غزة تحت الإدارة المصرية.. بين الدفاع عن فلسطين وبناء صرح قومي.. كتاب جديد

قطاع غزة مثل امتداداً جغرافياً وسكانيا له أهميته الاستراتيجية داخل الأراضي المحتلة في فلسطين، يهدد جناح الجبهة الجنوبية للجيش الإسرائيلي الأيمن تهديداً خطيراً..
الكتاب: قطاع غزة تحت الإدارة المصرية  (1957-1967).
المؤلف: محمود عبد الحي الديب.
الناشر: دار الجندي للنشر والتوزيع- القدس، عام2026م.
عدد الصفحات: 199 صفحة. 


يعد هذا الكتاب استكمالاً لدراسة سابقة وضعها الكاتب حول قطاع غزة تحت الإدارة المصرية خلال الفترة 1949-1956م، وتعد الفترة الثانية من حكم الإدارة المصرية 1957 ـ 1967م، من الفترات التاريخية والسياسية التي مازال لها تأثيرها على مسار القضية الفلسطينية، وبرزت فيها القومية العربية، وكشفت فيها دولة الاحتلال عن نواياها تجاه فلسطين والدول العربية المجاورة، والموقف الغربي الداعم لدولة إسرائيل في تمددها وسلبها للمزيد من الأراضي الفلسطينية، وممارسة الانتهاكات المخالفة للقانون الدولي ضد الإنسانية في فلسطين، الذي كان لمصر منها موقف حازم لإدراكها الموقف الخطر المحدق بالقضية الفلسطينية، حيث كثفت مصر مساعيها لجمع شتات الفلسطينيين على أرض قطاع غزة.

حاولت إسرائيل تهويد قطاع غزة سياسياً وعسكرياً ودينيا واقتصادياً، ولكنها لم تصبوا إليه، وذلك بفضل أهالي قطاع غزة وموظفي الإدارة المصرية الذين ظلوا داخل قطاع غزة فترة الاحتلال الإسرائيلي، فقاموا بمؤازرة أهالي القطاع وتضميد جراحهم، وتقديم ما لديهم من رعاية"، وشاركت الإدارة المصرية أبناء فلسطين في إدارة قطاع غزة للحفاظ على عروبته وقوميته، وقد تم رفع العلم الفلسطيني بجوار العلم الفلسطيني في قطاع غزة خلال فترة الإدارة المصرية.

الأوضاع الإدارية والسياسية في ظل الإدارة المصرية:

غيّر العدوان الثلاثي عام 1956م، مجريات الأحداث بالنسبة للموقف المصري من القضية الفلسطينية، وكيفية التعامل مع دولة الاحتلال، لذا اتجهت السياسية المصرية، إلى تقوية وتدعيم قطاع غزة وبناء مؤسساته؛ لكي تؤسس على أرضه الدولة الفلسطينية لحين استكمال تحرير الأراضي الفلسطينية، وأيضا إقامة الكيان السياسي الفلسطيني للم شمل الفلسطينيين سواء في الداخل أو الخارج، لقد رأت الحكومة المصرية؛ الإسراع في العودة إلى قطاع غزة، إلى ما قبل ما كان قبل عدوان 29 أكتوبر عام 1956م، وذلك إزاء تواتر الأحداث وتلاحقها في قطاع غزة من قبل الأمم وقوات الطوارئ الدولية والحكومة الإسرائيلية ومحاولات تدويل قطاع غزة ثم إلحاقه بإسرائيل؛ لذلك أصدر جمال عبد الناصر الرئيس المصري رقم 253 لعام 1957م، بتعيين محمد حسن عبد اللطيف رئيس هيئة التسليح بالجيش المصري، حاكمً إدارياً  لقطاع غزة، بدلاً من اللواء محمد فؤاد الدجوي، لتبدأ مرحلة جديدة من حكم الإدارة المصرية لقطاع غزة، الذي يعد بمثابة خط الدفاع الأول عن الجبهة الشرقية لمصر وجزءاً من الأمن القومي المصري( ص12).

