رفضها 12 عاما.. لماذا أقر السيسي إجراء الانتخابات المحلية في مصر الآن؟

يتجاوز عدد مقاعد المجالس المحلية 50 ألف مقعد- الأناضول
كلف رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، الحكومة الجديدة بتنفيذ الاستحقاق الدستوري الخاص بـ"الانتخابات المحلية"، في تحول عن رفضه السابق لهذا الإجراء الذي أقره "دستور 2014"، وحدد معالمه، ومنح الفائزين حق الرقابة على عمل المجالس المحلية.

وبعد أدائها اليمين الدستورية أمام السيسي، الأربعاء، وخلال الاجتماع الأول للحكومة الجديدة من مقرها بالعاصمة الجديدة، الخميس الماضي، أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، عن توجيه رئاسي بإجراء انتخابات المجالس المحلية، مؤكدا أنه يهدف للمشاركة الشعبية في "مراقبة عمل الإدارة المحلية وضبط أدائها".

ووفق (المادة 180) من دستور "2014"، تختص المجالس المحلية بمتابعة تنفيذ خطة التنمية، ومراقبة النشاط، وممارسة أدوات الرقابة على الأجهزة التنفيذية من اقتراحات وتوجيه أسئلة وطلبات إحاطة واستجوابات، مع حقها سحب الثقة من رؤساء الوحدات المحلية.

وتقول بانتخاب "كل وحدة محلية مجلسا بالاقتراع العام السري المباشر مدة 4 سنوات"، على أن يكون الترشح من سن 21 عاما، مع تخصيص ربع المقاعد للشباب دون 35 عاما، وربع ثاني للمرأة، و50 بالمئة للعمال والفلاحين، مع تمثيل مناسب للمسيحيين، وذوي الإعاقة.


ووفق تقرير لـ"المرصد المصري"، ستتكون المجالس المحلية من حوالي 1851 مجلسا، وهي عدد الوحدات الإدارية، منها 27 بالمحافظات، و198 للمراكز، و227 للمدن، و87 للأحياء، و1321 للوحدات القروية تقريبا، لافتا إلى أن عدد مقاعد المجالس المحلية بلغ 53010 مقاعد في انتخابات المحليات الأخيرة.

بين مبارك ويناير والسيسي

وبدأت الانتخابات المحلية في مصر عقب صدور قانون "نظام الحكم المحلي" (رقم 52 لعام 1975)، ثم وفقا لتعديلاته عام 1979، وجرت عمليات الاقتراع في أعوام: (1979، 1983، 1987، 1992، 1997، 2002، وصولا إلى آخر انتخابات جرت في نيسان/ أبريل 2008، والتي سيطر عليها جميعا "الحزب الوطني"، المنحل عقب ثورة 25 يناير 2011.

لكنه، وعقب حكم محكمة القضاء الإداري في حزيران/ يونيو 2011، بحل "المجالس المحلية"، توقفت الانتخابات المحلية مؤقتا حتى صدور "دستور 2014"، إلا أن السيسي خالف الاستحقاق الدستوري، ورفض إجراء الانتخابات مدة 12 عاما ونصف، ليغيب عن أجيال كاملة ولأكثر من 18 عاما مصطلح الانتخابات المحلية، منذ عقدها المرة الأخيرة عام 2008.

وكان مقررا وفقا لـ(دستور 2014) تطبيق بنوده الخاصة بالانتخابات المحلية بالتدريج خلال 5 سنوات من سريانه في 18 كانون الثاني/ يناير 2014، والتي انتهت في 17 كانون الثاني/ يناير 2019، دون إجراء الاقتراع.

ورغم أن السيسي، وفي نيسان/ أبريل 2016، دعا الحكومة لإجراءات الانتخابات المحلية قبل نهاية العام، وقدمت الدولة مشروع قانون المحليات لمجلس النواب،  إلا أنه ظل حبيس أدراج المجلس القديم، ولا يُعرف هل انتقل إلى أروقة البرلمان الجديد في العاصمة الجديدة أم لا؟.

