بعد صفقة بيع الحكومة
المصرية الفنادق التاريخية السبعة عام 2024، لصالح صندوق أبوظبي السيادي، ومجموعة "طلعت مصطفى" المصرية، تتوجه نحو صفقة تاريخية أخرى لمجموعة جديدة من فنادقها التاريخية التي جرى تطويرها مؤخرا، وتلك التي بُنيت حديثا.
ووفق نشرة "إنتربرايز"، الاقتصادية، الأحد، فإن مصر تعتزم نقل فنادقها التاريخية الشهيرة والأصول السياحية التابعة للشركة "القابضة للسياحة" والتي كانت خاضعة لوزارة "قطاع الأعمال العام"، التي جرى حلها مؤخرا، لصندوق مصر السيادي، الذي يتولى إعادة تطويرها لصالح علامات فندقية بارزة.
ويأتي ذلك الإعلان بعد قرار إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام من التشكيل الوزاري الجديد، الأربعاء الماضي، ونقل تركتها البالغة 6 شركات قابضة وتوابعها، ونحو 66 شركة أخرى تعمل بقطاعات متعددة منها النشاط السياحي والفندقي، إلى
الصندوق السيادي ووزارات أخرى.
ومن الفنادق التاريخية المعروضة بالصفقة، "شبرد" التاريخي، الذي تأسس بالقرن الـ19، بالقاهرة نهاية عهد محمد علي باشا عام 1841، ليعاد بناؤه بحي جاردن سيتي عقب حريق القاهرة 1952، وظل قبلة القادة والسياسيين والفنانين، وتقوم بتأهيله حاليا مجموعتي "الشريف القابضة" السعودية و"ماندرين أورينتال" العالمية، ليُفتتح في تموز/ يوليو 2027، على أن تتولى إدارته العلامة الفندقية العالمية "ماندرين أورينتال" الصينية.
"إنتركونتيننتال سميراميس"، الذي يعود تأسيسه إلى مطلع القرن الـ20، بوسط القاهرة عام 1907، والذي احتضن اجتماعات سعد زغلول وحزب الوفد، واستقبل شخصيات تاريخية مؤثرة، فيما تديره حاليا شركة "الفنادق الهندية" تحت العلامة العالمية "تاج".
كما أنه ووفق المتداول من الأخبار، فإن صفقة الانتقال للصندوق السيادي تضم فندق "نايل ريتز كارلتون" أو "
النيل هيلتون" الذي أنشئ عام 1959 بين نهر النيل وميدان التحرير وبه 329 غرفة وتم افتتاح تطويره بتكلفة 940 مليون جنيه عام 2015.
وأيضا، فندق "هوتاك" أو "رومانس الإسكندرية" والذي تأسس عام 1979 في عهد أنور السادات، وافتتح في عهد حسني مبارك عام 1992، من فئة أربع نجوم.
وذلك إلى جانب فندق "نفرتاري أبوسمبل" الذي يقع على جرف صخري رملي ويطل على بحيرة السد العالي، ويبعد 150متر من معبد "أبوسمبل"، أحد مواقع التراث العالمي المدرجة بقائمة "يونسكو"، والذي جرى إعادة تأهيله بتكلفة 100 مليون جنيه عام 2021.
يضم الصندوق السيادي أيضا، فندق حديث جرى إنشاؤه في عهد رئيس النظام عبدالفتاح
السيسي، وهو: "شتيجنبرجر اللسان" الكائن عند التقاء نهر النيل بالبحر المتوسط في "رأس البر"، وافتتح منتصف 2019.
وفندق آخر لم يتم افتتاحه رسميا، هو: "فورسيزونز الأقصر" الذي وضعت شركة طلعت مصطفى حجر أساسه حزيران/ يونيو 2022 على نيل الأقصر ويطل على "وادي الملوك" مباشرة.
