نشر موقع "
ذا كونفيرزيشن" مقالا لثلاثة باحثين في جامعة شيفيلد البريطانية، كشفوا فيه أن إصابات
الدماغ الناتجة عن الانفجارات قد تحدث حتى دون أن يتعرض
الرأس لضربة مباشرة، محذرين من أن كثيرا من هذه الإصابات تمر دون تشخيص لأن الفحوصات الطبية القياسية قد تبدو “طبيعية” رغم استمرار الأعراض لسنوات.
وأوضح كل من أرشد ماجد أستاذ علم
الأعصاب الوعائي الدماغي في كلية الطب والصحة العامة بجامعة شيفيلد، وفايفر فيليكس-إيليمهينبهيو الباحثة المتخصصة في العلاج الجيني لأمراض الأوعية الدموية الدماغية في معهد شيفيلد لعلوم الأعصاب الانتقالية (SITraN)، وكلوديا كوتشي عالمة البيولوجيا الجزيئية والباحثة في مؤسسة أبحاث السرطان بالمملكة المتحدة (ARUK)، أن موجة الضغط الناتجة عن الانفجار قادرة على اختراق الجسم والجمجمة خلال أجزاء من الثانية، ما قد يؤدي إلى تشوّه أنسجة الدماغ والأوعية الدموية على طول مسارها.
وأشار الباحثون إلى أن هذه الظاهرة تعد شائعة بين الجنود الذين يتعرضون للعبوات الناسفة أو الانفجارات العسكرية، وكذلك بين المدنيين الذين قد يتعرضون لانفجارات في الحوادث الصناعية أو مناطق النزاع أو الهجمات الإرهابية أو أعمال الهدم، مؤكدين أن الآثار العصبية قد تكون طويلة الأمد حتى عندما لا تظهر مؤشرات واضحة في التصوير الطبي الروتيني.
وبين المقال أن كثيرا من الناس يربطون إصابات الدماغ الرضية بحوادث مباشرة مثل السقوط أو حوادث المرور أو الإصابات الرياضية، حيث يتحرك الدماغ فجأة داخل الجمجمة وتظهر كدمات أو تلف موضعي غالبا في الصور المقطعية.
لكن إصابات الانفجار، وفق الباحثين، تختلف في آليتها، إذ ينتقل الارتفاع والانخفاض السريع في الضغط عبر الجمجمة والسائل المحيط بالدماغ، مولدا قوى ميكانيكية معقدة تمد أنسجة الدماغ وتجهدها، وهو ما يجعل الإصابة ممكنة حتى دون ارتطام مباشر بالرأس.
ولفتوا إلى أن التعرض للانفجارات لا يؤدي عادة إلى إصابة واحدة واضحة، بل يتسبب في أضرار مجهرية واسعة النطاق، يمكن أن تعطل التواصل بين خلايا الدماغ، وتؤثر في الأوعية الدموية التي تحافظ على صحة الأنسجة الدماغية.
وأكد المقال أن التعامل الطبي مع هذه الإصابات غالبا ما يتم بالطريقة نفسها التي يعالج بها الارتجاج أو إصابات الرأس التقليدية، غير أن تجاهل عنصر تلف الأوعية الدموية قد يؤدي إلى التقليل من خطورة الإصابة وتأثيراتها طويلة المدى.
ودعا الباحثون إلى استخدام أدوات تشخيص أكثر حساسية، مثل التصوير المتقدم وفحوصات الدم المتخصصة، لأنها قد تساعد على اكتشاف تلف الأوعية الدموية الدقيقة، وتسمح بوضع خطة علاج أدق تستهدف تقليل الالتهاب وحماية الدورة الدموية الدماغية وتوفير رعاية طويلة الأمد مناسبة.
وأشار المقال أيضا إلى أن إصابات الانفجار قد تعطل نظام إزالة الفضلات في الدماغ، وهو النظام الذي يتخلص عادة من البروتينات الضارة والفضلات الأيضية، محذرين من أن هذا الخلل قد يزيد احتمال ظهور أعراض ما بعد الارتجاج طويلة الأمد وربما يرفع خطر الإصابة بأمراض تنكسية عصبية.
وأوضح الباحثون أن الأوعية الدموية في الدماغ تُعدّ من أكثر الأجزاء عرضة للخطر في هذا النوع من الإصابات، بسبب رقة جدرانها ومرونتها، إذ يمكن أن يؤدي التغير السريع في الضغط إلى تمددها بما يفوق قدرتها على التحمل، مسبباً تمزقات دقيقة وإضعاف “حاجز الدم الدماغي” الذي يمنع عادة المواد الضارة في مجرى الدم من الوصول إلى أنسجة الدماغ.
وحذروا من أن تلف هذا الحاجز قد يسمح بتسرب خلايا وبروتينات التهابية إلى الدماغ، ما يؤدي إلى التهاب طويل الأمد يعطل وظائفه الطبيعية، ويسهم مع مرور الوقت في أعراض مثل الصداع، وضعف الذاكرة، وصعوبة التركيز، وبطء التفكير، وتقلبات المزاج، والإرهاق.
ولفت المقال إلى أن من أكثر التجارب إحباطا للمصابين أن تخبرهم المؤسسات الطبية بأن نتائج التصوير المقطعي أو الرنين المغناطيسي “طبيعية”، بينما تستمر الأعراض، موضحا أن تقنيات التصوير القياسية ممتازة في كشف الكسور والنزيف والتلف واسع النطاق، لكنها غالبا تعجز عن رؤية التغيرات المجهرية التي تميز إصابات الانفجار.
وأكد الباحثون أن هذا التباين بين الأعراض ونتائج الفحوصات قد يؤدي إلى تأخير التشخيص وتعقيد إعادة التأهيل، وفي بعض الحالات قد يؤثر على حصول المصابين على الدعم أو التعويض المناسب.
وفي ختام المقال، أوضح الباحثون أن الدراسات طويلة الأمد بدأت تكشف كيف يمكن للتلف المبكر في الأوعية الدموية أن يتطور لاحقا إلى مشكلات عصبية مزمنة، مشددين على أن التقدم في فهم هذه الإصابات يتطلب تعاونا وثيقا بين علماء الأعصاب والأطباء وخدمات الطوارئ وصناع السياسات.
وأكدوا أن الاعتراف بإصابات الانفجار بوصفها شكلا مميزا من إصابات الدماغ، خصوصا تلك التي تستهدف الأوعية الدموية، يمثل خطوة حاسمة نحو تحسين الرعاية المقدمة للمتضررين والحد من آثارها بعيدة المدى.