تعيش قوى الإطار التنسيقي الشيعي في
العراق، حالة من الارتباك مع ترقب وصول مبعوث الرئيس الأمريكي للعراق مارك سافايا، وسط توقعات بأن يضغط المبعوث لمنع تولي نوري
المالكي رئاسة الحكومة العراقية المقبلة، والدفع باتجاه شخصية بعيدة عن "المليشيات المسلحة".
ويجري سافايا محادثات مستمرة مع جهات استخباراتية أمريكية، إضافة إلى اجتماعاته مع وزيري الدفاع والخزانة الأمريكيتين، وذلك بالتزامن مع نشاط دبلوماسي مكثف للقائم بالأعمال الأمريكي في بغداد، جوشوا هاريس الذي التقى معظم القيادات العراقية، داعيا إلى تفكيك المليشيات.
وبحسب صحيفة "العالم الجديد" العراقية، فإن مهمة سافايا ستتركز على تنفيذ قرارات تتعلق بإغلاق ما لا يقل عن 96 مصرفا بسبب عمليات مشبوهة وغسيل أموال، مؤكدة في الوقت نفسه أنه بدأ فعليا بالتدخل بمشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، واختيار الوزراء للوزارات السيادية تحديدا.
استبعاد المالكي
وعن الأجندة التي يحملها سافايا في زيارته المرتقبة للعراق، قال المحلل السياسي العراقي، غانم العابد لـ"عربي21" إن "الزيارة المحتملة للمبعوث الأمريكي قد تحصل بعد أيام، ويمكث لمدة شهرين في بغداد، وأن موضوع اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة المقبلة سيكون على رأس أولوياته".
وأوضح العابد أن "الولايات المتحدة تشترط ألا يكون رئيس الوزراء المقبل غير مدعوم أو مرتبط بالمليشيات، لذلك فإن سافايا قد يشرف على تشكيل حكومة برئيس وزراء مستقل ووزراء من التكنوقراط غير المرتبطين بالأحزاب".
وتوقع الخبير العراقي أن يحمل سافايا خلال زيارته ملفات تتعلق بشخصيات سياسية وأمنية يُشتبه بتورطها في مساعدة النظام الإيراني المُعاقب على الإفلات من العقوبات الأمريكية، سواء من خلال تهريب الأموال وتمويل المليشيات المرتبطة به، أو عبر دعمها بالسلاح وتمكينها من تهريب المخدرات والمقاتلين".
وتابع: "وتشمل الاتهامات أيضا عمليات تهريب النفط وتصديره على أنه منتج عراقي لتحقيق عائدات مالية لصالح هذا النظام، وأن الأمر ذاته لا يختلف لدى بعض السياسيين ممن تربطهم علاقات سياسية أو اقتصادية بالنظام الإيراني المُعاقب، حيث يسعى عدد غير قليل منهم إلى مغازلة الولايات المتحدة ومحاولة إيجاد قنوات اتصال مع مبعوثها الخاص لتسوية ملفاتهم".
وبناء على ذلك، أكد العابد أن "استبعاد المالكي وارد جدا من تولي رئاسة الحكومة المقبلة، فهو شخصية جدلية، لأنه سقطت في عهده أكثر من ثلاث محافظات بيد تنظيم الدولة، بعد تهريب نحو 1200 من قيادات التنظيم من السجون العراقية، وأن لجنة برلمانية عراقية حملته مسؤولية ذلك رسميا".
ولفت إلى أن "السنوات الثمانية التي حكم فيها المالكي (2006 إلى 2014) لا توجد حسابات ختامية للأموال التي صرفت، وفساد كبير في صفقات تسليح الجيش العراقي، إضافة إلى تعزيزه للخطاب الطائفي في البلد، وهو موّل المليشيات للقتال إلى جانب نظام بشار الأسد في سوريا، وكذلك دعم النظام الإيراني ومساعدته على التهرب من العقوبات".
وأكد العابد أن "الإطار التنسيقي المعني بترشيح شخصية تتولى رئاسة الوزراء لم يتفق بشكل كامل على اختيار المالكي، بل أن ثلثي قوى الإطار ليست مع إعادة توليه رئاسة الحكومة، إضافة إلى الاعتراض السابق من المرجعية الدينة في النجف، وغياب موقف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر".