الجانب الأول في القضية
وفي تعليقه على تلك القرارات والتوجهات، وكيف تؤدي إلى تآكل مصر الدولة وتضعف الموازنة العامة للدولة وتطيح بحقوق المصريين في ممتلكاتهم، تحدث الكاتب الصحفي المصري ناجي عباس، لـ"عربي21"، كاشفا عن "الأمر الأخطر " في وجهة نظره من تلك الصفقة.
وقال رئيس تحرير موقع "International Investigative Centre" الاستقصائي، إن "هناك بعدان في عمليات البيع تلك"، موضحا أن "ما يتعلق بالفنادق جزء من بيع الأصول العامة وليس هناك في الدستور ما يمنع بيعها، وما يتعلق بالآثار يُمنع بيعه بنصوص الدستور والمعاهدات الدولية".
وكشف أن "الأمر الأخطر وهو ما لا يُقال صراحةً أو الخطر الأكبر ليس البيع في حد ذاته، بل منطق البيع وما يكشفه عن طبيعة العلاقة بين الدولة وثروتها الوطنية".
ولفت إلى أن "هذه الفنادق لم تُبنَ كأصول تجارية عادية"، ملمحا إلى أن "مينا هاوس مثلا، شهد مؤتمر (كامب ديفيد)، وأولد كاتاراكت احتضن أغاثا كريستي وكتبت فيه (موت على النيل)، وشبرد كان مركزا للدبلوماسية الإقليمية لعقود، ووينتر بالاس شهد اكتشاف توت عنخ آمون"، مؤكدا أن "هذه ليست فنادق؛ إنها ذاكرة جيوسياسية وحضارية تحولت إلى بضاعة".
سابقة السبعة التاريخية
قلق المصريون من الحديث عن نقل هذا العدد من الفنادق للصندوق السيادي، يعود إلى سابقة بيع الصندوق، عام 2024، مقابل 800 مليون دولار، 7 فنادق تاريخية هي: "ماريوت الزمالك"، و"مينا هاوس"، و"شتايجنبرجر التحرير"، و"سيسيل الإسكندرية"، و"سوفيتيل ليجند أولد كاتاركت" أسوان، و"موفنبيك" أسوان، و"سوفيتيل وينتر بالاس" بالأقصر.
حينها أثارت تفاصيل الصفقة جدلا، حيث تعاقد "صندوق مصر السيادي" وشركة "إيجوث" الحكومية مع "مجموعة "طلعت مصطفى" لتستحوذ تابعة الأخيرة شركة "آيكون" في كانون الأول/ ديسمبر 2023، على حصة 51 بالمئة من الفنادق السبعة الفاخرة.
ليتفاجأ المصريون في الشهر التالي باستحواذ الصندوق السيادي الإماراتي (ADQ القابضة) على حصة 40.5 بالمئة من "آيكون"، مقابل زيادة رأس المال بقيمة 882.5 مليون دولار.
ما مثل حينها، صدمة لمعارضي صفقات بيع الأصول للأجانب، وخاصة لما يثار عن ارتباطات مستثمرين إماراتيين بشركاء إسرائيليين، وفاقم المخاوف من السيطرة على القطاع الحيوي كون محفظة "آيكون" تصل 15 فندقا و5 آلاف غرفة فندقية.
كما دفع إعلان مجموعة طلعت مصطفى عند التعاقد الأول توقعاتها بزيادة إيرادات الفنادق السبعة لـ250 مليون دولار خلال 2024، وارتفاعها بشكل مطرد مع التجديدات والتحديثات لأكثر من ذلك، مراقبون لانتقاد قيمة الصفقة، وغياب الشفافية عن أعمال الصندوق السيادي وصفقات البيع.
المفارقة الصارخة
وأكد عباس، الصحفي السابق في مؤسسة "دويتشه فيله" الألمانية، أن "الصندوق السيادي ليس الحل بل جزء من المشكلة"، موضحا أن "الصندوق يُقدَّم كوسيط (وطني) يحمي الأصول، لكن الواقع مختلف: فالصندوق مُصمَّم أصلاً لاستقطاب شركاء أجانب وليس لإدارة الأصول بشكل مستقل".
