تواصل السلطات
المصرية إصدار قرارات إدارية وإقرار تعديلات على قوانين بهدف زيادة حصيلة الدولة من الأموال في ظل ما تعانيه من أزمات اقتصادية ومالية هيكلية ومزمنة.
وبعد 20 يوما من الانعقاد الأول لمجلس النواب الجديد، وافقت لجنتي "الدفاع والأمن القومي"، و"الشئون الدستورية والتشريعية"، الأحد، على مشروع قانون حكومي بتعديل في "قانون الخدمة العسكرية والوطنية" (127 لسنة 1980)، يقر "الحبس" و"الغرامة المضاعفة" لمن تخلف عن أداء "الخدمة العسكرية" و"استدعاء" الاحتياط للخدمة.
بفعل التضخم
المذكرة التوضيحية قالت إنه في ظل ارتفاع معامل التضخم، فقد تخلف عن الغرامات التي قررها القانون مبدأ الموازنة بين جسامة الفعل ونطاق التجريم والعقوبة المالية المقررة، بما يفقدها قوتها الرادعة، وذلك في وقت وصل فيه التضخم الأساسي السنوي إلى 11.8 بالمئة في كانون الأول/ ديسمبر 2025.
ويقر التعديل الجديد على المادة (49): رفع قيمة الغرامة من (3 و10 آلاف جنيه) سابقا إلى (20 و100 ألف جنيه) –نحو 2127 دولار- للمتخلف عن التجنيد، وزيادة الغرامة من (ألف و3 آلاف جنيه) إلى (10 و20 ألف جنيه) للمتخلف عن طلب الاستدعاء وفقا لتعديل المادة (52)، وذلك في زيادة تتراوح بين 6 إلى 10 أضعاف قيم الغرامات السابقة، وبنسبة بلغت 566 بالمئة و900 بالمئة.
وتعكس أرقام العقوبة الجديدة حجم القفزة الهائلة في قيم الغرامات، ما يشير إلى أن الدولة تسعى لتعظيم الموارد المالية للخزانة العامة ومواجهة عجز الموازنة، ودعم خزانة القوات المسلحة، ما يضاعف أعباء فئة الشباب بين (18 و30 عاما)، رغم معاناتهم مع توفير العمل ومتطلبات سكن خاص ومستلزمات الزواج.
خطر على الانتماء
وفي رؤيته لخطورة مثل تلك القارات على المصريين بالخارج، قال نائب رئيس حزب "تكنوقراط مصر"، محمد حمدي: "الأمر يكمن في الانتماء للوطن، فإذا شعر به المواطن لن تحتاج الحكومة إلى خلق مبادرات، وللأسف كل قرارات هذا النظام منذ تموز/ يوليو 2013 إلى الآن لا تجعل أبناء الخارج أو الداخل يشعرون بأي انتماء".
والسياسي المصري المعارض، أضاف لـ"عربي21"، أن "الدولة تتعامل مع المواطن كزبون، وكل ما يشغل فكر الحكومة كيفية الحصول على أمواله"، مبينا أنه "كان من السهل أن يتعاون أبناء الخارج والداخل كذلك إذا استشعروا الأمل في مستقبل أفضل أو إصلاح الوضع، لكن الوضع من سيئ إلى أسوأ".
وحول مضاعفة الغرامة على المتخلف عن التجنيد والمستدعى للاحتياط، أعرب عن أسفه من أن "القائمين على الأمر يعلمون أن الشاب لا يرى أداء الخدمة العسكرية خرج عن متطلبات أداء الواجب الوطني"، ملمحا إلى "وضع المجندين في خدمة أسر بعض الضابط، وتكليفهم ببيع الخضروات والسلع الغذائية عبر السيارات والأكشاك".
وأوضح أنه "لذلك تجد الشباب يفضل دفع الغرامة عن التعرض لكل ذلك"، ملمحا إلى أنه "ولأن القائمين على الأمر يعرفون ذلك أرادوا استثماره والتربح منه أكثر"، مضيفا: "ومن هنا تأتي خطورة ارتفاع قيمة الغرامة حيث أنها ستدفع المواطن خاصة العاملين بالخارج للبحث عن طرق ملتوية والتحايل على إرسال التحويلات المالية للبنوك المحلية".
وأشار إلى أن "إطلاق مبادرة منع التحويلات بالخارج عقب فرض ضريبة 38 بالمئة على هواتف المحمول، لاقت تفاعلا واسعا"، لافتا إلى أن "الدولة ستُحصل غرامة التجنيد وضريبة الهاتف لكنها ستخسر الطريق الشرعي لتحويلات المصريين بالخارج، وقبل كل ذلك ستخسر انتماء المواطن لبلده".
ضمن قرارات الجباية
مراقبون، قالوا إن "تغليظ العقوبة بإقرار الحبس ومضاعفة قيم الغرامات بهذا القدر يأتي ضمن قرارات الجباية التي يفرضها النظام الحالي منذ العام 2013"، مشيرين إلى أن "المقصود بها المصريين في الخارج الذين يفضل من لم يلتحق بالخدمة العسكرية منهم بسبب سفره للخارج دفع الغرامات المقررة سابقا بعد تجاوزه سن 30 عاما".
وسخر بعض الشباب من تغليظ عقوبة التخلف عن التجنيد ومضاعفة قيم الغرامة، ملمحين إلى دعوة
السيسي السابقة بالتبرع لمصر بجنيه واحد في مثل هذا الشهر من عام 2016، والتي عُرفت بمبادرة: "صبح على مصر بجنيه"، وصارت مسار سخرية المصريين.
