سارعت للموافقة على مبلغ قياسي قدره 6.1 مليار شيكل لصالح أموال الائتلاف لعام 2026، وهذا المبلغ عبارة عن مليار شيكل أُدرج في قاعدة
الميزانية كنفقة ثابتة، إضافة لـ 5.2 مليار شيكل أخرى وافقت عليها اللجنة المالية، حيث تدفقت المليارات
لاسترضاء الحريديم، الذين لم يحصلوا على قانون التهرب من الخدمة العسكرية الذي طالبوا به، وخصص 2.4 مليار شيكل لتمويل معاهدهم الدينية".
وأوضحت أنه من خلال قنوات ملتوية حصل سموتريتش على 470 مليون شيكل لوزارة الاستيطان، و 100 مليون شيكل لمديرية الهوية اليهودية، ويبدو إقرار هذه المبالغ مثيرًا للريبة، في ضوء التخفيض بنسبة 3% المفروض على ميزانيات الصحة والرعاية الاجتماعية والتعليم العام.
وأشارت أن النتيجة الماثلة أننا أمام خزائن مفتوحة، تستطيع الحكومة تخصيصها لأي غرض حزبي دون أي مساءلة، متجاوزة المليارات التي تمت الموافقة عليها بالفعل، مما يعني أننا أمام مجرد البداية، لأن الاقتصاد الإسرائيلي يتأثر سلبًا بالأزمة العالمية في سوق الطاقة، فقد دفعت التوترات في الخليج العربي، والمخاوف من إغلاق الممرات الملاحية، سعر برميل النفط عالميا لما يزيد عن 100 دولار، وبينما تسعى دول عديدة للتخفيف من أثر ارتفاع الأسعار على مواطنيها ، فلا تزال الحكومة الإسرائيلية تناقش ما يجب فعله.
وأشارت أن “طريقة التعامل مع تعويضات الشركات والإجازات غير المدفوعة بسبب الحرب، ثبت أنها سلبية، فالحكومة لا تتعلم من التجارب فحسب، بل تتراجع للوراء، وتعيد ابتكار نظام الطبقات الاقتصادية، فمن جهة، يقف قطاع الخدمات العامة، حيث يتقاضى الموظفون رواتبهم كاملة من أول يوم غياب عن العمل، ويتمتعون بحماية وظيفية كاملة، وإجازة مكثفة خلال الأعياد اليهودية، فإنه من جهة أخرى، يقف القطاع الخاص وعمالهم الذين يُجبرون على العمل تحت القصف، دون ضمان للدخل".
وختمت بالقول إن "الشهر الأول انتهى من الحرب بتحذير حاد من وكالة فيتش للتصنيف الائتماني، التي أبقت على نظرة إسرائيل السلبية، حيث ترى الأسواق الدولية حكومة تُعطي الأولوية لتماسك الائتلاف الحاكم على حساب إصلاحات النمو، وإعادة إعمار مستوطنات الشمال، وبالتالي فبدون انضباط مالي حقيقي وبدون انضباط ائتلافي، ومع زيادة ميزانية الجيش، وتعميق العجز إلى 6 ، ستتحول النظرة السلبية بسرعة إلى واقع وجودي صعب، وهذه ستكون مشكلة الحكومة القادمة، والأجيال المقبلة من الإسرائيليين".
فضلا عما تقدم، فإن كشف الحساب الاقتصادي للشهر الأول من الحرب الإسرائيلية على إيران، يظهر تعثر إقرار ميزانية لإعادة إعمار مستوطنات الشمال التي عانت دمارًا هائلا في الحرب، رغم المعركة اليائسة التي خاضها قادة المستوطنين الذين احتجوا على الإهمال، وطالبوا بمضاعفة الميزانية، وليس خفضها.