كيف تخطط المملكة العربية السعودية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط

ذكر الكاتب أن تحالف "إسرائيل" والإمارات بات ينظر إليه باعتباره مصدر تهديد للمصالح السعودية- جيتي
في خضم تحولات إقليمية متسارعة وحرب مدمرة في غزة، تتكشف ملامح رؤية سعودية جديدة تسعى لإعادة رسم توازنات الشرق الأوسط، عبر كبح النفوذ الإسرائيلي والإماراتي، ومنع الانزلاق إلى مواجهة كبرى مع إيران، في مسار يعكس تحوّلاً استراتيجياً يتجاوز حسابات التطبيع التقليدية.

وفيما يالي النص الكامل لمقال الصحفي البريطاني، ديفيد هيرست الذي نشره عبر موقع "ميدل إيست آي".

عندما تسمح للناس بالتعبير عما يجول في أذهانهم في الشرق الأوسط، فإن صورة مختلفة تماماً تبرز لإسرائيل وللإجماع الغربي الذي تمثله.

تبيّن أن التطبيع، أو حتى عضوية "مجلس السلام" التابع للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليس إلا ملمع شفاه رقيق للغاية يخفي مزاجاً إقليمياً من الغضب والشعور بالمهانة إزاء ما يُسمح لإسرائيل بفعله دون عقاب أو حساب.

كان مثيراً للدهشة، حتى له نفسه، أن يتم السماح للأكاديمي والكاتب السعودي الدكتور أحمد التويجري مؤخراً بالتعبير عن رأيه بشأن إسرائيل وأقرب شركائها العرب، الإمارات العربية المتحدة.

في العادة لا يُكتب أو يُنشر شيء في المملكة دون شكل من أشكال الترخيص الرسمي صادر عن الجهات العليا. ها هو التويجري يقدّم تحليلاً لاذعاً لعلاقة الإمارات العربية المتحدة بإسرائيل، متهماً حكام أبوظبي بإلقاء أنفسهم في حضن الصهيونية، ليصبحوا "حصان طروادة" لمشروع إقامة إسرائيل الكبرى.

لم يسبق من قبل أن استخدمت مثل هذه اللغة المباشرة من قبل أحد في المملكة العربية السعودية في الحديث عن رئيس الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد، والذي ما فتئ على مدى عقد من الزمن يقوم بدور الحليف القوي للمملكة في سحق ثورات الربيع العربي في اليمن ومصر وليبيا وتونس وسوريا.

نُشر مقال التويجري في صحيفة مقربة من السلطات السعودية. ولذلك عندما قابلته، كان أول أمر رغبت في معرفته منه هو: هل استشار وزارة الخارجية أو طلب الإذن منها قبل النشر؟

يقول التويجري إن مقاله كان من صنيعه هو وحده، وأنه لم يتحدث نيابة عن الحكومة ولم يرغب في أن يكون متحدثاً باسمها. بل قال إن كلماته تفجرت من أعماقه إحساساً منه بواجب الصدح بالحق في خضم أزمة وطنية.

صدع بدأ قبل زمن طويل

ما أن صدر مقال التويجري حتى تم سحبه سريعاً في أجواء مشوبة بالتوتر، وذلك بعد أن انطلقت مباشرة بعد نشره احتجاجات من تل أبيب وواشنطن، لعلها من ثمار التحرك الإماراتي السريع الذي فعّل شبكة أنصار إسرائيل في الولايات المتحدة، والتي اتهمت الكاتب السعودي بمعاداة السامية. تم التعامل مع مقال التويجري بكونه حادثة دولية.

ادعت رابطة مناهضة التمييز أنها حققت نصراً زاعمة بأن المقال تم سحبه بعد فترة وجيزة من صدور منشورها هي بهذا الصدد.

ثم حدث ما هو غير مألوف: أعيد نشر المقال من جديد بأوامر من جهات عليا. وبادر معلق في مواقع التواصل الاجتماعي، يعتقد على نطاق واسع بأنه صوت سعود القحطاني، المسؤول الإعلامي الكبير في المملكة، بإعادة نشر رابط المقال، زاعماً بأن المقال لم يختف أصلاً.

وهذا ما قادني إلى الأمر الثاني الذي رغبت حقاً في معرفته. هل كان هذا الخلاف بين اثنين من أبرز قادة الخليج عاطفياً، وسرعان ما سيزول فيما لو حصلت مصالحة متبادلة في المستقبل، أم أنه خلاف استراتيجي؟

كان التويجري واضحاً بهذا الشأن أيضاً. ففي رأيه، هناك تحول إقليمي جارٍ، كرد فعل على الإبادة الجماعية التي وقعت في غزة ورداً على الأحداث الأخيرة في اليمن – ولكنه صدع بدأ منذ وقت طويل.
بدأ الأمر في غزة ولكنه يمتد إلى ما هو أبعد وأشمل. قد يفاجئ هذا الرأي بعض من شهدوا سلسلة من المحاولات الرسمية لكبت الغضب الشعبي بينما كانت الحرب مستعرة.

