نشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية
مقالا للمعلقة نسرين مالك، ربطت فيه بين رسائل جيفري إبستين وفضيحة تعيين بيتر ماندلسون، معتبرة أن القاسم المشترك بينهما هو ازدراء متجذر للنساء والفتيات، وللقانون، وللرأي العام، في مقابل هوس مطلق بالسلطة والنفوذ.
وتقول مالك إن الرأي العام اعتاد سماع توصيف رئيس الوزراء بأنه رجلا "نزيها"، غير أن قراره تعيين بيتر ماندلسون كشف، برأيها، تفضيلا واضحا للمصلحة السياسية على إنصاف ضحايا الاتجار بالبشر، فالقضية، لا تتعلق بسوء تقدير عابر، بل بسلسلة متصلة من الازدراء تبدأ من إبستين ولا تنتهي عند مؤسسات السياسة.
وترى الكاتبة أن الازدراء في هذه المنظومة ليس عرضا جانبيا للسلطة، بل غايتها ذاتها، فاستغلال النساء والفتيات والاتجار بهن وتشييئهن، يمثل في هذا السياق قمة القوة لمن يملكون المال والنفوذ والوجاهة الاجتماعية، كما أن إخضاع إنسان آخر للرغبات الشخصية وتحطيم كرامته، هو إعلان عضوية في ناد مغلق لمن يرون أنفسهم فوق القانون.
وتشير مالك إلى أن رسائل إبستين الإلكترونية تكشف بوضوح هذا المنطق، حيث تُستخدم كراهية النساء كأداة استعراض للنفوذ، فالإشارات الفجة إلى أجساد النساء، ووصفهن بألفاظ مختزلة ومهينة، ليست مجرد لغة منحطة، بل شيفرة متعمدة للتفاخر بالانتماء إلى دائرة حصرية من أصحاب القوة.
وتؤكد أن ما سمح باستمرار هذه الممارسات هو مناخ أوسع من الإفلات من العقاب، حيث لم تمنع إدانة إبستين من احتفاظه بعلاقاته، ولم تمنع مقربيه من تولي مناصب رفيعة، من بينها منصب سفير
بريطانيا لدى
الولايات المتحدة.
وتلفت إلى أن المتورطين لجؤوا لاحقا إلى أعذار متشابهة: الجهل، أو الخداع، أو عدم إدراك حجم الفضيحة، فيما صدق بعضهم روايات مجرم مدان، وصدق آخرون تبريرات رجل أجبر سابقا على الاستقالة مرتين من الحكومة، لكنه واصل علاقته بإبستين حتى بعد إدانته.
وبعد انكشاف الوقائع، يظهر الندم، بحسب الكاتبة لكنه ندم ناقص، فقول مورغان ماكسويني في رسالة استقالته من رئاسة ديوان كير ستارمر إن "قرار تعيين بيتر ماندلسون كان خاطئا"، يوحي بأن الأمر مجرد زلة تقدير. بينما ترى مالك أن ما يندم عليه هؤلاء حقًا ليس القرار بحد ذاته، بل عدم إدراكهم أن إساءة معاملة النساء والفتيات ستُؤخذ هذه المرة على محمل الجد.
وتشير الكاتبة إلى أن عالم الفساد تحكمه قواعده الخاصة، ومعاييره المنفصلة عن المجتمع.
وتلاحظ تشابها واضحا بين طريقة عمل إبستين وماندلسون، بوصفهما وسطاء محاباة وميسرين للشبكات المغلقة والعلاقات القبلية والتواطؤ الأخوي، وفي هذا العالم، لا تعد الخطيئة في الفعل نفسه، بل في الإخلال بتوازن المصالح وعدم رد الجميل، وهو ما يظهر في رسالة إبستين التي اتهم فيها ماندلسون بالأخذ دون العطاء.
وترى مالك أن الضحايا، سواء كن من النساء أو القانون أو الرأي العام، ينظر إليهم في هذه المنظومة كعناصر بعيدة أو حتى معادية، يجب عزلها عن شبكة السلطة المتبادلة. ومن هذا المنظور، يصبح تعيين ماندلسون في الحكومة البريطانية حلقة طبيعية في نظام مصمم للالتفاف على القواعد وحماية أعضائه عبر التعزيز المتبادل.
وتؤكد أن القرار لم يكن يهدف فعليًا إلى ضمان وجود شخصية موثوقة في
واشنطن، بل إلى توظيف رجل بارع في نسج العلاقات وتبادل المصالح وتعزيز دائرة مغلقة من النفوذ، مستفيدا من قدرته على التحرك بين الأوساط المؤثرة دون حرج أخلاقي.
وتلفت إلى أن الأوصاف التي لاحقت ماندلسون مثل "أمير الظلام" و"سيد الفنون المظلمة" لم تكن انتقاصًا منه، بل شكلًا من أشكال الإعجاب الإعلامي والسياسي بقدرته على استخدام أي وسيلة لتحقيق أهدافه.
وفي هذا السياق، ترى مالك أن حزب العمال، المعروف بتشديده على ملاحقة المعارضين الداخليين وتصفية المرشحين، وجد في هذا النمط من الشخصيات عنصرًا مناسبًا لثقافة تعتبر احتكار السلطة غاية وضرورة في آن واحد.
وتخلص الكاتبة إلى أن تعيين ماندلسون، رغم التساؤلات العلنية والخاصة، عكس إصرارا على ازدراء من هم خارج الدائرة الضيقة، وترسيخ فكرة أن القيادة تملك الحق في التصرف وفق مصالحها السياسية، بغض النظر عن الاعتبارات الأخلاقية.
ويشير المقال إلى كير ستارمر نفسه، الذي يقدّم باعتباره رجلا نزيها ومتعاطفا مع الضحايا، لكنه اتخذ قرارا واعيا بالتقليل من شأن علاقات ماندلسون بإبستين.
وترى أن تبرير هذا القرار بالبراغماتية السياسية يوحي بأن الأخلاق البديهية لا مكان لها في عالم السياسة المعقّد، وهو طرح ترفضه الكاتبة، مؤكدة أن بعض القضايا الأخلاقية واضحة ولا تحتمل الالتباس، فقرار ستارمر قد يُوصَف بأنه قصير النظر أو غير حكيم، لكنه لا يمكن وصفه بأنه غير محسوب، لأن قيمة ماندلسون السياسية كانت، عمليًا، أعلى من علاقته بأشهر متحرش جنسي بالأطفال في العالم، وبالتالي أعلى من قيمة الضحايا أنفسهن.
وتختم مالك بأن دائرة معارف إبستين ضمت أشخاصًا لم يجدوا في الارتباط به سببا كافيا للتخلي عن الامتيازات التي يوفرها، وأن الحديث عن أخلاق مجردة يفصل الفعل عن النية والشخصية هو تضليل.
وترى أن ما يجري اليوم من محاولات احتواء للأزمة لا يمحو بشاعتها المنتشرة في ملايين الوثائق، ولا الكلمات الفجة، ولا الضحايا الصغار، ومع أن المساءلة جاءت متأخرة، فهي أفضل من غيابها، لكنها تظل ناقصة ما لم تُرافقها محاسبة أوسع للانفصال العميق بين المبادئ والسياسة، ذلك الانفصال الذي غذاه ولاء مزمن لـ"الكبار" وإعجاب أعمى بقسوتهم في السعي إلى السلطة، وهو الحصاد المر لهذه المنظومة.