نشرت صحيفة "
وول ستريت جورنال" مقالًا كتبه وولتر راسل ميد، قال فيه إن ضعف
إيران يعني زيادة عزلة "إسرائيل" في المنطقة.
حيث بات تحالف من الدول العربية والإسلامية يتنافس على ملء الفراغ الذي تركته إيران في المنطقة، إلى جانب تراجع الرغبة باتجاه
التطبيع العربي والإسلامي مع دولة الاحتلال وعزلة
الإمارات العربية التي تعتبر أقرب شريك لها في المنطقة.
وقال ميد إن إيران أبدت وحدة في الهدف وصمودًا أمام حشود حاملات طائرات أمريكية تسير دوريات قبالة سواحلها، وتصنيف دول أوروبية رئيسية للحرس الثوري كمنظمة إرهابية وانهيار استراتيجية طهران الإقليمية وتدهور الاقتصاد الإيراني.
ردّ ملالي إيران على كل مطلب بكلمة واحدة "نا" أي "لا" بالفارسية، فلا نهاية للبرنامج النووي ولا قيود على إنتاج الصواريخ الباليستية ولا تخفيف للموقف المتشدد تجاه "إسرائيل" ولا توقف لدعم ما تبقى من شبكة وكلائها.
ويرى الكاتب أنه لا حكام إيران الإسلاميين ولا إدارة دونالد ترامب يريدون الحرب في هذه الفترة، لذا تستمر المفاوضات. ومع ذلك، لا أحد يستطيع التكهن بما يريده الرئيس الأمريكي، ولا أحد يعلم ما سيحدث لاحقًا.
إلا أن استمرار المواجهة مع إيران يدفع بتطور الوضع في بقية أنحاء الشرق الأوسط، فقد ظهر تحالف فضفاض من القوى السنية، يضم كلا من
تركيا وباكستان وقطر ومصر والسعودية، بات يتعاون على ملء الفراغ الذي خلفه سقوط حلفاء إيران في لبنان وسوريا.
أما الإمارات العربية المتحدة، أقوى شركاء إسرائيل الإقليميين، فتعاني من عزلة كبيرة في العالمين العربي والإسلامي، ويعتقد الكاتب أن
السعودية قادت زمام المبادرة في العالم العربي عندما انزلق العراق وسوريا إلى الفوضى، فيما عانت مصر من التدهور الاقتصادي، رغم أنها المحرك الرئيسي لهذا التحول.
فبعد أن كان السعوديون يدرسون بجدية الانضمام إلى اتفاقيات "إبراهيم"، عادوا إلى مهاجمة سلوك الاحتلال تجاه الفلسطينيين، وفي تحليله للتغير في الموقف السعودي، يرى ميد أن هناك ثلاث حقائق أسهمت في هذا التحول.
أولاً، أدت العملية الإسرائيلية ضد إيران، وما أظهرته "تل أبيب" من قدرات عسكرية واستخباراتية استثنائية خلال الحرب، إلى زيادة مخاوف السعودية من قوة دولة الاحتلال، في حين تراجعت مخاوف الرياض من الجمهورية الإسلامية وحكامها.
فعلى الرغم من صغر مساحتها وقلة عدد سكانها، إلا أن قدرة "دولة الاحتلال" على توجيه ضربات بعيدة المدى وعلاقتها الوثيقة، وإن كانت معقدة، مع إدارة ترامب، وردها على هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أثارت قلق جيرانها، وخاصة الرياض.
وكان الهجوم على قادة حماس في الدوحة، عاصمة قطر، مثيراً للقلق بشكل خاص، إذ أظهر قدرة الاحتلال على تنفيذ عمليات عسكرية في دول الخليج.
أما الحقيقة الثانية، فهي أن
ابتعاد السعودية عن نهج التطبيع يتزامن مع تقليص أو تخلي المملكة عن العديد من المشاريع
الكبرى، حيث تم تعليق خطط بناء ناطحة سحاب في وسط الرياض، بحجم يتسع لعشرين مبنى إمباير
ستيت.
كما تم تقليص خطط مدينة نيوم العملاقة التي وصفت بأنها المشروع الأكثر جرأة في
العالم في مجال التصميم الحضري. ومع تراجع جاذبية أجندة التحديث، يسعى القادة السعوديون،
شأنهم شأن العديد من نظرائهم في دول أخرى، إلى تعزيز الدعم بين المحافظين الاجتماعيين
والدينيين.
أما الحقيقة الثالثة، فهي تشير
إلى أن الابتعاد عن "دولة الاحتلال" بات وسيلة جيدة للسعودية لمفاجأة خصومها في الإمارات. فقد
بادرت أبوظبي إلى التقارب مع "إسرائيل"، وعملت معها في مناطق مثل أرض الصومال.
إلا أن هذا المسار لم يعد يحظى بشعبية إقليمية مع تصاعد الغضب الشعبي ضد الحرب في غزة، ويمثل الابتعاد عن "إسرائيل" وسيلة للسعوديين لترك الإماراتيين المعزولين يواجهون مصيراً غير مرغوب فيه، وهو ما يعتبره الكثيرون في المنطقة هزيمة لأبو ظبي.
ويرى ميد أن رهان "إسرائيل" على التطبيع أقل من أي وقت مضى، والسبب راجع إلى أن بعض العرب وجدوا سهولة في الوصول إلى التكنولوجيا والأسلحة الأمريكية من خلال التفاوض سراً مع أصدقاء ترامب وأفراد عائلته بغض النظر عن موقف دولة الاحتلال.
كما يعود جزئياً إلى أن كثيراً من العرب يعتقدون الآن أن استقرار المنطقة مهدد أكثر بمقاومة الاحتلال لفكرة قيام دولة فلسطينية، حتى وإن كانت احتمالاً بعيد المنال، وليس تحركات النظام المحتضر في طهران.
ويعلّق ميد بالقول إن
التحالف السني الفضفاض الذي يضم السعودية وتركيا
ومصر وقطر وسوريا وباكستان هش، والتنافس بين أعضائه محتدم. ولكن طالما استمر هذا التحالف،
ستواجه الدبلوماسية الإقليمية "الإسرائيلية" صعوبة في دفع عجلة دمج "الدولة اليهودية" في
الشرق الأوسط.
ومع وصول حاملة طائرات أمريكية إلى
الشرق الأوسط، يعود الرئيس ترامب إلى التفاوض مع إيران، لكن ما الذي تريده الولايات
المتحدة من الاتفاق الآن وقد تحولت المواقع النووية الإيرانية إلى ركام؟ وهل سيساعد
ترامب المتظاهرين في البلاد؟.