شجعت الإدارة المصرية أبناء القطاع ودعمت محاولاتهم الاتحادية وجهودهم التنموية لعقد المؤتمر الوطني على أرض اليرموك في 7 مارس 1959م، لتشكيل الاتحاد القومي العربي الفلسطيني، بهدف تحقيق رسالة القومية العربية وبناء مجتمع اشتراكي ديمقراطي تعاوني، ينظم أبناء فلسطين لتعبئة جهودهم وطاقاتهم لتحرير المغتصب من وطنهم ومقاومة الصهيونية العالمية
كلف الرئيس المصري حيدر عبد الشافي رئيس المجلس التشريعي بقطاع غزة، لإعداد مسودة الدستور، لينشب خلاف حاد بين الحاكم الإداري العام وحيدر عبد الشافي حول أن قطاع غزة وطن لكل الفلسطينيين، ورأى عبد اللطيف أن عبد الشافي يريد جمع الشتات الفلسطيني من سوريا ولبنان والضفة الغربية في قطاع غزة، فعبد الشافي يرى بأن ذلك أمر سياسي يتعلق بكون قطاع غزة قطعة الأرض الفلسطينية الوحيدة التي ترفع العلم الفلسطيني، واستطاع اقناع عبد الناصر برأيه.

شجعت الإدارة المصرية أبناء القطاع ودعمت محاولاتهم الاتحادية وجهودهم التنموية لعقد المؤتمر الوطني على أرض اليرموك في 7 مارس 1959م، لتشكيل الاتحاد القومي العربي الفلسطيني، بهدف تحقيق رسالة القومية العربية وبناء مجتمع اشتراكي ديمقراطي تعاوني، ينظم أبناء فلسطين لتعبئة جهودهم وطاقاتهم لتحرير المغتصب من وطنهم ومقاومة الصهيونية العالمية(ص24).

يؤكد المؤلف: "نتيجة للتحول الذي شهده المجتمع الفلسطيني في تركيبته الاجتماعية بناء على التحول السياسي، الذي خضع معه قطاع غزة للإدارة المصرية، فقد ارتبط أهالي بالإدارة المصرية، وذلك لصعود نجم مصر بعد مشروعات الوحدة القومية العربية، وحصول مصر على أسلحة حديثة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، مما أثر على شعبية الإخوان داخل قطاع غزة ودفعهم إلى الانتقال إلى العمل السري".

وجد ياسر عرفات في سياسة عبد الناصر عام 1962م، تأييداً وتشجيعاً ليعلن النظام الدستوري لقطاع غزة، بأنه ليس هناك قاعدة ثابتة لتحرير فلسطين، لذا على الفلسطينيين أينما كانوا يفكروا في الاعتماد على أنفسهم في تحرير وطنهم، وبذلك قرر عرفات، وآخرون أن الوقت قد حان لدفع الأمة العربية تجاه الصراع مع إسرائيل، وكان عاملاً رئيساً في حسم الموقف تجاه القضية الفلسطينية، وبذلك حثت الأزمات على المسؤولية المباشرة تجاه القضية الفلسطينية( ص35).

محاولات إنهاء الإدارة المصرية من قطاع غزة:

ظهرت محاولات قلب نظام الحكم في غزة، وكان الغرض منه إنهاء وجود الإدارة المصرية وتصفية القضية الفلسطينية، وهذا ما تنبهت إليه الإدارة المصرية، حينما حاولت المملكة الأردنية الهاشمية قلب تصفية الوجود المصري، إذ اتفق سعدي سعيد الشوا من ملاك قطاع غزة، مع الملك حسين والمجالي ومدير المخابرات الأردنية لتصفية القضية قضية اللاجئين الفلسطينيين، عبر عمليات تشهير أمام الرأي العام والتهيئة للانقلاب، سواء لرئيس المصري عبد الناصر وعلاقاته مع ببن جوريون؛ إلا تلك المحاولات انكشفت قبل عملية التنفيذ( ص37).

جهود الإدارة المصرية في النشاط الاقتصادي:

تمتع قطاع غزة فترة الستينيات من القرن الماضي بوضع اقتصادي مزدهر مستفيداً من تسهيلات معينة في القيود التي كانت مفروضة في مصر على التجارة الخارجية؛ نتيجة لذلك أصبح قطاع غزة مركزا تجارياً وتسويقياً جاذبا للمصريين، كما ساعدت في دعم هذا الازدهار حركة الانفاق من جانب قوات الأمم المتحدة المتمركزة في القطاع.