فقد استمرت الاحتفاليات الدولية التي استضافتها المملكة بغض النظر عما كان يجري، ولم يسمح بتنظيم أي مظاهرات مؤيدة للفلسطينيين، بل وكان يجرم التغريد حول غزة.

أما تحت السطح، فكانت المملكة تشعر بأنها تتعرض للمهانة على يد الإسرائيليين. فقد تبنت المملكة في مناسبتين مبادرات سلام كبيرة، كانت أولاهما في عهد الملك فهد وكانت الثانية في عهد الملك عبد الله حينما كان لا يزال ولياً للعهد. وكلا المبادرتين كانتا تقومان على مبدأ الأرض مقابل السلام والاعتراف بالحقوق الفلسطينية الأساسية. كما استضافت المملكة العربية السعودية بانتظام مساعي المصالحة بين حركتي فتح وحماس.

لكن من حيث الحجم والمستوى، تجاوزت الإبادة الجماعية أي شيء يمكن أن يكون قد حدث من قبل.
قال التويجري: "إن ما وقع من حجم الشر والإبادة الجماعية أقنع المملكة العربية السعودية بأنه من المحال أن يتحقق السلام بوجود هذه العقلية التي تحكم إسرائيل، وبأنه لا يمكن بتاتاً أن يحصل تعاون. وهذا ما أدى إلى حدوث تحول في الخطاب واللهجة السعودية، لأن المملكة العربية السعودية بكونها قلب العالم الإسلامي، وبكونها أكثر البلدان العربية احتراماً حول العالم، لا يمكنها أبداً مشاهدة ما يجري وتركه يمر بدون اتخاذ موقف".

تفتيت المنطقة

وطبقاً للتويجري، فإن وجود المملكة العربية السعودية فيما أطلق عليه ترامب ساخراً اسم "مجلس السلام"، ليس أكثر من مجرد محاولة للحد من الأضرار.

أن تستخدم إسرائيل إبادة غزة منطلقاً لمساعيها الطموحة في فرض نفسها كقوة عسكرية مهيمنة على المنطقة، ليس بالأمر الجديد بالنسبة لهذا الأكاديمي السعودي.

فالخطة التي ينتهجها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سوريا ولبنان، والآن في إيران كذلك، كان قد صرح بها قبل أربعة وأربعين عاماً صحفي إسرائيلي ومستشار سابق للزعيم الإسرائيلي أرييل شارون.

حينما استقر الأمر، أو هكذا كان الانطباع حينذاك، لاتفاقيات كامب ديفيد التي أبرمت في عام 1978 بين رئيس مصر أنور السادات ونظيره الإسرائيلي مناحيم بيغن، كان عوديد يينون يعمل من خارج المؤسسة. وحينها قال في ورقة نشرت له في مجلة كيفونيم بعنوان "استراتيجية لإسرائيلي في الثمانينيات" إن العالم يشهد حقبة تاريخية جديدة، تتعرض فيها الأسس العقلانية والإنسانية للغرب للانهيار.

وصف يينون الدول العربية المسلمة بأنها "بيت مؤقت لأوراق اللعب أنشأه الأجانب" في منطقة تم تقطيعها تعسفياً من قبل القوى الاستعمارية. وخلص إلى أنه ينبغي على إسرائيل إتمام تفتيتها بحيث تغدو موزاييك من الأعراق والجماعات الدينية.

وهذا قريب جداً مما قصده في نوفمبر 2024 جدعون سعار، الذي كان قد عين حديثاً وزيراً للخارجية، وذلك حينما قال إنه يتوجب على إسرائيل التعاون مع الكرد وغيرهم من الأقليات في سوريا. وقال سعار، واصفاً الكرد بالحليف الطبيعي لإسرائيل، إن بلده ينبغي عليها التواصل كذلك مع الأقلية الدرزية في سوريا ولبنان. منذ ذلك الحين، غدا تفتيت سوريا سياسة إسرائيلية رسمية.

إلا أن هذه السياسة واجهت بعض الإخفاقات الكبيرة، فقد استعادت دمشق منذ ذلك الحين السيطرة على المناطق التي كانت تحت إدارة الكرد بما في ذلك حقول النفط. كما أن مبعوث ترامب، توم باراك، من أشد المؤيدين للوحدة السورية.

ولكن على النقيض مما كان عليه الحال في عام 1982، حينما كان يينون يطالب بتفكيك مصر وتحويلها إلى قطعتين، سيناء تحت السيطرة الإسرائيلية ودولة قبطية مسيحية على حدود مصر الشمالية، بإمكان صناع القرار وراسمي السياسات في إسرائيل الآن الاعتماد على حليف قوي هو محمد بن زايد، سواء فيما يتعلق بالدروز أو فيما يتعلق بالمخططات الأوسع نطاقاً.

شراكة محطمة

إلا أن تحالف إسرائيل والإمارات بات ينظر إليه باعتباره مصدر تهديد للمصالح الوطنية السعودية.
يرى التويجري بأن الرياض عيل صبرها مع محاولات أبوظبي مد أذرعها في كل اتجاه رغم صغر حجمها كبلد. ويقول إن المملكة العربية السعودية دعت الإمارات العربية المتحدة إلى اليمن، ولكنها ما لبثت أن وجدتها تنهمك بكل قوة في تقطيع أوصال البلد فيما يخدم مصالحها الخاصة.

