لماذا يرتبط ميكروبيوم الأمعاء والقلب ارتباطًا أوثق مما تتصور؟

قفزت الوفيات العالمية الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية إلى 19.8 مليون حالة وفاة عام 2022 - الأناضول
نشر موقع "كونفيرزيشن" مقالاً لباحثة ما بعد الدكتوراه بقسم علوم القلب والأوعية الدموية في جامعة ليستر، فيونا نيوبيري، قالت فيه إن ميكروبيوم الأمعاء يلعب دوراً هاماً في جوانب عديدة من الصحة، بدءاً من الهضم ووظائف المناعة وصولاً إلى التوازن الأيضي والعمليات العصبية.

وقد رُبطت العديد من الأمراض بتغيرات في تركيبة الميكروبيوم، بما في ذلك داء الأمعاء الالتهابي، وسرطان القولون والمستقيم، والسمنة، واضطرابات الصحة النفسية. ومع تزايد قوة الروابط بين ميكروبات الأمعاء والأمراض، يتجه العلماء الآن إلى دراسة العلاقة الناشئة بين الأمعاء والقلب.

لا يزال مرض القلب السبب الرئيسي للوفاة على مستوى العالم. ومن المعروف أن عوامل مثل التدخين، وارتفاع ضغط الدم، والسمنة، وداء السكري تُعد من عوامل الخطر.

لكن الباحثين يكتشفون بشكل متزايد أن توازن الميكروبات في أمعائنا قد يؤثر على كيفية تطور هذه المخاطر، وكيفية تفاقم مرض القلب.

وقد اكتسب هذا الارتباط المُكتشف حديثا، والذي يُطلق عليه "محور الأمعاء والقلب"، زخما في السنوات الأخيرة. وقد يُساعد في تفسير سبب الترابط الوثيق بين النظام الغذائي وأمراض القلب.

وتُظهر دراسات واسعة النطاق أن الأشخاص المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية لديهم خصائص مميزة للميكروبيوم المعوي مقارنة بالأصحاء.

مع أنه لم يتم اكتشاف ميكروب واحد مسؤول عن أمراض القلب، إلا أن أمراض القلب والأوعية الدموية ترتبط باستمرار بعدة عوامل رئيسية. تشمل هذه العوامل انخفاض التنوع الميكروبي، وفقدان البكتيريا النافعة، وفرط نمو الميكروبات المرتبط بالالتهاب.

يشير التنوع الميكروبي إلى تنوع وتوازن الميكروبات المختلفة التي تعيش في الأمعاء. وتشير أدلة متزايدة إلى أن انخفاض التنوع الميكروبي يعكس تدهور صحة الميكروبيوم، وقد يُنذر ببداية المرض.

تناولت إحدى الدراسات الحديثة نتائج 67 دراسة استكشفت الميكروبيوم المعوي في العديد من أمراض القلب والأوعية الدموية، وقارنت أكثر من 6000 مريض يعانون من متلازمة الشريان التاجي الحادة، أو الرجفان الأذيني، أو مرض الشريان التاجي، أو قصور القلب، أو السكتة الدماغية، مع أشخاص أصحاء.

وأظهرت الدراسة أن الأشخاص المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية لديهم باستمرار مستويات أقل من بكتيريا Faecalibacterium المفيدة المخمِّرة للألياف.

البصمات الميكروبية لأمراض القلب

تعمل ميكروبات الأمعاء لديك كمصانع مصغرة تُحلل مكونات الطعام. أثناء ذلك، تُنتج هذه الكائنات الحية مئات الجزيئات الصغيرة التي تُسمى المستقلبات، والتي يمكن أن يمتصها كائنات دقيقة أخرى أو أن تنتقل عبر الأمعاء إلى مجرى الدم. وبينما يُعدّ بعض هذه المستقلبات مفيدًا للجسم، قد يكون بعضها الآخر ضارًا عند زيادته.