من الجيد الإشارة هنا أنه لا توجد في قطاع غزة ثروة حيوانية؛ وذلك لضيق المساحة، وعدم وجود المراعي، ولذلك يستورد القطاع حاجته من اللحوم من الخارج، أما الثروة السمكية فهي قليلة أيضا على طوال سواحل القطاع لعدم وجود ميناء صالحة لحماية سفن الصيد الكبيرة في الأجواء العاصفة، ويقتصر الصيد على الزوارق الصغيرة، وتحكم إسرائيل في الملاحة الفلسطينية والعربية ورصد الكاتب أسباب التخلف الصناعي وأرجعه إلى نقص التمويل، وافتقار القطاع إلى الخامات الصناعية والمعدات والآلات والطاقة وغياب الخبرة الفنية والتنظيم والتخطيط.

يقول الكاتب: "رغم افتقار القطاع للمواد الخام الضرورية لإقامة منشئات صناعية فإن الحكومة المصرية أولت الصناعات المختلفة اهتماماً واضحاً، فخصصت مبالغ كبيرة من الميزانية النقدية للمشاريع الإنتاجية، ومنحت الكثيرين من المواطنين تسهيلات لتجهيز بعض المصانع لإقامة صناعات خفيفة كمعامل المياه الغازية والثلج والصابون والحلويات والأدوات المنزلية وصناعة المسامير وشباشب المطاط والأحذية والخيزران، مما ساعد على توفير هذه السلع محلياً وتشغيل عدد كبير من الأيدي العاملة ( ص57)

تمتع قطاع غزة فترة الستينيات من القرن الماضي بوضع اقتصادي مزدهر مستفيداً من تسهيلات معينة في القيود التي كانت مفروضة في مصر على التجارة الخارجية؛ نتيجة لذلك أصبح قطاع غزة مركزا تجارياً وتسويقياً جاذبا للمصريين، كما ساعدت في دعم هذا الازدهار حركة الانفاق من جانب قوات الأمم المتحدة المتمركزة في القطاع.
أصبح اقتصاد قطاع غزة هو اقتصاد السلعة الواحدة فقد بلغت نسبة الحمضيات حوالي 90% من اجمالي صادرات القطاع، وارتفع ما يصدره القطاع من نصف مليون صندوق عام 1960م، إلى مليون ونصف صندوق عام 1966م، لكن اليوم لا يوجد أي نوع من الحمضيات أو أشجار الزيتون التي جرفتها الآليات العسكرية خلال الحرب، مما فاقم من الظروف المعيشية وهندسة المجاعة خلال الإبادة والتطهير العرقي الإسرائيلي.

خضع التعليم في قطاع غزة إلى اشراف جهتين متمثلين في الأونروا، وتولت تأمين التعليم لأبناء اللاجئين، والحكومة المصرية حتى عام 1967م وتولت تعليم أبناء المواطنين من قطاع غزة، ووفرت الحكومة المصرية التعليم بمراحله الثلاثة، إلى جانب التدريب المهني على المستوى الثانوي وتدريب المعلمين في معهدين، واحد للشبان وآخر للفتيات، في حين وفرت الأونروا التعليم للمرحلتين الابتدائية والإعدادية فقط، ودفعت مبلغ مقطوعاً بقيمة150 ألف دولار للحكومة مقابل تأمين التعليم الثانوي لأبناء اللاجئين في مدراسها( ص96).

