أثارت كلمة "
التطبيع" التي وردت على لسان الكاردينال لويس رافائيل ساكو، رئيس الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في
العراق والعالم، جدلا واسعا على المستويين السياسي والشعبي.
ساكو وخلال قداس أقيم هذا الأسبوع في الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية ببغداد، وبحضور رئيس الوزراء العراقي محمد السوداني، الذي كان متواجداً في الكنيسة، قال: "هناك حديث عن التطبيع. آمل أن تُحقق الحكومة الجديدة التي ستُشكّل التطبيع في العراق ومع العراق - أرض الأنبياء. لقد كُتب التلمود في مدينة بابل، القريبة منا، وينبغي للعالم أن يأتي إلى العراق لا إلى أي مكان آخر"، ورغم أن ساكو لم يذكر "
إسرائيل" صراحةً، ولم يُوضح ما إذا كان يقصد إقامة علاقات رسمية معها، إلا أن تصريحه عد دعوة لتطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال، قبل أن يرد على المنتقدين قائلا: "لم أدع إلى التطبيع مع إسرائيل".
"تطبيع" .. كلمة غير موجودة في قاموس اللغة العراقية
وتحدث السوداني لاحقاً قائلاً: "كلمة "تطبيع" غير موجودة في قاموس اللغة العراقية، لأنها مرتبطة بكيان احتلالي ألحق الضرر بالأرض والشعب. لسنا بحاجة إلى التطبيع، بل إلى الأخوة والمحبة والتعايش، والالتزام بالقوانين والدستور".
وأكد السوداني، خلال كلمة له في كنيسة القديس يوسف ببغداد، أن "قضايا المصير" تظل ثابتة وتعكس المبادئ الأساسية للشعب العراقي، مشددًا على أن "استذكار الميلاد المجيد يمثل تأكيدًا إضافيًا على قوة النسيج المتماسك للمجتمع العراقي"، وأضاف: "الحكومة تعمل بكل إمكانياتها على صيانة وحماية رموز الوحدة. لا نحتاج إلى تطبيع، بل إلى الأخوة والمحبة والتعايش، والالتزام الشرعي والقانوني والدستوري هو الذي يفرض علينا هذه العلاقة".
الصدر والخزعلي يطالبان بالمحاسبة
بعد ذلك بوقت قصير، شنّ زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، هجوماً في منشور على منصة فيسبوك قائلاً: "التطبيع جريمة يعاقب عليها القانون العراقي. كل من يحرض عليه أو يسعى إليه، أياً كان، ليس بمنأى عن العقاب. يجب على الأطراف المعنية القيام بواجبها فوراً، إذ لا مكان للتطبيع أو إضفاء الشرعية عليه في العراق".
بدوره، دعا زعيم عصائب أهل الحق، قيس الخزعلي، إلى إجراء تحقيق في تصريحات الكاردينال الكاثوليكي. وقال: "إن الدعوات إلى التطبيع من أي جهة أو شخصية، بما في ذلك تلك التي تُطلق تحت مسميات الديانات الإبراهيمية، هي دعوات مشينة. وتمثل هذه التصريحات انتهاكًا صارخًا للقانون الذي يُجرّم التطبيع".
بدورها، عبّرت وزيرة الهجرة والمهجرين، إيفان فائق جابرو، وهي من المكون المسيحي، عن رفضها القاطع "لأي تصريحات أو مواقف تدعو إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني أو تبرّره بأي شكل من الأشكال" وفق تعبيرها، معتبرة أن "مثل هذه الآراء لا تمثّل موقف الشعب العراقي ولا تعبّر عن إرادته الحقيقية بجميع أطيافه ومكوناته الدينية والقومية".
الكنيسة ترد.. "الأزمة مفتعلة"
وعقب العاصفة، أصدرت الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في العراق
بيانًا توضيحيًا جاء فيه أن "مواقع التواصل الاجتماعي تنشر تصريحات للبطريرك ساكو من عظته خلال القداس الاحتفال،. وقد أكد البطريرك على ضرورة تطبيع العلاقات مع العراق دون غيره، لأن إبراهيم عليه السلام كان عراقيًا، والعراق أرض الأديان التي أنجبت العديد من الأنبياء. وأوضح البطريرك أن تقارب الدول مع العراق، أرض الحضارات وأرض إبراهيم عليه السلام، سيشجع السياحة".
واضاف البيان، أما يما يتعلق بالأزمة التي أثيرت حول تصريحاته عن “التطبيع”، وصف الكاردينال البطريرك؛ لويس روفائيل ساكو عبر تصريحات تلفزيونية بأنها "مفتعلة"، موضحاً: "أنا لم أدعُ إلى التطبيع السياسي ولم أوقع على التطبيع مع إسرائيل، بل دعوت إلى التطبيع من أجل العراق".
وأضاف أن مقصده كان التركيز على موارد العراق الأخرى غير النفط، قائلاً: "العراق هو بلد إبراهيم والأنبياء والحضارات، وهو أيضاً بلد سياحي واستثماري… وكما تبحث الدول عن مصالحها، يجب على العراق أيضاً أن يعمل بجد على السياحة الدينية والأثرية والمصايف في الشمال".
وحول صحة تسريب صوتي منسوب إليه لزيارة إسرائيل، نفاه ساكو، بالقول: "أولاً رفضت زيارة إسرائيل. والتسريب الصوتي الذي تم إنشاؤه بالذكاء الاصطناعي، والذي يزعم أنني كنت سأرافق البابا فرنسيس في زيارته لكنني رفضت احتراماً للقضية الفلسطينية، هو محض كذب. صحيح أن الكذب مجاله واسع، لكنه لن يدوم، والحق هو الذي سيبقى".