وبينما سيطر  جهاز "أمن الدولة" سابقا في عهد حسني مبارك على تلك الانتخابات وتحكم في أسماء المرشحين باستبعاد واعتقال المترشحين من الإخوان والمعارضة، إلا أنه وطوال عهد السيسي، توقفت تماما، وفق قراءة محللين، "نتيجة مخاوف أمنية من تسلل عناصر معارضة أو من تيار الإسلام السياسي".

ويرى مراقبون أن "عدول السيسي، عن قراره وإجراء الانتخابات يأتي بعد نجاح أجهزته في ترتيب المشهد، بداية من التغييب التام للمعارضة، وحتى صناعة كوادر من الموالين جاهزة بالمحافظات، والمراكز، والمدن، والأحياء، والقري، تضمن حصد كامل المقاعد".

ويؤكدون أن "رفض السيسي مطالبات كثيرة من سياسيين وأحزاب شاركوا في الحوار الوطني، إجراء انتخابات محلية طيلة السنوات الماضية، قرار تغير الآن كونه أصبح لديه جيش من الشباب الذي جرى إعداده عبر الأكاديمية العسكرية، بجميع المحافظات والوزارات والهيئات الحكومية".

أهداف أخرى

المحامي المصري الذي أشار إلى اسمه بـ(أحمد. ح)، قال لـ"عربي21": "عقب صدور دستور 2014، كان من المقرر إصدار قانون الإدارة المحلية، لتنظيم عملية الانتخابات، إلا أن الرئيس غض الطرف عن هذا الاستحقاق، ما تسبب في استشراء فساد المحليات، وفقدان الرقابة الشعبية على عمل المجالس والمحلية، وضياع خبرات كان لها دورها في الرقابة، وغياب أجيال كاملة عن ذلك العمل".

ويلفت إلى أن "هناك تغيير في المشهد أدى إلى اقتناع السيسي، بإجراء الانتخابات الآن"، مشيرا إلى أنه "إلى جانب إحكام الأجهزة الأمنية قبضتها على الحياة الحزبية، وغلق المجال العام، وإضعاف القوى المدنية، والغياب التام لجماعة الإخوان المسلمين البعبع الانتخابي والجبهة المنظمة الممتدة بالقرى والنجوع، فإن له أهداف أخرى".

وأشار إلى أن "هناك كوادر بكل محافظة ومدينة وحي وقرية نتجت عن انتخابات: (رئاسيات 2014، وبرلمان 2015، ورئاسيات 2018، واستفتاء 2019، وبرلمان 2020، ورئاسيات 2024، وبرلمان 2026)، أصبح على النظام إرضائها بمنصب أو تعويضها بمقعد محلي".

وألمح إلى أن "الجهات الأمنية القائمة على انتخابات البرلمان الأخيرة، تريد إرضاء وجوه كان لها دور بالانتخابات التشريعية الأخيرة، ورجال الأعمال الذين دفعوا لأحزاب الموالاة للترشح على (القائمة الوطنية) ولم توضع أسمائهم أو خسروا أمام مستقلين؛ وأنهم حصلوا على وعود بتعويض بمقعد مجلس شعبي أو محلي".

ويوضح أن "النظام يعلم تماما ما يجري من فساد في المحليات، يعجز عن وقفه، ووجود رقابة شعبية يعيد للمواطن الثقة في حكومة مدبولي، وأنها لا ترعى الفساد ولا تصمت عليه، وأنها تسعى لتقديم خدمة للمواطن في ظل شكاوى في مجالات الصحة والتعليم والنظافة وغيرها".

وخلص للقول إن "عدد المقاعد المحلية في مصر أكثر من 50 ألف مقعد، ما يعني أن هناك 50 ألف شخص يقوم بدور الحكومة ويدعم سياساتها ويدفع عنها أخطاء إدارتها، وهو ما استغله حسني مبارك طيلة 30 عاما كرداء واقي ضد غضب المصريين، وما يمثل مكسبا حاليا للسيسي، خاصة بغياب منافسة جماعة الإخوان".

