هكذا يمارس الاحتلال سياسته لملاحقة المنظمات الإنسانية.. هذه أهدافه

حملة شرسة ضد المنظمات الدولية في غزة والضفة- الأناضول
رغم توقف الحرب الدموية على غزة، ما زالت حكومة الاحتلال تمارس نفوذها على منع المنظمات الإنسانية من العمل في القطاع، وفي الوقت ذاته منعهم من دخول المواطنين الأجانب الذين ينتقدون سياستها تجاه الفلسطينيين إلى الأراضي المحتلة منعًا باتًا، بهدف منع الشهود المحايدين من دول ثالثة من مشاهدة جرائمها بأم أعينهم، ونقل ما رأوه إلى العالم.

لي كاسبي الناشطة الحقوقية لدى جمعية أطباء من أجل حقوق الإنسان، ذكرت أن "الضربة القاضية جاءت عندما قررت الحكومة إلغاء تسجيل 37 منظمة دولية، تقدم المساعدات، وتدير مشاريع في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد اتُخذ القرار من قبل لجنة وزارية مشتركة جديدة برئاسة وزارة شؤون الشتات، حيث شُكّلت العام الماضي عقب تعديل قانون الدخول للأراضي المحتلة، وتتطلب هذه العملية من المنظمات الدولية العاملة فيها إعادة التسجيل، بما يشمل مراجعة بياناتها العامة، وبتقديم بيانات شخصية لجميع موظفيها الفلسطينيين".

وأضافت كاسبي في مقال نشره موقع زمان إسرائيل، وترجمته "عربي21" أن "هذا الشرط يُعرِّض العاملين للخطر، فخلال الحرب المدمرة على غزة، قُتل 1700 من العاملين في المجال الطبي والإنساني، وسعيًا منها للحفاظ على قدرتها على العمل في الأراضي المحتلة، سعت بعض المنظمات، مثل أطباء بلا حدود، جاهدةً لإيجاد حلول مُتفق عليها مع الحكومة، وقد طلبت التزامًا رسميًا بأن تُستخدم المعلومات فقط لأغراض إدارية مُعلنة، وأن تحتفظ المنظمة بسلطة اتخاذ القرارات المتعلقة بالموظفين، لكن اللجنة الوزارية لم تتعاون".

وأوضحت كاسبي أن "العواقب المباشرة لإلغاء التسجيل بمنع دخول العاملين غير المحليين من تلك المنظمات إلى الأراضي المحتلة، ومنع دخول المساعدات إلى غزة والضفة الغربية، تتمثل بأضرار بالغة بالعمل الإنساني، وحسب بيانات منظمة أطباء بلا حدود، فقد قدمت 800 ألف استشارة طبية في غزة عام 2025، ورافقت ثلث الولادات، ووفقاً لبيانات منظمة "أنقذوا الأطفال"، التي أُلغي تسجيلها أيضاً، فقد ساعدت منذ أكتوبر 2023 نحو 812 ألف طفل في غزة، ووفرت لهم مستلزمات المواليد الجدد، ومنتجات النظافة النسائية".

وأكدت الناشطة أنه "حتى قبل سريان إلغاء التسجيل، بدأت سلطة الهجرة بمنع ممثلي المنظمات المنتقدة من دخول الأراضي المحتلة، وفي الأشهر الأخيرة، مُنع موظفو 4 منظمات ومؤسسات دولية، تدعم المنظمات غير الحكومية الإسرائيلية المنخرطة في النضال ضد إسرائيل وانتهاكات حقوق الإنسان، من الدخول".

وأشارت كاسبي  إلى أن "وزير شؤون الشتات، عميحاي شكلي، نشر مؤخرا مقطع فيديو على موقع التواصل الاجتماعي "إكس" يتباهى فيه بمنع دخول وفد من منظمة "شهود عيان فلسطين"، ويصف توجيهاً جديداً لمنع دخول ممثلي المنظمات الدولية التي تُعتبر مواقفها "معادية لإسرائيل".

وأكدت أن "سلطة السكان والهجرة تستخدم النهج نفسه ضد الأكاديميين، وهذا التوجه، الذي اكتسب زخماً منذ حرب أكتوبر 2023 بفترة طويلة، يعود إلى عام 2017، حيث أُقرّ تعديل على قانون دخول إسرائيل، يسمح بدخول الأجانب الذين يدعون للمقاطعة، حيث استُخدم هذا التعديل ضد عمر شاكر، الذي شغل آنذاك منصب مدير قسم فلسطين وإسرائيل في هيومن رايتس ووتش".


وأضافت أنه "دون الحاجة لأي تعديلات قانونية محددة في هذا الشأن، تمنع إسرائيل دخول المقررين الخاصين للأمم المتحدة، وموظفي بعض وكالاتها، وبجانب تقييد الدخول عبر المعابر الحدودية، يمنع حرية الصحافة الدولية في منطقتنا عبر وسائل مختلفة، منها "قانون الجزيرة" الذي أُقرّ عام 2024 ويمنع بثّها، فضلاً عن منع دخول الصحفيين الأجانب إلى قطاع غزة بشكل عام، باستثناء جولات محددة قليلة برفقة الجيش".

وأكدت كاسبي  أنه "مع إلغاء التسجيل، يتزايد التعتيم الإعلامي على القطاع، والآن، لن يتمكن سوى الفلسطينيين أنفسهم، من الجائعين والجرحى والنازحين، من الإبلاغ عما يحدث لهم، فيما أعلنت إسرائيل أن العديد من منظمات حقوق الإنسان هي "إرهابية"، وأغلقت مكاتبها، حيث فحصت أجهزة الاستخبارات والوكالات الحكومية الأمريكية والأوروبية المواد التي استند إليها الإعلان، ووجدت أنها لا أساس لها من الصحة، لكن الإعلان لا يزال ساري المفعول في النظام القانوني الإسرائيلي".

وأشارت كاسبي  إلى أن "وضعنا نحن، كمنظمات حقوقية ومناهضة لإسرائيل مسجلة فيها، مقلق للغاية، وهناك مخاوف كبيرة من أن نكون التاليين في قائمة الضحايا، لأننا نواجه صعوبات جمة مع النظام المصرفي الإسرائيلي، ونُمنع من إرسال المساعدات إلى غزة، وفي الوقت نفسه، بدأ مسجل المنظمات غير الربحية بفتح تحقيقات ضد هذه المنظمات، ولأسباب مختلفة، بعضها مجهول، يُضاف إليه التعديل المقترح لقانون الجمعيات، الساعي لفرض ضريبة على جزء كبير من التبرعات التي تُمكّننا من الاستمرار".

تؤكد هذه السطور أن التوجهات الإسرائيلية تقضي بإسكات الأصوات الناقدة من الخارج، وتستبعدها من الساحة، ولم يتبقَّ سوى القليل من الوقت لمحاولة إيقافها، وفي غياب شهود على الجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين، أو مناصريهم، يُمكن الافتراض أن آليات القمع والتقييد ماضية في الفرض والتنفيذ.