ولذا يعتبر أن "نقل الأصول للصندوق، خطوة أولى في مسار الخصخصة لا بديل عنها، حيث يعمل بعيدا عن رقابة البرلمان والمجتمع المدني"، ملمحا إلى أنه "لا توجد آلية واضحة لتقييم الأصول قبل البيع، مما يفتح الباب للبيع بأقل من القيمة الحقيقية".
وحدد عباس، "المفارقة الصارخة في هذا الملف بأن هذه الفنادق كانت تدرّ دخلاً ثابتاً بالدولار؛ والسياحة المصرية تجلب مليارات سنوياً، وهذه الفنادق في قلبها، وبيعها يعني: أن مصر تحصل على دولارات مرة واحدة بدلاً من تدفق دائم لعقود".
وأضاف أن "العائد السياحي سيذهب للأجانب أصحاب الفنادق الجدد لا للخزينة المصرية، وأن الدولة ستدفع لاحقاً ضرائب أقل لأن الأرباح ستُحول للخارج، وأن مصر تحوّل ثروة غير متجددة —التراث— إلى سيولة آنية لسد عجز آني"، موضحا أن "هذا بالضبط ما يسميه الاقتصاديون (أكل رأس المال)".
تناقض حكومي
ويشير محللون إلى أنه في مقابل بيع الفنادق التاريخية والأثرية ذات المباني الفخمة والتاريخ المرتبط بذاكرة المصريين، تواصل الدولة بيع الأراضي الاستراتيجية لشركات وصناديق ومستثمرين أجانب لتدشين مشروعات سياحية عملاقة بسواحل البحرين المتوسط والأحمر، ملمحين إلى صفقات "رأس الحكمة"، و"علم الروم"، و"رأس بناس"، و"رأس جميلة".
وبينما تواصل السلطات المصرية قراراتها ببيع الفنادق التاريخية تسعى لجذب استثمارات بقيمة 35.4 مليار دولار لإضافة 340 ألف غرفة فندقية جديدة بحلول 2031، بما يرفع إجمالي الطاقة الاستيعابية إلى 568 ألف غرفة.
وتسعى لزيادة عدد زائريها إلى 21 مليون سائح عام 2026، وإلى 30 مليون سائح في 2030، بينما استقبلت 19 مليونا العام الماضي، بإيرادات نحو 24 مليار دولار مقابل 15.3 مليار في 2024.
البُعد السيادي.. الأخطر على الإطلاق
وهنا يقول ناجي عباس: "حين تبيع الدولة فندقاً تاريخياً لصندوق سيادي أجنبي -وليس إماراتي فقط فهناك خليجيون آخرون وصناديق سيادية أخرى- وشركات أجنبية، فهي لا تبيع غرفاً وأسرّة —بل تبيع موقعاً استراتيجياً- على ضفة النيل أو بجوار الأهرام أو على ضفاف الأقصر".
وهذا يعني وفق رؤية الكاتب المصري ، أن "دولاً أجنبية باتت تمتلك حضوراً عقارياً واستثمارياً في أكثر المواقع حساسيةً في مصر، وأن قرارات كـ(هل نرمم هذا الفندق؟، أو من يحق له الإقامة فيه؟، أو هل نوسّعه؟)، لم تعد قرارات مصرية بالكامل، فضلاً عن أن تراكم هذه الصفقات يخلق نفوذاً هيكلياً لدى دول الخليج في الجغرافيا المصرية يصعب عكسه لاحقاً".
وضرب مثالا بفرنسا التي "تمتلك فندق (كريون) في قلب باريس وترفض بيعه لأنه جزء من الهوية الوطنية"، وإسبانيا التي "تُصنّف فنادقها التاريخية (تراثاً وطنياً) ولا تخضعها للخصخصة الكاملة"، وتركيا تحت رئاسة رجب طيب أردوغان "أعادت شراء أصولاً استراتيجية بيعت في تسعينيات القرن الماضي، بينما مصر تسلك المسار العكسي تماماً".