اتهم الكاتب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين برعاية حملات التبشيرية في صفوف أبنا الشعب الفلسطيني في قطاع غزة" ومما لا شك فيه أن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين لعبت دوراً في ذلك، وقد وصل الأمر إلى إقامة الكنائس ودور التبشير وعملت على التشكيك في العقيدة الإسلامية، ونشر الانحراف والفساد"، يضيف أن جماعة الإخوان المسلمين ساهمت مع القوميين العرب ووجهاء القطاع في العمل لصد هذه الأفكار، فكانت ولادة المعهد الديني الذي دعا إلى إنشائه كل من الشيخ محمد عواد ومنير الريس، عبد الرحمن الفرا " الذين توجهوا إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر لإنشاء المعهد الأزهري في غزة للتصدي للهجمة الشرسة للأفكار الغربية، ليتم افتتاحه عام1958م، ليكون له نشاط التعليم والديني والتثقيفي الموجه والتابع للأزهر الشريف في مصر.( ص119).

على الصعيد الصحي كان للإدارة المصرية الدور الريادي، وتلبية احتياجات القطاع من أطباء ومستشفيات وأدوية وأغذية المرضى، وتوفير الدعم لجمعية الهلال الأحمر، ومن ثم رأت حاجة القطاع الماسة لتأسيس المستشفيات، فتم افتتاح مستشفى ناصر عام 1959م بمدينة خانيونس، وتبعه مستشفى الشفاء بغزة، وتم تجهيزهما بالأسر والأدوات والمختبرات الصحية، يذكر أن هذا المستشفيان مازالا يعملان بقدراتهم المحدودة حتى الآن، وتعرضا للحصار والاقتحام والقصف المتواصل طوال حرب الإبادة الإٍسرائيلية على قطاع غزة 2023-2025م (ص123).

اللاجئون في مصر:

قامت دولة الاحتلال ما بين 7-12 سبتمبر 1959م، بطرد بعض البدو من عشيرة العزازمة من المنطقة المجردة من السلاح بالعوجا إلى سيناء، بعد أن أحرقت خيامهم وتمت مصادرة أدواتهم وما يملكونه من طعام وشراب، وقتل منهم الجيش الإسرائيلي عشرة أشخاص، وسلب المستوطنون مواشيهم، ومن ثم جرت مساعي أردنية لإعادة عرب عزازمة من إسرائيل إلى الأردن برعاية لجنة أردنية -إسرائيلية مشتركة على اعتبار أنهم ليسوا من سكان" فلسطين" لعدم اعتراف إسرائيل بهم، وأنهم جاءوا إليها من سيناء، بالتالي يجب اعادتهم إلى مناطقهم الأصلية، إلا أن الأردن أكدت أن من وصل الأردن من قبيلة العزازمة هم سكان المنطقة التي احتلتها إسرائيل، البالغ عددهم 700 شخص؛ لذلك قامت مصر بتجميعهم واسكانهم في معسكر تابع للقوات المسلحة المصرية ( ص134).

يقول  المؤلف: "على الرغم من اعتراف مندوب وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين بالقاهرة بأن بدو العزازمة الذين طردوا من الأراضي الفلسطينية ينطبق عليهم صفة اللاجئ، فإن الوكالة لم تقرر معاملة هؤلاء البدو معاملة باقي اللاجئين وتقديم المعونة الدائمة لهم، ولم تقبل اعتبارهم لاجئين؛ بحجة عدم انطباق تعريف اللاجئ عليهم، وعجز ميزانيتها وعدم اتساعها لإعالة أعداد جديدة من اللاجئين" (ص135).

السفينة (إنج توفت)

قامت إسرائيل بحملة دعائية كبيرة ضد مصر مع تيسير السفينة انج توفت عام 1959م، لكسر سياسة المقاطعة المصرية والعربية ضد إسرائيل في قناة السويس، الغرض منها تعريف بالباخرة ومحاولتها المرور بقناة السويس وتحقيق الهدف السياسي من وراء ذلك بعبورها القناة تكون قد حصلت على مكاسب سياسية وعسكرية، ووضع مصر في موقف حرج مع الدول العربية الشقيقة، وحال اعتراضها مرور السفينة يعني اتاحة الفرصة لإسرائيل بافتعال أزمة سياسية مع مصر، ومع فحص أوراق السفينة اتضح أنها سفينة تتبع لشركة أمريكية مستأجرة من ( انج توفت) التي تعود ملكيتها لشركتين إسرائيليتين.

