بعد استنجادها به رسميا.. هل يتدخل الاحتلال عسكريا وسياسيا لدعم "قسد"؟

قال زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان إنه "لا ينبغي للأكراد في سوريا أن يكونوا أداة بيد إسرائيل لإنشاء دولة مستقلة" -
تحت عنوان "لحظة 7 أكتوبر للأكراد"، نشرت صحيفة "ذا جيروزليم بوست" العبرية ما قالت إنه مقال لمحلل سياسي كردي، ناشد "إسرائيل" للتدخل ومساعدة قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في سوريا من "إبادة" محققة.

وخصّصت الصحيفة العبرية على موقعها صفحة كاملة للمحلل السياسي الذي بقيت هويته مجهولة، دون ذكر اسمه، وذلك خشية تعرّض حياته للخطر حسب زعمها. ولعلّ هذه سابقة في عالم الصحافة أن يُنشر محتوى بصيغة مقال وليس تقريرًا، مع إخفاء هوية المصدر الذي هو صاحب الرأي.
 

وفي عودة للمقال المنشور في صحيفة "ذا جيروزليم بوست" العبرية، فإن المحلل السياسي الـ"مجهول" والذي تحدث بصيغة الجماعة، قال إن: "الشعب الكردي في جميع أنحاء المنطقة "يناشد الحكومة الإسرائيلية التدخل إلى جانبهم، عسكرياً ودبلوماسياً، وفي أي مجال يستطيعون فيه ذلك".

بسط الشرع سيطرته على كامل سوريا يضر "إسرائيل"

وأضاف المحلل أن التدخل الإسرائيلي يخدم المصلحة الاستراتيجية لدولة الاحتلال على المدى البعيد، مؤكداً أن من مصلحة "تل أبيب" منع حكومة أحمد الشرع من بسط سيطرتها الكاملة على سوريا. وأشار إلى أن تحقيق هذه النتيجة سيترتب عليه ثلاث عواقب وخيمة على إسرائيل على المديين القصير والمتوسط والطويل.

وأضاف أنه في حال حققت دمشق نصراً ضد "قسد"، فقد تتجه أنظارها نحو الدروز، كما أن سحق "قسد" سيمكّن حكومة الشرع من إعادة توجيه طاقتها نحو مواجهة الوجود الإسرائيلي في سوريا، وهو ما قد يتسبب بنزوح الأقليات وبالتالي زيادة نسبة العرب السنة في البلاد.

أشار المحلل "المجهول" إلى أن دولة الاحتلال تدرك خطر التيار السني، وتأثير توجهات أحمد الشرع وداعميه في تركيا والخليج. وأضاف أن انتصار دمشق قد يشجع أعداء إسرائيل ويزيد من جرأتهم لممارسة ضغوط إضافية بشأن ملف قطاع غزة. وبناءً على هذه الأسباب، يرى المحلل السياسي أن إسرائيل أمام ضرورة استراتيجية للتدخل.

ولتحقيق ذلك، يرى المحلل أنه يجب على الاحتلال شن ضربات جوية انتقائية ضد تجمعات عسكرية وقبلية محددة على خطوط المواجهة مع قوات "قسد". بالإضافة إلى ذلك، يجب شن ضربات ضد أهداف أخرى تابعة للحكومة السورية في مناطق مختلفة من البلاد. هذا الإجراء من شأنه أن "يرسل رسالة واضحة إلى دمشق وأنقرة مفادها أنهما لا تستطيعان مواصلة الحملة ضد قوات سوريا الديمقراطية".

قسد تستنجد رسميًا

رغم محاولات دولة الاحتلال الإيحاء بأنها غير معنية بما يجري في منطاق شمال شرق سوريا البعيدة نسبيا عنها، إلا أن إقرار شخصيات بارزة في قوات سوريا الديمقراطية علناً بالاتصال بمسؤولين إسرائيليين، يؤكد وجود جسور اتصال وتنسيق، وفق ما أفاد به موقع "ميدل إيست آي".

وفي وقت سابق من هذا الشهر، انتقد وزير خارجية دولة الاحتلال جدعون ساعر أعمال قوات الحكومة السورية ضد المناطق الكردية في حلب، واصفاً إياها بالخطيرة والمتناقضة مع مزاعم بناء "سوريا جديدة".