وذهب للقول: "الأمر الأخطر في رأيي ليس الخسارة المالية —رغم فداحتها— بل إن هذه القرارات تُرسّخ نموذجاً يُحوّل مصر من دولة تمتلك ثروة إلى دولة تستضيف ثروة يملكها آخرون؛ والفارق بين الحالتين هو الفارق بين السيادة والتبعية""، مبينا أنه "حين تبيع الدولة ذاكرتها الحضارية لسداد ديون آنية، فهي تُثقل كاهل الأجيال القادمة بخسارة مزدوجة: لا ثروة ولا تراث".
الجانب الثاني في القضية
ولفت الكاتب المصري إلى الجانب الثاني من القضية، موضحا أنه "وفق ما هو حقيقي وموثق فإن برنامج الخصخصة تحت ضغط صندوق النقد الدولي مصر تبيع فعلاً أصولاً حكومية كشرط لاستمرار قروض الصندوق"، ملمحا إلى أنه "قد بيعت فنادق تاريخية كبرى منها (شبرد) و(سميراميس) وغيرها، وهناك قائمة بأصول مطروحة للبيع تشمل فنادق وشركات أخرى، وهذا واقع لا جدال فيه".
وحول منطق الصندوق، أكد أنه "يطالب فعلاً بتقليص دور الدولة في الاقتصاد وفتح المجال للقطاع الخاص والأجنبي، وهو ما يخلق ضغطاً حقيقياً على الحكومة المصرية لبيع أصول كانت تُعدّ يوماً (خطاً أحمر).
لماذا قطاع الآثار مختلف جوهريا؟
يرى عباس، أن "القفز من بيع الفنادق إلى (بيع الآثار والسياحة بالكامل) يتجاهل فوارق جوهرية: أولاً أن الآثار ملكية عامة بموجب القانون والدستور، حيث يحظر الدستور المصري والقانون الدولي (اتفاقية اليونسكو 1970) صراحةً تملّك الآثار أو الاتجار بها، ولا صندوق النقد ولا أي جهة دولية تستطيع قانونياً المطالبة ببيع الآثار لأنها ليست (أصولاً تجارية) بالمعنى الاقتصادي".
ولفت ثانياً إلى "الفرق بين إدارة السياحة وبيع الآثار"، موضحا أن "ما يمكن خصخصته هو إدارة المواقع السياحية كمطاعم وفنادق ومتاجر حول المتاحف لا الآثار ذاتها، وهذا يحدث فعلاً وهو أمر مختلف تماماً عن (بيع قطاع الآثار)".
وثالثا، أكد أن "صندوق النقد نفسه لا يطالب بذلك؛ وأن برامج الصندوق تستهدف الشركات الحكومية المنافسة للقطاع الخاص في أسواق طبيعية كالأسمنت والصلب والسلع الاستهلاكية؛ ولم يطالب الصندوق في أي برنامج دولي ببيع آثار أو تحويل تراث وطني لملكية خاصة".
مخاوف مشروعة
وتحدث الصحفي المصري عن "مخاوف حقيقية أولها: الخصخصة الزاحفة للمحيط السياحي"، موضحا أنه "إذا بيعت كل الفنادق المحيطة بالأهرام والمتاحف لمستثمرين أجانب، فإن عائدات السياحة تذهب إليهم لا للدولة المصرية رغم أن الأثر هو الجاذب الأصلي".
ثاني المخاوف وفق رؤيته تتمثل في "نماذج الـ PPP (الشراكة بين القطاعين العام والخاص) التي تُعطى فيها شركات خاصة امتيازات إدارة مواقع أثرية مقابل رسوم، وهو ما يُضعف سيطرة الدولة تدريجياً حتى دون بيع رسمي"، مشيرا إلى الجانب الثالث هو "ضعف الشفافية"، ملمحا إلى أن "بيع الأصول يجري أحياناً بعيداً عن الرقابة العامة، مما يفتح الباب لصفقات تُضرّ بالمصلحة الوطنية دون أن يعلم بها أحد".