ملفات وتقارير

"لا حصر ولا نزع".. هل تراجعت الفصائل العراقية عن تسليم السلاح؟

أعلن عدد من قادة الفصائل دعمهم عملية حصر السلاح بيد الدولة العراقية في ظل ضغوطات تمارسها واشنطن على بغداد بضرورة تفكيك المليشيات ونزع سلاحها- الأناضول
رغم أن معظم الفصائل العراقية المندرجة ضمن ما يعرف بـ"تنسيقية المقاومة"، كانت قد أبدت رغبتها في حصر السلاح بيد الدولة عبر تصريحات منفردة، لكن بيانا جامعا أصدرته الأخيرة قبل يومين بدا وكأنه تراجعا واضحا بعدما رفضت المساس بسلاحها الذي وصفته بأنه "مقدس".

وقبل نحو أسبوعين، أعلن عدد من قادة الفصائل دعمهم عملية حصر السلاح بيد الدولة العراقية، في ظل ضغوطات تمارسها واشنطن على بغداد بضرورة تفكيك المليشيات ونزع سلاحها، وسط ترحيب وثناء من الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم، ورئيس مجلس القضاء الأعلى في البلاد فائق زيدان.

"عام التفكيك"
وفي بيان أثار جدلا في الأوساط السياسية في العراق، الأحد، رهنت "تنسيقية المقاومة"، الحوار مع الحكومة العراقية من أجل البحث في حصر السلاح بيد الدولة بتحقيق "السيادة الكاملة"، وإنهاء ما وصفته بـ"جميع أشكال وعناوين الوجود الأجنبي المحتل للأراضي العراقية".

ووجهت التنسيقية التي تمثل "كتائب سيد الشهداء، كتائب كربلاء، أنصار الله الأوفياء، حركة النجباء، عصائب أهل الحق، كتائب حزب الله"، بيانا للحكومة المقبلة، تضمن 4 مطالب لتضعها في "صدارة أولوياتها".

وتضمنت هذه المطالب "اعتماد الوضوح والجدّية في تقديم الخدمات"، و"إعطاء الأولوية" للتشريعات والقوانين التي تخدم البلد وتحفظ كرامة الشعب العراقي، "لا سيما إقرار قانون الخدمة والتقاعد للحشد الشعبي، حفاظاً لحقوق المضحّين وحماة الأرض والعرض".

أما المطلب الثالث فهو "إنهاء جميع أشكال وعناوين الوجود الأجنبي المحتل للأراضي العراقية وسمائها، ومنع أي نفوذ له، مهما كان شكله، سياسيا أو أمنيا أو اقتصاديا".

وأكدت التنسيقية في مطلبها الرابع أن "سلاح المقاومة سلاح مقدّس-لا سيما في بلد فيه الاحتلال قائما-وهو الضمانة وصمّام الأمان في الدفاع عن الأرض والمقدّسات، كما كان درعا حصينا في مواجهة عصابات داعش الإجرامية".

ورفضت التنسيقية "رفضا قاطعا أي حديث عنه من الأطراف الخارجية"، بل أن "الحوار بشأنه حتى مع الحكومة لا يكون إلا بعد تحقيق السيادة الكاملة للبلاد، وتخليصها من كل أشكال الاحتلال وتهديداته"، وفق بيانها.

وعلى الصعيد ذاته، قال المحلل السياسي القريب من الفصائل المسلحة، هاشم الكندي، إن حصر السلاح هو قرار استخدامه، والنزع هو تسليمه، ولم يجر الحديث عن ذلك، وإنما البحث عن برنامج حكومي انطلق مع نهاية تنظيم الدولة بداية عام 2018 ومع بداية تشكيل حكومة محمد شياع السوداني.

وأضاف الكندي خلال مقابلة تلفزيونية، الاثنين، أن "هذا يتم وفق آلية وتراتبية، أولها لا جود أجنبي في العراق سواء احتلال أميركي أو تركي، ومنع التدخلات، لكن اليوم التدخلات الأمريكية يستشعرها الجميع".

ولفت إلى أن "وجود السلاح له ضرورة وعندما تنتهي فإن السلاح أساسا بيد الدولة ولخدمتها، والآن الفصائل علقت عملياتها بعدما وجدت جدية من الحكومة في إخراج القوات الأجنبية وفي مقدمتها الأمريكية".