قوات الطوارئ الدولية في غزة:

تواجدت قوات الطوارئ الدولية في الأراضي المصرية، للمساعدة في حفظ الهدوء أثناء انسحاب القوات الإسرائيلية والفرنسية الإنجليزية، وفق قرار الأممي رقم 1000 لعام 1956، بإنشاء قوة الطوارئ الدولي؛ لتنفيذ وقف اطلاق وانسحاب القوات الأجنبية من الأراضي المصرية، أما عن وظيفة القوات الدولية فيقول الكاتب:" كانت تنظيمية في المنطقة التي امتدت تقريبا من قناة السويس إلى خطوط الهدنة التي حددتها اتفاقية الهدنة بين مصر وإسرائيل"، ومن ثم تم تقسيم تواجد القوات في غزة إلى أربعة أقسام، الأول: الشمال حيث تواجدت الكتيبة الدنماركية والنرويجية، الثاني: يقع جنوب القسم الأول، وجدت فيه الكتيبة الهندية، وتوجد قيادتها في دير البلح، أما القسم الثالث فعسكرت فيه القوات الكولومبية وكانت قيادتها في خانيونس، بينما القطاع الرابع في رفح تديره الكتيبة السويدية، أما الكتيبة اليوغسلافية فتواجدت خارج رفح، وقد أنشئت مراكز أمامية لقوات الطوارئ الدولية على خط الهدنة، وانحصرت مهمتها في مراقبة خطوط الهدنة ليلاً ونهاراً والقيام بدوريات ليلية، ومنع المرور من الجانبين بدون ترخيص (ص164).

"سمح وجود قوات الطوارئ الدولية في الجانب المصري لإسرائيل بمراقبة النشاط العسكري في سيناء وقطاع غزة ومعرفة خرائط مواقع وضع الألغام، بينما منطقة الحدود التي في الجانب الإسرائيلي خارجة عن نطاق رقابة الأمم المتحدة مما لا شك فيه يؤثر في التوازن العسكري وعلى الحياد الذي كان يجب أن يكون في طابع قوة الطوارئ الدولية"
بلغ عدد تلك القوات ما يقارب من 5400شخص من الضباط وذوي الرتب الأخرى، بلغ تكلفتها 14.2 مليون دولار، لعام واحد وفقط، واشتكت الهيئة المشرف على القوات الدولية الدول المشاركة فيها اشتراكاتها أكثر من 41% من التزاماتها لتمويل القوة، حين رأت بعض الدول أن انتشارها كان خرقاً صريحاً لنصوص الميثاق التي تحتفظ لمجلس الأمن وحده بسلطة انشاء قوات مسلحة للأمم المتحدة، وأن نفقات الوكالة تقع على عاتق الدول الثلاث المسئولة عن العدوان الثلاثي على مصر عام1956م(ص167).

يضيف الديب: "سمح وجود قوات الطوارئ الدولية في الجانب المصري لإسرائيل بمراقبة النشاط العسكري في سيناء وقطاع غزة ومعرفة خرائط مواقع وضع الألغام، بينما منطقة الحدود التي في الجانب الإسرائيلي خارجة عن نطاق رقابة الأمم المتحدة مما لا شك فيه يؤثر في التوازن العسكري وعلى الحياد الذي كان يجب أن يكون في طابع قوة الطوارئ الدولية" (ص168).

لقد كان أول تفكير في سحب قوات الطوارئ الدولية عام 1966م، رغبة في وقف الحملة الشرسة ضد مصر من قبل الدول العربية" تعرضت مصر للوم من الأردن وبعض الدول العربية لأنهم اتهموها بأنها تختبئ خلف قوات الطوارئ الدولية، وذلك ما سمح لإسرائيل بأن تتلقي الإمدادات عبر خليج العقبة"، فقد رأى وصفي التل رئيس الوزراء الأردني أن قوات الأمم المتحدة تشكل عائق أمام الأهداف العربية، لكن جمال عبد الناصر رفض ذلك، معتبراً قطاع غزة في حالة نشوب عمليات عسكرية سيكون أول الأهداف التي ستوجه لها إسرائيل ضرباتها، وبذلك يصعب الدفاع عن القطاع عسكرياً، لأنه أشبه ما يكون بشريط ضيق على منحنى البحر وفي مقدور إسرائيل ان تقطعه وتعزله عن مصر ثم تحتله بضربة واحدة ( ص169).