لذا، إلى جانب دراسة أنواع الميكروبات الموجودة لدى مرضى القلب والأوعية الدموية، يُجري العلماء أيضًا دراسات على المستقلبات لفهم تأثيرها على الصحة.

إحدى أقوى الروابط بين ميكروبيوم الأمعاء وأمراض القلب تتعلق بمادة أيضية تُسمى TMAO (أكسيد ثلاثي ميثيل الأمين).

وتقوم بعض بكتيريا الأمعاء بتحويل العناصر الغذائية الموجودة في اللحوم الحمراء والبيض ومنتجات الألبان إلى مادة أيضية تُسمى ثلاثي ميثيل الأمين (TMA). ثم يقوم الكبد بمعالجة هذه المادة الأيضية وتحويلها إلى TMAO.

وقد ارتبطت المستويات العالية من TMAO في الدم بزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية والوفاة بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية.

ومن المهم الإشارة إلى أن إنتاج TMAO يختلف بين الأفراد تبعًا لنوع الميكروب. وهذا يعني أن شخصين قد يتناولان نفس الطعام ولكنهما ينتجان كميات مختلفة من هذا المركب الذي قد يكون ضارًا.

ولكن ليست كل المواد الأيضية المشتقة من الأمعاء ضارة، فبعضها قد يحمي القلب، ويجري حاليًا عدد متزايد من الأبحاث على دراسة الإندولات، وهي مركبات تتكون عندما تقوم بكتيريا الأمعاء بتحليل التربتوفان.

والتربتوفان هو حمض أميني أساسي موجود في الأطعمة الغنية بالبروتين مثل الدواجن والبيض ومنتجات الألبان والمكسرات. ويلعب دورًا مهمًا في الحالة المزاجية وأنماط النوم والشهية.

ويمتص الجسم معظم التربتوفان، لكن جزءًا صغيرًا من هذا الحمض الأميني يُحلَّل أيضًا بواسطة بكتيريا الأمعاء ويتحول إلى مشتقات الإندول. وبينما قد يُسهم بعضها في الالتهاب في ظروف معينة، يبدو أن البعض الآخر يتمتع بفوائد وقائية قوية للقلب.

يُعد إندول-3-بروبيونات (IPA) من أكثر هذه المشتقات الواعدة، ويُعتقد أنه يُنتج بشكل رئيسي بواسطة بكتيريا كلوستريديوم سبوروجينز.

وقد أظهرت العديد من الدراسات أن الأشخاص الذين لديهم مستويات أعلى من IPA في الدم لديهم معدلات أقل للإصابة بداء السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية.

كما يُقوي IPA حاجز الأمعاء، مما يمنع تسرب المنتجات الميكروبية الضارة إلى مجرى الدم. ولا تزال الأبحاث جارية لفهم كيفية ولماذا يُحلل التربتوفان إلى مستقلبات مفيدة أو ضارة.
الوقاية والعلاج

يُغير اكتشاف أن ميكروبات الأمعاء تُساهم في تحديد مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية طريقة تفكير العلماء في الوقاية والعلاج. ويستكشف الباحثون الآن كيف يُمكن استخدام "البصمات" الميكروبية يوما ما، جنبًا إلى جنب مع عوامل الخطر المعروفة، لتحديد الأشخاص المعرضين للخطر، قبل ظهور الأعراض بفترة طويلة.

في المستقبل، يمكن استخدام الميكروبات المعوية المفيدة (البروبيوتيك) علاجيًا لإبطاء تطور أمراض القلب والأوعية الدموية أو القضاء على الميكروبات المعروفة بمساهمتها في ظهور المرض.

مع أن هذا العلم لا يزال في طور التطور، فمن الواضح أن الميكروبيوم المعوي يجب اعتباره جزءًا من نظام الجسم ككل الذي يؤثر على صحتنا العامة. وهذا يشير إلى فكرة بالغة الأهمية: قد لا تبدأ العناية بالقلب بما نأكله فحسب، بل بكيفية معالجة ميكروبات الأمعاء له.