وفاة الحقوقية الأمريكية جيسي جاكسون عن 84 عاما

من جرينفيل إلى واشنطن.. رحلة جاكسون من احتجاجات الفصل العنصري إلى سباق الرئاسة - الصفحة الرسمية "إكس"
أعلنت أسرة الناشط الحقوقي والسياسي الأمريكي البارز جيسي جاكسون، الثلاثاء، وفاته عن عمر ناهز 84 عاما، بعد مسيرة امتدت لعقود في حركة الحقوق المدنية والسياسة الديمقراطية في الولايات المتحدة.

وقالت العائلة في بيان إن جاكسون كان "قائدا خادما، ليس فقط لعائلتنا، وإنما أيضا للمضطهدين والمهمشين حول العالم"، مضيفة: "كان والدنا قائدا ملهما، ليس فقط لعائلتنا، بل للمظلومين والمهمشين في جميع أنحاء العالم. لقد شاركناه مع العالم، وفي المقابل، أصبح العالم جزءا من عائلتنا الكبيرة. لقد ألهم إيمانه الراسخ بالعدالة والمساواة والمحبة الملايين، وندعوكم إلى تكريم ذكراه بمواصلة النضال من أجل القيم التي عاش من أجلها".

وكان جاكسون، وهو قس معمداني بارز وخطيب مفوه، قد عانى خلال أكثر من عقد من مرض الشلل فوق النووي المترقي (PSP)، بعدما شُخّص في البداية بمرض "باركنسون"، كما أدخل المستشفى مرتين خلال السنوات الماضية بسبب إصابته بفيروس كورونا.

مرشح رئاسي مرتين

وبرز جاكسون منذ ستينيات القرن الماضي كأحد أهم وجوه حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وكان مقربا من الزعيم الراحل مارتن لوثر كينغ جونيور، قبل أن يترشح مرتين لنيل ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة.

وفي مقابلة مع صحيفة "الغارديان" في أيار/مايو 2020، استعاد جاكسون بدايات ترشحه للرئاسة، قائلا:
"كنت رائدا، مستكشفا للطريق. كان علي أن أواجه الشكوك والتشاؤم والمخاوف من ترشح شخص أسود. حتى أن بعض الباحثين السود كتبوا أبحاثا حول سبب إضاعتي لوقتي. بل إن السود أنفسهم قالوا إن فوز شخص أسود مستحيل".

وأضاف بعد مرور 12 عاما على تجربته: "لقد كانت لحظة تاريخية فارقة". وبعد 20 عاما، أشاد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بجاكسون، واعتبره من الشخصيات التي مهدت الطريق لفوزه كأول رئيس أسود للولايات المتحدة، خلال احتفالاته في شيكاغو، مسقط رأس جاكسون.

"تفوق العرق الأبيض"

وخلال جائحة كورونا، قاد جاكسون حملة ضد التفاوت في الرعاية الصحية ونتائجها، متسائلا: "بعد 400 عام من العبودية والفصل العنصري والتمييز، لماذا يفاجأ أحد بوفاة الأمريكيين من أصل إفريقي بنسبة غير متناسبة بسبب فيروس كورونا؟".

كما صرح بأن جميع الرؤساء السابقين فشلوا في "القضاء على فيروس تفوق العرق الأبيض ومعالجة القضايا المتعددة الأوجه التي تواجه الأمريكيين من أصل إفريقي".

من جرينفيل إلى ساحات الاحتجاج

ولد جيسي جاكسون في 8 تشرين الأول/أكتوبر 1941 في مدينة جرينفيل بولاية ساوث كارولاينا، ونشأ في جنوب الولايات المتحدة خلال حقبة الفصل العنصري، ما دفعه للانخراط في السياسة والعمل العام مبكرا.

وانتخب رئيسا لصفه في مدرسة "ستيرلينغ الثانوية" المخصصة للطلاب السود، وبرز في الألعاب الرياضية، قبل أن يحصل عام 1959 على منحة دراسية لكرة القدم في جامعة إلينوي.

وعرض فريق "شيكاغو وايت سوكس" على جاكسون مكانا في فريق البيسبول، لكنه اختار التركيز على دراسته.

وخلال عطلة الشتاء في سنته الجامعية الأولى، عاد إلى جرينفيل وحاول استعارة كتاب من مكتبتها العامة التي كانت مخصصة للبيض فقط، إلا أن طلبه رفض، وهو ما ترك أثرا عميقا في نفسه.

وبعد أشهر، وفي 16 تموز/يوليو 1960، شارك جاكسون مع سبعة طلاب من أصول إفريقية في احتجاج سلمي داخل مكتبة جرينفيل، حيث تصفحوا الكتب وقرأوا داخلها، قبل أن يتم اعتقالهم بتهمة الإخلال بالنظام العام.