ونفس الشيء يحدث في السودان، حيث تم إثبات وتوثيق تقيم الإمارات العربية المتحدة الدعم العسكري لقوات الدعم السريع، وكذلك في أرض الصومال، الجزء المنشق في شمالي الصومال.
يذكر التويجري حديثاً جرى بينه وبين الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي. في ذلك الوقت، كانت أبوظبي تسعى لتقويض الديمقراطية في تونس من خلال إرسال العربات المصفحة إلى المعارضة. حينها قال له المرزوقي: "كيف يمكن لهذا الأمر أن يحدث؟ كيف يمكن لعضو في جامعة الدول العربية أن يزود المعارضة في بلد آخر عضو في الجامعة بعربات مصفحة دون علم حكومة ذلك البلد؟"
في عيون السعوديين لا تزيد أبوظبي عن كونها "حياً صغيراً من أحياء الرياض." ويرى التويجري أنه لا يمكن بحال المقارنة بين البلدين – لا من حيث المساحة ولا من حيث السكان ولا من حيث الأداء الاقتصادي.

ولكن لماذا تحطمت الشراكة الآن؟ ذكّرت التويجري بالدور الذي لعبه محمد بن زايد في الترويج لمحمد بن سلمان في واشنطن قبل أن يغدو الأخير ولياً لعهد السعودية.

فقال التويجري إن القطيعة بين الزعيمين بدأت تحدث منذ بعض الوقت. وحسبما صرح به فإن محمد بن زايد لم يقبل أبداً بأن الحجم والكثافة الاقتصادية يمكن أن تنتقل سريعاً من الإمارات إلى المملكة العربية السعودية، وأنه كان يشعر بالغيرة بسبب النمو الاقتصادي الذي تحققه المملكة.

في يد إيران الكثير من الأوراق

إذن حصل تحول في المملكة – وليس فقط بعيداً عن أبوظبي، وإنما باتجاه تركيا. ولا يقل أهمية عن ذلك أنها حافظت على الانفراج في علاقاتها مع إيران.

لا يمكن الجزم إلى متى سوف ينتظر ترامب قبل أن يشن هجومه الثاني على إيران خلال عام، ولكن الأساطيل التي نشرها على مسافة قريبة منها تكاد تنطق معبرة عن نفسها. في هذه الأثناء بادر ما لا يقل عن تسعة من الزعماء العرب بالاتصال بترامب في محاولة لإقناعه بمنح المحادثات الجارية في مسقط فرصة.

يقول التويجري إن المملكة العربية السعودية لعبت دوراً أساسياً. ومنذ ذلك الحين والقلق في تنام مستمر.

يقول التويجري: "إيران ليست فنزويلا. إن لدى إيران في جعبتها الكثير من الأوراق التي يمكن أن تستخدمها في مثل هذا الوضع، وهي أوراق تدميرية جداً. من الممكن أن تشن إيران هجوماً على القواعد الأمريكية في المنطقة، بل يمكن أن تذهب إلى أبعد من ذلك حين يتعلق الأمر بتعرضها لتهديد وجودي، مثل أن تشن هجوماً على كل الكيانات في المنطقة، وأن تدمر الخليج، وأن تفرض حصاراً على مضيق هرمز".

ويضيف: "ولربما تذهب إلى ما هو حتى أبعد من ذلك فتهاجم إسرائيل بالمزيد من الصواريخ البالستية المدمرة. والله وحده يعلم ما الذي يمكن أن تفعله الأقليات الشيعية في المنطقة حينذاك. ولذلك فالأمر فيه مقامرة كبيرة، غير واقعية على الإطلاق، بل هو في غاية الرعونة. وهذا هو السبب، حسبما أعتقد، الذي يجعل المملكة العربية السعودية تلقي بكامل ثقلها لمنع حدوث ذلك ما وسعها الأمر".

منذ مقابلتنا، وجّه السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، الذي يُعتبر في كثير من الأحيان صوت ترامب، نداءً للسعودية قائلاً لها: "كفى!". وبأسلوبٍ أشبه ما يكون بلغة المتقاتلين في الشوارع، فيما بات اليوم يُعتبر من الدبلوماسية، قال غراهام في مؤتمر ميونيخ للأمن الأسبوع الماضي: "لقد سئمتُ من هذا الهراء. محمد بن زايد ليس صهيونياً، وأنتم تعززون موقف إيران بهذا الصراع".

إلا أن ما يقوله التويجري ويقوله أخرون كثيرون من أمثاله ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد من قبل واشنطن، والتي لا يوجد لديها حالياً أية أفكار أخرى سوى أن تقاد من خرطومها من قبل نتنياهو حتى تخوض الحرب القادمة.

لن تكون الحرب القادمة مناسبة لأحد أكثر من إسرائيل، والتي – مثلها مثل أبوظبي – ما هي سوى بلد صغير تراوده أفكار كبيرة للمنطقة.