وأكد متابعون أن "
الجيش المصري لا يخوض حاليا أي مواجهات عسكرية ولا عمليات ضد الإرهاب، ولذلك فإنه ليس هناك مبررا لتغليظ العقوبة ومضاعفة قيمة الغرامة سوى استنزاف المصريين ماديا".
ومن آن إلى آخر تطلق الدولة المصرية مبادرة بهدف الحصول على أموال المصريين في الخارج، وفي 21 كانون الثاني/ يناير الماضي، ألغت الحكومة المصرية الإعفاء على هواتف المصريين القادمين من الخارج وفرضت ضريبة لقاء استعماله في مصر بقيمة 38 بالمئة، ما فجر غضبا ومطالبات بوقف التحويلات المالية.
وفي السياق، وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، أصدرت الحكومة المصرية مبادرة استيراد السيارات بإيداع وديعة دولارية تُسترد بالجنيه بعد 5 سنوات مقابل الإعفاء الجمركي، وقد نجحت في جمع نحو 2.1 مليار دولار حتى نهاية 2025.
وفي مبادرة ثانية جاء مشروع "بيت الوطن" بطرح أراض للمصريين بالخارج بالدولار في المدن الجديدة وصلت حصيلة مبيعاته حتى مطلع 2025 إلى 7.3 مليار دولار، وذلك إلى جانب وثيقة "معاش بكرة بالدولار" في آب/ أغسطس 2023، فيما سجلت تحويلات المصريين بالخارج بين كانون الثاني/ يناير وتشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أعلى قيمة تاريخية بلغت نحو 37.5 مليار دولار.
ابتزاز وإبعاد
المصري المقيم في إيطاليا، (يوسف. ت)، قال لـ"عربي21": "سافرت قبل 30 عاما دون أداء الخدمة العسكرية، وفي ظل تشديد القوانين اضطررت للبقاء في الخارج حتى سن 30 عاما، ودفعت الغرامة وحصلت على الشهادة، ولكن قبل أن أتعرض للنصب من أحد المتعاملين في هذا المجال".
وأضاف: "ابني يتعرض الآن لنفس الأزمة مع وصوله سن 18 عاما، وغلق مبادرة تسوية الموقف التجنيدي بمقابل 7 آلاف يورو، وسيضطر إلى عدم العودة لمصر قبل 30 عاما إلا لو تم فتح المبادرة مجددا"، قائلا إنهم "بعقوبة الحبس ومضاعفة الغرامات يبعدوننا عن مصر ويبتزوننا ماليا مع كل معاملة حكومية، ويفصلون الجيل الثاني والثالث من المصريين في أوروبا عن الوطن".
أزمة "جيل Z"
في جانب آخر، يواجه عدد كبير من أبناء المصريين المعارضين في الخارج، والمهاجرين من مصر عقب
الانقلاب العسكري عام 2013، أو ما يطلق عليه اسم "جيل Z" أزمة عدم وجود أوراق ثبوتية مصرية كشهادات الميلاد وبطاقات الرقم القومي وجوازات السفر التي ترفض السفارات والقنصليات استخراجها لهم ولأسرهم.
ما يجعل أداء الخدمة العسكرية بالجيش المصري أمرا مستحيل الحدوث تحسبا لما قد يطال الأبناء من اعتقال وتوقيف بمجرد العودة للبلاد، كما أن هذا الوضع المتأزم حرم الكثيرين الاستفادة من مبادرة تسوية الموقف التجنيدي بمقابل 7 آلاف دولار أو يورو، ما يجعل من تعديلات القانون أزمة جديدة تضاف على أزمات "جيل Z" المصري المقيم في الخارج في ملف التجنيد وأداء الخدمة العسكرية.
وبين تموز/ يوليو 2023، وكانون الأول/ ديسمبر 2024، منح الجيش فرصة للشباب من المصريين في الخارج بين سن (18 حتى 30 عاما) تسوية موقفهم التجنيدي، نظير دفع مبلغ 5 آلاف دولار أو يورو، تم رفعها إلى 7 آلاف دولار.
من المشاهير إلى الفقراء
ويمثل التهرب من أداء الخدمة العسكرية أزمة كبيرة تحرم مرتكبها من استخراج جواز سفر، والسفر للخارج، والتعيين في الوظائف العامة والخاصة، فيما أثار تهرب بعض مشاهير الفنانين من الخدمة ضجة كبيرة في الشارع المصري، بدأت عام 2006 مع تامر حسني وهيثم شاكر، والمطرب مصطفى حجاج عام 2016، ورامي صبري في 2017.
وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة ومعاناة المصريين من الفقر والبطالة والتضخم وتراجع الدخول وضعف القيمة الشرائية للعملة المحلية يضطر آلاف الشباب من صغار السن إلى الهجرة غير الشرعية إلى الأراضي الليبية ومنها إلى دول جنوب أوروبا وخاصة اليونان وإيطاليا وإسبانيا، دون أداء الخدمة العسكرية الإلزامية بين عام ونصف و3 سنوات وفق درجة التعليم.
وبحسب وكالة فرونتكس الأوروبية، فقد عبر البحر المتوسط إلى أوروبا بطريقة غير شرعية 21.700 مهاجر مصري، فيما سجلت وكالة الحدود الأوروبية 16 ألف عملية عبور غير نظامي لمصريين إلى الاتحاد الأوروبي عبر ليبيا عام 2025.