وعرفت المجموعة لاحقا باسم "مجموعة جرينفيل الثمانية"، ثم أفرج عنهم بكفالة قدرها 30 دولارا.

وبعد دعوى قضائية اتحادية، حكم قاض بحقهم في استخدام المؤسسة العامة، لتتحول مكتبات جرينفيل إلى نظام جامع في أيلول/سبتمبر 1960.

اللاهوت والعمل الحقوقي

لم يعد جاكسون إلى جامعة إلينوي بعد عامه الأول، بل انتقل إلى كلية نورث كارولاينا الزراعية والتقنية في جرينسبورو، وهي كلية تاريخية للسود، حيث واصل لعب كرة القدم، وانتخب رئيساً لمجلس الطلاب، كما شغل منصب المسؤول الوطني في أخوية "أوميجا بسي فاي".

وخلال دراسته لعلم الاجتماع، واصل نشاطه بالمشاركة في اعتصامات داخل مطاعم جرينسبورو.

وخلال تلك المرحلة، التقى زوجته جاكلين، التي تزوجها عام 1962، وأنجب منها خمسة أبناء، قبل أن ينجب طفلته السادسة من علاقة ثانية.

كما التقى مارتن لوثر كينغ لأول مرة في مطار أتلانتا في أوائل الستينيات، بعدما كان كينغ يتابع نشاطه الطلابي عن بعد لسنوات.

وفي عام 1964، التحق جاكسون بمعهد "شيكاغو اللاهوتي"، وواصل نشاطه في حركة الحقوق المدنية، وسافر إلى سيلما في ألاباما بعد أحداث "الأحد الدامي"، حيث قاد كينغ مسيرة سلمية قبل أن تتعرض للضرب على يد قوات الأمن.

وأعجب كينغ بقيادة جاكسون في سيلما، فعرض عليه منصبا في منظمة مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية (SCLC) التي شارك في تأسيسها.

"سلة الخبز" وشهادة اغتيال كينغ

وبعد عامين، علق جاكسون دراسته اللاهوتية ليتفرغ لبرنامج "عملية سلة الخبز" التابع لـ(SCLC)، وهو برنامج ركز على العدالة الاقتصادية عبر الضغط على الشركات لتوظيف المزيد من السود من خلال المفاوضات والمقاطعات.

وفي عام 1967، أصبح جاكسون المدير الوطني للبرنامج، ثم رسم قسا بعد عام.

وقال كينغ خلال اجتماع للبرنامج عام 1968: "كنا نعلم أنه سيؤدي عملا جيدا، لكنه تجاوز ذلك بكثير".

وفي الرابع من نيسان/أبريل 1968، شهد جاكسون اغتيال كينغ من أسفل شرفة فندق "لورين" في ممفيس بولاية تينيسي، وهي لحظة ظلت راسخة في ذاكرته طوال حياته.

وبعد وفاة كينغ، واصل جاكسون العمل في مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية حتى عام 1971، حين أسس منظمة "الشعب المتحد لإنقاذ الإنسانية" (Push) لتحسين الأوضاع الاقتصادية للأمريكيين من أصل إفريقي.

السباق الرئاسي

وفي عام 1984، أطلق جاكسون حملته لنيل ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة، ليصبح ثاني شخص أسود يخوض سباقا رئاسيا وطنيا بعد شيرلي كريشولم.

وبعد حملته الأولى، أسس "التحالف الوطني لقوس قزح" للدفاع عن حقوق التصويت والبرامج الاجتماعية، ثم دمج لاحقا منظمتيه في ائتلاف "رينبو بوش" متعدد الأعراق، والذي ركز على المساواة التعليمية والاقتصادية.

وبحسب موقع الائتلاف الإلكتروني، فقد قدم على مر السنين منحا جامعية تجاوزت قيمتها 6 ملايين دولار، إضافة إلى مساعدات مالية لأكثر من 4 الاف عائلة مهددة بفقدان منازلها.

وفي عام 1988، ترشح جاكسون للمرة الثانية، وحقق أداء قويا، لكنه خسر أمام مايكل دوكاكيس، الذي هُزم لاحقاً أمام جورج بوش الأب في الانتخابات العامة.

وفي عام 2000، منح الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون جاكسون وسام "الحرية الرئاسي"، تقديرا لمسيرته الطويلة في توسيع الفرص المتاحة للأمريكيين الملونين.

وظل جيسي جاكسون، وفق مراقبين، واحدا من أبرز الوجوه التي واصلت إرث مارتن لوثر كينغ، وبقي في طليعة حركة الحقوق المدنية العالمية لأكثر من نصف قرن، وصولا إلى مرحلة انتخاب دونالد ترامب وصعود حركة "حياة السود مهمة".