وقبل أيام، أعلنت القيادية في "قسد" إلهام أحمد، خلال حديث لصحافيين عن وجود تواصل مع شخصيات إسرائيلية عرضت تقديم الدعم، مؤكدة ترحيب قواتها بتلقي دعم من "أي مصدر" كان. يمكنه المساعدة في حماية المكاسب السياسية للأكراد". وفقا لموقع "ميدل إيست مونيتور".

وقالت إلهام أحمد خلال إيجاز صحفي عبر الإنترنت: "هناك شخصيات معيّنة من إسرائيل منخرطة في اتصالات معنا وننتظر أي شكل من الدعم"، مضيفة: "منفتحون على تلقي الدعم.. أيًا كان مصدره"، وكانت إلهام قد نفت في شباط/فبراير 2025 تواصل "قسد" مع "إسرائيل"، مؤكدة بالقول: "نحن جزء من سوريا".

 
أما القيادي في "قسد" سيبان حمو، فكان أكثر جرءة وصراحة، حيث صرح لوكالة رويترز بأن الأكراد السوريين يبحثون عن حلفاء موثوق بهم، وهو ما موقف سرعان ما تلقه حساب عبري على منصة "إكس" ويحمل شعار الموساد.


وقال حمو إن "إسرائيل" فاعل إقليمي قوي له مصالحه الخاصة، معربا عن أمله في أن يطبق الاحتلال على الأكراد نفس النهج الذي اتبعه تجاه الدروز في سوريا حين شن ضربات ضد القوات السورية الصيف الماضي.

باراك يحذر عبدي من محاولة جر "إسرائيل" للصراع في سوريا

تحركات "قسد" ووضعها شروطًا للاندماج وصفتها حكومة دمشق بأنها تعجيزية، أثارت شكوك واشنطن بجدية قوات سوريا الديمقراطية في إنهاء الأزمة، حيث اتهم المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك قائد قوات "قسد" مظلوم عبدي، بمحاولة جر "إسرائيل" إلى الصراع في سوريا خلال الاجتماع الذي عقد مؤخراً في أربيل، وفقا لـ"موقع ميدل إيست آي".
 


وأفاد الموقع، نقلاً عن مصادر دبلوماسية، بأن باراك حذّر عبدي من أن أي محاولة لإقحام إسرائيل في الصراع ستؤدي إلى دمار المنطقة. وفي السياق ذاته، انتقد المبعوث الأمريكي طريقة تعامل "قسد" مع الواقع السياسي في سوريا، معتبراً أنها لا تزال تتصرف وكأن بشار الأسد هو من يحكم البلاد، على الرغم من التغيير الجذري الذي طرأ على الساحة السورية.
 
وأوضح باراك أن مبررات الشراكة بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" قد انتهت، بعد أن فقدت دورها كقوة رئيسية في مكافحة تنظيم الدولة على الأرض، إذ أصبحت دمشق الآن مستعدة ومؤهلة لتولي المسؤوليات الأمنية. 

وهو ما يوافق موقف مسؤولين غربيين نقلت عنهم الفايننشال تايمز والتي أكدوا فيها أن "قسد" ما عادت محط ثقة بعد أن جازفت بالسماح بهروب عناصر تنظيم الدولة من السجون التي كانت تحت سيطرتها.

ما علاقة "إسرائيل" بمعارك دمشق و"قسد"؟

في الرابع من كانون الثاني/يناير الجاري، كشف تقرير لوكالة رويترز، إنهاء وزير سوري فجأة اجتماعا في دمشق بين مسؤولين من الحكومة ووفد من "قسد" بشأن الاندماج، بحسب 3 مسؤولين أكراد.

وفي اليوم التالي، سافر وفد سوري إلى باريس لإجراء محادثات مع دولة الاحتلال، بشأن اتفاق أمني بوساطة أمربكية، وقال مصدران سوريان مطلعان على الاجتماع في باريس، إن المسؤولين السوريين طالبوا نظراءهم الإسرائيليين بـ"التوقف عن تشجيع قوات "قسد" على تأخير الاندماج".

العلاقات أقدم من أحداث حلب

لا تعد هذه التصريحات الأولى من نوعها، ففي العام 2022 كشف موقع "أكسيوس" الأمريكي أن "إسرائيل" ضغطت سراً على إدارة الرئيس جو بايدن من أجل منع عملية عسكرية تركية ضد "قسد" بحجة الخشية من تمدُّد النفوذ الإيراني في سوريا، وفق تقرير نشره مركز بحوث سوري.