وفي المقابل، نفت حركة "عصائب أهل الحق" بقيادة قيس الخزعلي، عبر القيادي فيها ومدير قناة "العهد" التابعة لها، سند الحمداني، صلة الحركة ببيان "رفض نزع السلاح" من قبل الهيئة التنسيقية للمقاومة.

وقال الحمداني في تدوينة على "إكس"، إنه "ننفي صلتنا بالبيان الأخير الصادر عن الهيئة التنسيقية للمقاومة العراقية".

وفي بداية العام الميلادي الجديد، وجّه مبعوث الرئيس الأمريكي إلى العراق، مارك سافايا، رسالة هنّأ فيها العراقيين مؤكدا أنه يعمل وفريقه مع الحكومة العراقية لتكون السنة الجديدة سنة انتهاء الفصائل المسلحة والسلاح المنفلت في البلد.

وقال سافايا: "نعمل على ان يكون عام 2026 عام نهاية: عدم الاستقرار، نهب ثروات البلد، ضعف الخدمات، السلاح الفالت، التهريب، البطالة، الميلشيات"، كذلك نهاية "غسيل الأموال، الجهل، التوترات الداخلية، العقود الوهمية، الفقر، التدخلات الخارجية، الاختلاسات، عدم المساواة، الفساد، التحايل على القانون، والظلم".

وخلال لقاء القائم بالأعمال الأمريكية، جوشوا هاريس، بزعيم تيار الحكمة، عمار الحكيم، الجمعة، أكد مجددا أن "إشراك المليشيات الإرهابية الموالية لإيران في الحكومة العراقية، بأي صفة كانت، يتعارض مع شراكة أمريكية-عراقية متينة.

وأضاف الدبلوماسي الأمريكي، أن "الولايات المتحدة ستواصل التأكيد بوضوح على ضرورة اتخاذ إجراءات فورية لتفكيك الميليشيات الإرهابية الخاضعة لأجندة خارجية، والتي تُهدد سيادة العراق واستقراره واقتصاده".

"تجزئة الضغط"
وعن مدى تراجع الفصائل عن تسليم السلاح، قال الباحث العراقي في السياسات الإستراتيجية، كاظم ياور، إن "إصدار تنسيقية المقاومة بيانا في وقت حساس يتعلق بتشكيل الحكومة العراقية يأتي كأولوية قصوى من حيث تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع المعطيات الحالية للحكومة في بغداد".

وأضاف ياور لـ"عربي21" أن "هذه الملفات أعلنت عنها الولايات المتحدة في مناسبات عدة خصوصا من المبعوث الأمريكي مارك سافايا الذي وصف عام 2026 بأنه عام التغيير".

وأكد ياور أنه "كانت هناك استجابة من أغلب هذه الفصائل للمضي بعملية نزع السلاح أو تسليمه، المهم تحقيق هذا المطلب بشكل جوهري وأساسي، وأن يكون هناك علوية للقانون على جميع السياسات التي كانت تعتبر خارج عن إرادة الدولة والقانون والدستور".

ولفت إلى أن "الجهة المعنية بحصر السلاح هي الحكومة العراقية، لكن حتى الآن لا توجد لديها رؤية حقيقية مطروحة في كيفية نزع السلاح بأي أدوات ومنهجية ضمن مؤسسات الدولة، لذلك بد من تكون هذه الأهداف المرسومة معلنة كونه يهم جميع العراقيين، لأنها ليست عملية معني فيها رئيس الوزراء والفصائل فقط، وإنما الأمر مربط بمصير الشعب العراقي".

وتابع: "لأن الولايات المتحدة تعتبر هذه المطالب أنها إصلاحية وتعيد العملية السياسية إلى أصولها الصحيحة الدستورية لقيام حكومة خدماتية تعتمد على أسس المواطنة يتمتع فيها العراقيين بالحريات ويتخلصوا من سطوة السلاح وعمليات الفساد الذي يعد السلاح سنده وظهيره، إضافة إلى الأعمال الأخرى التي تقوم لها مثل تهريب النفط والمخدرات".

وشدد ياور على أن "كل هذه الأمور ترتبط مباشرة بمصالح الشعب العراقي، لذلك العراقيين أكثر حرصا من الولايات المتحدة للتخلص من السلاح خارج إطار الدولة والقانون، بالتالي على الحكومة العراقية أن تكون جريئة في طرح رؤية حقيقية ممكن أن تطبق على كل الفصائل والمسميات الخارجة عن إرادة الدولة".