كيف يجرى الاقتراع؟

ورغم أن إعلان مدبولي، لم يضع إطارا زمنيا لإجراء تلك الانتخابات، ولا شكلها المحتمل، تبارى نواب مجلس النواب في الإشادة بالتوجه الحكومي، والحديث عن ضرورة سرعة إنجاز قانون "الإدارة المحلية"، المقدم من الحكومة والمقترح من بعض النواب.

وجرى عرض عدة قوانين، على مجلس النواب بنسختيه السابقتين (2015- 2020) و(2020- 2025)، حملت شروط الترشح ونظام الانتخاب وكامل الإجراءات؛ إلا أنه لم يتم البت فيها.

وجرت انتخابات البرلمان الجديد بغرفتيه بنظام "القوائم المغلقة المطلقة" بنسبة 50 بالمئة من المقاعد و50 بالمئة لـ"النظام الفردي"، فيما تطلب المعارضة باعتماد نظام "القوائم النسبية"، مع وقف الملاحقات الأمنية والتضييق على المرشحين، وعقد الانتخابات بإشراف قضائي كامل.


وفي مقال له بـ"المصري اليوم"، وصف الكاتب محمد عبدالعاطي، إجراء الانتخابات المحلية بـ"المفاجأة"، وطالب بألا تكون "تكرارا لما شاهدناه من قبل"، مقترحا "تعيين ٥٠ بالمئة، وترك النصف الآخر لحرية واختيارات الشعب من أهالي النجوع والقرى والمراكز"، قائلا: "اتركوا هذه المرة الناس لتختار، ولكم النصف صاف".

وفي السياق، طالب رئيس الحزب "العربي الناصري" وعضو مجلس "الشيوخ" محمد أبو العلا، في تصريحات صحفية، بصلاحيات حقيقية ومؤثرة، لأعضاء المجالس المحلية و"نقل اختصاصات واضحة للوحدات المحلية، خاصة بملفات الخدمات والمرافق والتنمية، مع تمكين عضو المجلس المحلى من أدوات رقابية كاملة".

لكن، مراقبون للمشهد الانتخابي المصري الأخير، لمجلسي "النواب" و"الشيخ" والذي تواجه نتائجه الكثير من الطعون أمام المحاكم المصرية، قد تتسبب في بطلان إجراءاتهما وبالتالي بطلان عضويتهما، أكدوا على ضرورة إجراء المحليات بقواعد مغايرة وعبر انتخابات بقوائم غير مغلقة، مع منع سيطرة المال السياسي، واحتكار أحزبا الموالاة: "مستقبل وطن"، و"حماة الوطن"، و"الشعب الجمهوري"، و"الجبهة الوطنية".



لا أفترض حسن النية

وفي قراءته، قال السياسي المصري محمد عوض، لـ"عربي21": "من واقع خبراتنا السابقة مع السلطة والأداء الحكومي، لا أستطيع افتراض حسن النوايا حول مفاجأة الحكومة بإخراج ملف المحليات من مخازن أرشيفها، لتطرحه على الرأي العام".

رئيس حزب الخضر، أضاف: "من هذا المنطلق أقول إنه وبمناسبة التحديات الاقتصادية للسلطة فيلزمها شغل الرأي العام بعيدا عن الظروف الحياتية، كما أنها تبعث برسالة أن منغصات حياة المواطن دخلت دوائر اهتمام الحكومة، فمن خلال المحليات ستكون رسائل المواطن للسلطة أدق وأوضح وأسرع".

وتابع: "أما إذا أخذنا بالاحتياط من توجهات السلطة والحكومة، فالأقرب أن يكون هناك مخطط لتوسيع دوائر المشاركة بالمسئولية عما فات، وما هو قادم، وألا تتحمل السلطة والحكومة وحدهما مسئولية التدهور الاقتصادي فإضافة ٥٥ ألف قيادة محلية لصفوف السلطة، يمتص كثير من الغضب الشعبي بالإقناع والتحايل".