انتهى قوات الطوارئ الدولية في قطاع غزة بإنزال علمها الأزرق عن مقارها بقرار من مجلس الأمن الدولي عام 1967م، قبيل اندلاع الحرب، من نقطة بيت حانون "ايريز"، ومن جميع النقاط الثمانية التي توزعت فيها حتى سيناء، ومن ثم تجمعت القوة في معسكر على التبة 88 شرقي مدينة غزة استعداد للرحيل بموجب قرار الأمم المتحدة بالانسحاب بهدوء ونظام ووقف عملياتها في فلسطين التي استمرت من عام 1957-1967م(ص173).

الهجوم على مدينة خانيونس:

مهد خروج قوات الطوارئ الدولية من قطاع غزة لاندلاع حرب عام 1967م، حينما أغلقت مصر مضيق التيران على البحر الأحمر الأمر الذي رفضته إسرائيل، افتعلت منه أزمة دولية بعد أن تنامى لها وجود حشود من الجيش المصري داخل سيناء، وقد أدركت مصر أهمية قطاع غزة في هذه الحرب؛ لأن سقوطه سيعني الكثير لمصر، ويؤثر على خططها الاستراتيجية، حيث أن القوات المخصصة له أضعف من أن تقف أمام هجوم إسرائيلي، لذلك رأي عبد الناصر ضرورة تقوية القطاع بقوات أكثر، وذات كفاءة قتالية تجبر إسرائيل على التفكير أكثر من مرة حيال مهاجمة قطاع غزة؛ بالفعل بدأت إسرائيل هجومها على رفح مع بداية الحرب بهجوم بحري على رفح والعريش، لعزل القطاع تم خلالها قصف المتبقي من قوات الطوارئ الدولية بالمدفعية الإسرائيلية، وفق خطة تال، لاختراق جبهة قطاع غزة في مدينة خانيونس، عبر عملية المنديل الأحمر أي الهجوم البري على الجبهة المصرية، واشتدت المقاومة المصرية للهجوم عند بني سهيلا، وأصبح من الصعب فتح طريق التقدم بالقوة، ولكن القوة الإسرائيلية لم تستطع اقتحام الموقع لأكثر من محاولة، حتى اضطر الجيش للانسحاب أمام المقاومة الفلسطينية للهجوم، ومعاودة الهجوم مرة أخرى بلواء احتياطي من المدرعات التي احكمت سيطرتها على خانيونس، بالسيطرة عليها سهل السيطرة على رفح أيضاً، لتأمين خلفية الجيش، ومنها انطلق القوات الإسرائيلية إلى مدينة غزة في هجوم مباغت التي تصدت لها قوات جيش التحرير الفلسطيني( ص184).

"بدأت أعمال المقاومة عندما افتتح بنك ديكسونت إسرائيل فرعا له في غزة، مع إقرار استعمال العملة الإسرائيلية في جميع المناطق المحتلة، ورد تجار المدينة بإغلاق متاجرهم احتجاجاً، ورفض المخاتير الإنذار الموجه من موشيه ديان إليهم، الذي طلب فيه ارغام التجار على فتح المتاجر ليستولي عليها" (ص178).

أنهى الكاتب دراسته بالقول: "أن قطاع غزة مثل امتداداً جغرافياً وسكانيا له أهميته الاستراتيجية داخل الأراضي المحتلة في فلسطين، يهدد جناح الجبهة الجنوبية للجيش الإسرائيلي الأيمن تهديداً خطيراً، وكان من الممكن لو استثمرت كثافته البشرية الشديدة لمقاتلة العدو الصهيوني، وتكمن أهمية موقعه الجغرافي الاستراتيجي كنتوء ممتد بعمق داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، أن يقوم بدورا بالغ الأهمية في المعارك التي دارت في سيناء خاصة في حالة صمود العريش، ورفح، وخانيونس، بحكم أنه كان سيشغل جانباً له أهميته من القوات الإسرائيلية ويهدد مواصلات العدو المتجهة إلى جبهة سيناء".