وفسر الباحث تبرؤ "العصائب" من بيان التنسيقية وعدم قبولهم بهذا التوجه في التوقيت الحالية، بأنه "نوع من توزيع الأدوار ومصالح ما يسمى بـ(المقاومة) من طرف يريد لأطراف المقاومة حصة في الدولة العراقية، حتى وإن تخلت (العصائب) في الظاهر عن مسألة حصر السلاح وذهبوا للعمل السياسي، فبالتأكيد سيكون هناك تواصل بين امتدادات هذه الجماعات".

ورأى ياور أن ما يحصل في إيران من مظاهرات وضغط للملف الاقتصادي، إضافة للضغوطات الأمريكية وآلية الزناد وغيرها، قد أثر بشكل كبير جدا في الجانب الإيراني التي لم تَخفِ في السابق أن هذه الفصائل تشترك معها في مشروع محور المقاومة".

وبحسب ياور، فإن "هذه الفصائل تعلب دورا في الوقت الحالي يسعى إلى إشغال الولايات المتحدة في العراق وأماكن أخرى حتى تتوزع هذه الضغوطات وتتجزأ قدرات وإمكانيات الأخيرة، من أجل بعثرت جهودها ضد إيران".

وأردف: "لذلك إذا جرى تسليم السلاح للدولة العراقية وطي هذا الملف، فإن المتضرر الرئيس ستكون إيران ونظامها في هذه المرحلة، لأنها ستكون بمفردها في المواجهة مع الولايات المتحدة".
وأشار إلى أن "هذه الفصائل لم تخف يوما أنها ليست مع إيران، بل أنها دائما ما تؤكد أن دعم الأخير لها ليس محدودا وأنهم يؤدون وظيفة دينية ومذهبية، وأن نظام ولاية الفقيه يعطي شرعية دينية وأخلاقية لعملها سوءا في العراق وسابقا في سوريا، بالتالي ممكن أن تؤدي دور الحماية لهم".

وعلى الصعيد ذاته، أعرب المحلل السياسي العراقي معتز النجم عن اعتقاده بأن "الفصائل العراقية تعيش حالة من التشتت، على اعتبار أن بعضها وتحديدا "العصائب" بقيادة قيس الخزعلي أصبحت ترى ضرورة الاندماج في أجهزة الدولة سواء عبر حصر السلاح أو نزعه".

وأوضح النجم في حديث لـ"عربي21" أن "هذه الفصائل لم تر أي ضمانات من الولايات المتحدة الأمريكية من أجل ذوبانها بالكامل في العملية السياسية، لذلك فهي تخشى من فقدان مكتسباتها سواء المناصب أو الأموال والمكاتب الاقتصادية، لأن نزع السلاح قد يفقدها كل ذلك".

ورأى المحلل السياسي أن "الكرة حاليا في ملعب الحكومة العراقية، التي يجب أن تعرف كيفية جعل هذه الفصائل- بما تمتلكه من إمكانيات ومكتسبات- تنخرط في مؤسسات الدولة مقابل نزع السلاح عنها".

وتساءل النجم عما إذا كانت الولايات المتحدة ذاهبة باتجاه تأمين ما تريده هذه المليشيات حتى تبقى متصدية للمشهد السياسي العراقي أم لا؟، لكنه أكد أن واشنطن جازمة ومصرة على تفكيك الجماعات بالشكل الذي لا يُبقي لها أي أثر مستقبلا في العملية السياسية".

ونوه الخبير العراقي إلى أن "المشهد العراقي بدأ مؤخرا يشهد تطورا بأن تتبنى الدولة بالكامل موضوع حصر السلاح، وهذا برز من خلال تبني رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان الموضوع إضافة إلى شخصيات ومنظمات عراقية، ولم يعد الأمر مقتصرا على شن رئيس الوزراء".

وخلص النجم إلى أن "هذه الدعوات تأتي من أن المنتظم السياسي الإقليمي والدولي وما يعرف بالشرق الأوسط الجديد يتطلب تفكيك هذه الفصائل، وأن تكون مؤسسات الدولة العراقية خالية منها عام 2026، لكن الولايات المتحدة لليوم تسمع شعارات بدون تنفيذه وهذا يشكل خطرا على البلاد".