وبين أنه "بافتراض حسن نوايا السلطة، فما كشفت عنه انتخابات البرلمان من سأم شعبي وعدم اكتراث، وإفراز بعض برلمانيين أظنهم بمستوى سياسي وثقافي أقل مما يجب، أكدت ضرورة تفعيل نظام المحليات باعتباره مقدمة ضرورية لاكتشاف وتأهيل القيادات البرلمانية لاحقا".

تلقي الضربات وكبش فداء

ولفت إلى أن "هناك من يرى بقيادات المحليات ملء لفراغ سياسي فشلت أحزاب السلطة ومن يرتبط بها في إشغاله، ومن ثم فربما تلعب القيادات المحلية هذا الدور"، ملمحا إلى أن "السلطة بحاجة لوسيط مع الشعب، مهمته تلقي الضربات الشعبية بدلا من الحكومة، وما يتيح لها مساحة أكبر من المناورة أمام الشعب في الحد من ضغوط الأزمة الاقتصادية المتوقعة العام الجاري".

وذكَّر بمقولة رئيس ديوان رئيس الجمهورية في عهد مبارك، زكريا عزمي التاريخية بأن "فساد المحليات للركب"، موضحا أن "تلك المقولة رسخت بأذهان المصريين، ما يسهل للسلطة والحكومة إلصاق فشلهما بالمحليات، لتكون كبش فداء، رغم أن الفشل الحالي نتيجة أخطاء وفساد الأمس"، وفق قوله.


وحول طريقة إجراء الاقتراع، طالب السياسي المصري، أعضاء السلطة التشريعية، والحكومة، بـ"عدم ارتكاب مهزلة انتخابات البرلمان وإفرازاتها"، مؤكدا أن الأمر "يتوقف على طريقة إجراء الانتخابات المحلية، وهل ستكون بقوائم تحمل أسماء الفائزين بـ 55 ألف مقعد محلي، أم بإجراءات وانتخابات تجعل المواطن يشعر بأنه جزء في صناعة حياته اليومية، ومن ثم يقبل النتائج سلبية كانت أو إيجابية".

هل يحضر البعبع؟

أحد قيادات الصف الثاني من جماعة الإخوان المسلمين، (السيد. ص)، وبسؤاله عن احتمالات مشاركة الجماعة أو محاولة بعض أعضائها الترشح، في الانتخابات الأقل أهمية من البرلمان والأكثر فاعلية بين المصريين، قال لـ"عربي21": "الأمر فيه استحالة تامة، فالأمن لن يسمح، ومن يتخذ قرار كهذا مصيره الاعتقال".

وأوضح أنه "لكي نفهم لماذا قبل السيسي بإجراء محليات مصر، علينا بداية فهم لماذا رفضها طيلة سنوات"، موضحا أنه "كانت لديه مهمة إبعاد الإخوان المسلمين المسيطرين على النقابات العمالية والمهنية وكان لهم حضور قوي في المحليات، إلى جانب باقي أطياف المعارضة، حيث منع ترشح المعارضين وضيق حتى على أنصاره السابقين بالانتخابات السابقة".

ولفت إلى أنه "بمنع الانتخابات السنوات الماضية ضمن عمل الجهات المحلية دون أزمات تصنعها له المعارضة، كما أن الانتخابات البرلمانية لمدة 3 دورات صنعت جيلا مواليا له بجميع المحافظات لديهم الخبرة التي كانت لدى أعضاء جماعة الإخوان في الانتخابات والرقابة".

ويرى أن "مكسب النظام من الانتخابات المحلية كبير، بتقديم خدمات بسيطة يشكو منها المواطن مثل جمع القمامة ونظافة الشوارع والصرف الصحي ورصف الطرق والإنارة ومراقبة جودة مياه الشرب والمستشفيات، وتحجيم فساد عانى منه المصريون خاصة بملف المصالحة على مخالفات البناء".