فرض الواقع
في المقابل، رأى الباحث في الشأن السياسي العراقي، مهند الخطيب أن "القوى السياسية الشيعية في الإطار التنسيقي اتفقت على تسمية المالكي رئيسا للحكومة، فهي تسعى لتسميته قبل مجيء
المبعوث الأمريكي للعراق، بالتالي فرضه كأمر واقع للتعامل معه على أنه رئيس الحكومة المقبلة".
ورأى الخطيب في حديث لـ"عربي21" أن "ما أقدم عليه
الإطار الشيعي ينافي الشروط الأمريكية، لأن المالكي هو من أسس المليشيات التي تطلب واشنطن تفكيكها، وهو مقرب وداعم لهم، إضافة إلى أنه قريب من إيران وساهم في ترسيخ نفوذها في العراق خلال سنوات حكمه".
ولفت إلى أن "سافايا يحمل أجندة عقوبات في زيارته إلى العراق ربما تطال كل المليشيات خصوصا تلك التي لديها مقاعد بالبرلمان، في الوقت الذي يقدّم المالكي مشروعا لأمريكا بحل المليشيات من أجل حصوله على ولاية ثالثة، وأن سياسة واشنطن تضغط وتمرر".
وعلى الصعيد ذاته، رأى إحسان الشمري، رئيس مركز "التفكير السياسي" العراقي، أن نهاية أزمة تشكيل الحكومة "لن تأتي عبر الإجماع، بل من خلال منطق الأغلبية"، في ظل وجود آراء متباينة داخل "الإطار التنسيقي" وعقبات حقيقية أمام عودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء.
ونقلت صحيفة "المدى" العراقية عن الشمري، قوله إن "هذا يمنع تحقق إجماع كامل على ترشيح المالكي، ما يفتح الباب أمام خيار آخر يتمثل بالذهاب إلى مرشح تسوية حفاظا على وحدة الإطار".
ورجّح الشمري أن يكون هذا المرشح مقبولا، أولا، من الأطراف التي تضع خطوطاً حمراء على الولاية الثالثة للمالكي، وثانيا من محمد شياع السوداني، الذي ناور في مسألة التنازل للمالكي بهدف إسقاط ترشيحه، فضلا عن أن بقية قوى الإطار قد تجد نفسها مقتنعة بأنها حققت أهدافها، سواء برفض الأول أو بمنع عودة الأخير لولاية جديدة.
لكن الشمري يحذر من سيناريو مغاير يتمثل باستمرار تمسك الأطراف بمواقفها، ما قد يقود إلى تشظي الإطار التنسيقي وانقسامه، مع احتمال خروج أحد مكوناته إلى صفوف المعارضة، وهو احتمال يصفه بـ"الوارد جدا" قياسا بتجارب سابقة شهدتها قضايا ترشيح مماثلة.
وفي مقابل الانقسام الداخلي، أشار الشمري إلى أن حسم الأزمة لا يقتصر على الفاعلين المحليين، بل يمتد إلى التأثير الإقليمي والدولي، ولا سيما إيران التي تسعى لأن يكون لها دور في رسم ملامح رئيس الوزراء المقبل بما يراعي مصالحها ويوازن نفوذها في العراق في مواجهة الولايات المتحدة.
ولفت الشمري إلى الدور الأمريكي، الذي أكد أن "انخراطا أوسع لواشنطن قد يسهم في إنهاء الأزمة، في وقت يعيش فيه الإطار التنسيقي ضغوطا مركبة، داخليا بسبب الانقسام، وخارجيا بسبب العامل الأمريكي، ما قد يدفعه إلى تسريع حسم الملف".
وخلص إلى أن الضغوط الخارجية، ولا سيما الإيرانية، قد تدفع بعض المعارضين للمالكي إلى القبول السلبي بعودته، لا عن قناعة بل تحت وطأة الأمر الواقع، خاصة إذا واجه الإطار خطر الانقسام.
ومع ذلك، أكد الشمري في ختام حديثه، أن "حالة عدم اليقين لا تزال قائمة، إذ توجد أطراف داخل التحالف تواصل العمل وفق مبدأ زرع المخاوف بوصفه أحد آخر أسلحتها لمنع الاستسلام لخيار الولاية الثالثة".