رفض زج المكوّن المسيحي في أي صراعات أو حسابات سياسية
من جهتها، قالت رئاسة التحالف المسيحي، إن ما أُثير إعلامياً من جدل وما رافقه من تأويلات متباينة حول تصريحات جرى تداولها خلال كرازة عيد الميلاد المجيد لغبطة البطريرك الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو ، جاءت في سياق ديني-ثقافي وإنساني بحت، يسلّط الضوء على قيمة الإنسان في وطنه وعلى المكانة الروحية والتاريخية والحضارية للعراق بوصفه أرض الحضارات ومهد الرسالات الإنسانية الكبرى، ولا تنطوي على أي موقف سياسي أو مخالفة للثوابت الوطنية أو القوانين النافذة في العراق.
وأوضح التحالف في بيان له أن ما ورد في كرازة عيد الميلاد جرى إخراجه من سياقه الحقيقي عبر تأويلات مغلوطة وقراءات مسيّسة، مؤكداً أن الخطاب ركّز على قيمة الإنسان في وطنه، وشدد البيان على أن المسيحيين كانوا وما زالوا جزءاً أصيلاً من النسيج العراقي، شركاء في الوطن والمصير، وأن الكنيسة الكلدانية تلتزم بدورها الديني-الإنساني والوطني، وترفض الزج بها أو بالمكوّن المسيحي في أي صراعات أو حسابات سياسية.
وبيّن التحالف أن استخدام مصطلح "التطبيع" في حديث البطريرك أُسيء فهمه، إذ ورد بمعناه اللغوي والدستوري، أي "إعادة الأمور إلى طبيعتها"، وهو مصطلح وارد في المادة (140) من الدستور العراقي، ولا يحمل أي دلالة سياسية مخالفة للقانون، وأكد البيان أن موقف الكنيسة الكلدانية ثابت في دعم عراق مستقل، آمن، كامل السيادة، قائم على التعايش واحترام القانون، ورافض للسلاح المنفلت والفساد، داعياً إلى عدم الانجرار وراء حملات التشويه والتحريض، وقراءة المواقف بموضوعية ومسؤولية.
القانون يقضي بإعدام أو سجن من يطبع مع "إسرائيل"
ويجرّم القانون العراقي التطبيع، إذ تنص المادة 4 من القانون رقم 1 لسنة 2022 على إنزال عقوبة "السجن المؤبد أو المؤقت كل من سافر إلى إسرائيل أو زار سفاراته أو إحدى مؤسساته في أي دولة من دول العالم، أو اتصل بأي منها".
أما المادة 5 من القانون نفسه، فتقضي بالإعدام أو السجن المؤبد على كل من أقام أي نوع من العلاقات مع إسرائيل في المجالات السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية أو غيرها.
وكانت محكمة جنائية في محافظة ذي قار قد حكمت على رجل بالسجن ثماني سنوات لحثه على تطبيع العلاقات مع إسرائيل سابقًا.
ويأتي الحديث عن التطبيع، أيا كان المقصود بالكلمة، في وقت تتزايد فيه دعوات للفصائل العراقية المسلحة لحصر السلاح بيد الدولة، فيما يدخل العراق مرحلة اختيار رئيس وزراء جديد في ظل خلافات عميقة بين الأحزاب التقليدية.
وكان الرئيس دونالد ترامب قد اختار مارك سافايا، وهو من أصل عراقي، ليكون مبعوثًا له في بغداد، إلا أن تصريحاته الأخيرة غالبًا ما أثارت بلبلة بسبب تدويناته التي طالب فيها بشكل صريح بإنهاء ملف الفصائل المسلحة ومنعها من المشاركة في الحكومة، فضلًا عن توجيهه إنذارات للعراق وتحذيرات من العودة إلى "دوامة التعقيد".
ساكو يتهم سياسات حكومات ما بعد 2003 بتهجير المسيحيين
ويُعرف عن الكاردينال ساكو كثرة انتقاده للعملية السياسية في العراق جراء اعتمادها نهج المحاصصة الطائفية والعرقية، مؤكداً أن نسبة المسيحيين في العراق تراجعت من 4 بالمئة إلى نحو 1 بالمئة بعد عام 2003، مشيراً إلى مقتل 1200 مسيحي خلال 15 سنة إثر أعمال العنف.
وقال ساكو إن "العراقيين المسيحيين تُنتهك حقوقهم الإنسانية والوطنية المشروعة"، وذكر أن المسيحيين يجري "إقصاؤهم من وظائفهم، والاستحواذ على مقدراتهم وأملاكهم، فضلاً عن التغيير الديموغرافي الممنهَج لبلداتهم في سهل نينوى أمام أنظار الدولة العراقية".
وأكد مغادرة "مليون مسيحي للعراق بعد سقوط النظام، لأسباب أمنية منها السلاح المنفلت، وسياسية منطق الطائفية والمحاصصة الذي صب على العراق نار جهنم، واقتصادية الفساد، واجتماعية التطرف الديني وداعش"، وتابع: "فُجِّرت 85 كنيسة ودير في بغداد والموصل والبصرة من قِبَل المتطرفين، كما استولت المافيات على 23 ألف بيت وعقار"، واتهم ساكو بـ"إبعاد موظفين بارزين عن وظائفهم، وخُطِفَت الكوتا المسيحية في الانتخابات البرلمانية"، ولفت إلى أن المسيحيين "فقدوا الثقة بتحسن وضعهم، بسبب تلك الانتهاكات".