ويُشير مسؤولون “إسرائيليون” إلى أن “تل أبيب” دأبت على دعم “قسد” طوال تلك السنوات دبلوماسياً وبوسائل أخرى لأنها ترى بها "حليفاً مهماً" في المنطقة، وبحسب صحيفة "إسرائيل هيوم" العبريّة فإن الحوار كان موجوداً بين "قسد" وإسرائيل، لكنه بات أقوى بعد سقوط نظام بشار الأسد.

كما إن مؤسّسات الاحتلال الأمنيّة ناقشت إمكانية الاستجابة لطلبات المساعدة المقدَّمة من قبل “قسد” لكنها أمام مشكلة معقّدة تتعلّق بردود الأفعال الإقليمية والدولية حيال أيّ تدخُّل خاصة مع تركيا التي ترفض وجود "قسد" على حدودها، بحسب الصحيفة نفسها.

نحو فهم أسباب العلاقة بين "قسد" و"إسرائيل"

يمكن القول إنه وفي ظل تعقيدات المشهد السوري وتشابك المصالح بين الأطراف الفاعلة فإنّ العلاقة بين "قسد" ودولة الاحتلال، هي نتاج اعتبارات أمنيّة وسياسيّة وديمغرافيّة تختلف بالنسبة لكل طرف وفق مصالحه.

فمن منظور "قسد" فإن العلاقة مع "تل أبيب" يبدو أنها تُعتبر فرصة استراتيجية تُتيح لها الحصول على دعم سياسي من حلفاء خارجيين، وربما عسكري يُعزّز من موقفها لا سيما مع الضغوط الدولية المستمرة ورفع بعض الدول الدعم عنها.

أما بالنسبة لدولة الاحتلال فإن دعمها لـ"قسد" فيما يبدو ينطلق من عدة مُحدّدات لعل من أبرزها "إضعاف وحدة الأراضي السورية"، فمن خلال دعم إنشاء كانتونات في سوريا سواء كانت كردية أو درزية أو غيرها، فإن هذا سيؤدي إلى تعميق الانقسام داخل سوريا حتى إن لم يتم تحقيق حلم الدولة الكردية المستقلة.

كما أن السعي لعزل الأكراد ضمن كانتون خاص بهم مرتبط بالسلطة المركزية بدمشق، هو هدف تسعى له "قسد" لتكرار شيء من تجربة إقليم كردستان العراق، وهذا في النتيجة يُؤدّي إلى سوريا ضعيفة ومجزَّأة عرقياً وإثنياً.

وأيضا، مناكفة تركيا، حيث يمكن أن تُمثّل "قسد" ورقة ضغط "إسرائيلية" ضد تركيا خاصة في ظل التوترات المستمرة بين أنقرة و"تل أبيب" بسبب دعم تركيا السياسي لحركة حماس ووصفها "إسرائيل" بالدولة الإرهابية جراء ممارساتها في غزة بعد مجازرها في القطاع، لذلك فإن دعم "قسد" قد يعد فرصة للاحتلال للرد على السياسات التركية في ملف يُعدّ مُهدِّداً للأمن القومي التركي.

سقوط "السور الدفاعي"

وفق محللون إسرائيليون، فأن تراجع الالتزام الأمريكي تجاه "قسد"، وتقدُّم مسار التفاهم مع دمشق، يعني سقوط ما وصفوه بـ"السور الدفاعي" الذي كان يفصل الأكراد عن الدولة المركزية، وهو ما تراه دولة الاحتلال مساسا بمصالحها الإستراتيجية القائمة على إبقاء سوريا ساحة مجزّأة وضعيفة.


وبحسب مراسل الشؤون السياسية في صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، إيتمار آيخنر، فإن الاتفاق بين دمشق و"قسد" يثير قلقا بالغا في "تل أبيب" التي كانت تراهن على إضعاف الدولة السورية عبر الدفع نحو انفصال منطقتي الأكراد والدروز وإقامة كيانات مستقلة فيهما.

ويرى آيخنر أن هذا المسار يتعرض الآن لانتكاسة واضحة بعد توقيع الرئيس السوري أحمد الشرع و"قسد" اتفاق دمج الأخيرة في مؤسسات الدولة السورية، بما يشمل وقفا لإطلاق النار بين الطرفين، محذرا من أنه قد يترك انعكاسات مباشرة على أي مفاوضات مستقبلية محتملة بين تل أبيب ودمشق بشأن ترتيبات أو تفاهمات أمنية.