أثارت الخسائر المتلاحقة التي منيت بها قوات
سوريا الديمقراطية "
قسد" في شمال وشمال شرق سوريا مخاوف متصاعدة من احتمال تسرب مقاتلين تابعين لحزب العمال الكردستاني إلى منطقة
سنجار التابعة لمحافظة نينوى، عبر الحدود
العراقية السورية، بالتزامن مع التقدم الميداني للقوات السورية واتساع المساحات الخارجة عن سيطرة تلك القوات.
ومع خسارة "قسد" السيطرة على مناطق واسعة في حلب والرقة ودير الزور وأجزاء من الحسكة، عاد ملف الحدود العراقية السورية إلى صدارة الاهتمام الأمني، وسط تقديرات تتحدث عن إمكانية انتقال عناصر من "قسد" المرتبطة بحزب العمال الكردستاني باتجاه سنجار، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية المعقدة وتشابك خطوط النفوذ في الشريط الحدودي.
وتشير المعطيات إلى أن حزب العمال الكردستاني يحتفظ منذ سنوات بوجود منظم في شمال العراق، ولا سيما في جبال
قنديل وسنجار، مع روابط تنظيمية وعسكرية وثيقة مع قوات سوريا الديمقراطية، التي ينتمي عدد كبير من عناصرها إلى الحزب، ما يعزز احتمالات إعادة تموضع مقاتلين من سوريا داخل الأراضي العراقية.
وتعزز هذه المخاوف تقارير عن استخدام ممرات تهريب وطرق غير رسمية لعبور العناصر بين سوريا والعراق، إلى جانب وجود قنوات تواصل وتنسيق مع جماعات مسلحة محلية، في وقت تستفيد فيه هذه الجماعات من التضاريس الجبلية الوعرة في سنجار وقنديل لإعادة الانتشار والتخفي.
وتفتح التطورات الأخيرة في سوريا الباب أمام سيناريوهات أمنية معقدة، مع تزايد احتمالات لجوء عناصر رافضة للاندماج أو نزع السلاح إلى الأراضي العراقية، وهو ما قد يعيد ملف سنجار إلى واجهة التحديات الأمنية في محافظة نينوى، وسط دعوات لمعالجات شاملة تحد من تمدد الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة.
عودة ملف سنجار الأمني
وفي هذا السياق، كتب محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي، الذي شغل منصبه عند اجتياح تنظيم الدولة المدينة عام 2014، أن السوريين أدرى بشؤون بلادهم، وهم الأقدر على التوصل إلى اتفاقات تضمن لبلادهم الاستقرار.
وأضاف النجيفي عبر صفحته على فيسبوك، أن ما يهمه من تطورات شرق سوريا يقتصر على انعكاساتها المباشرة على المناطق العراقية، ولا سيما محافظة نينوى المتاخمة للحدود.
وأشار إلى أن ملف سنجار مرشح للعودة مجددا ليشكل معضلة داخل نينوى، في ظل تداخل عاملين رئيسيين، أولهما اتفاق حزب العمال الكردستاني مع تركيا على نزع سلاحه، وثانيهما التطورات المتسارعة في شرق سوريا، معتبرا أن هذين العاملين يدفعان المقاتلين الرافضين لنزع السلاح والتحول إلى العمل السياسي، سواء في تركيا أو سوريا، إلى اللجوء إلى منطقتين جاهزتين لاستيعابهم، هما قنديل وسنجار.
ولفت النجيفي إلى أن الموقع الحدودي لمنطقة سنجار، وانتشار زراعة المخدرات في جبل سنجار، إلى جانب تموضع أعداد جديدة من المقاتلين المنسحبين من سوريا، تشكل مؤشرات على أن الدول المجاورة تركز أولا على إبعاد هؤلاء المقاتلين عن أراضيها، في وقت يتغافل فيه العراق عن حالة آخذة في النمو قد تخلق أزمة مستقبلية داخل محافظة نينوى.
وختم بالقول إنه يتمنى أن ينتبه العراقيون مبكرا لهذه الحالة، وأن يعملوا على تشكيل تحالف دولي لمكافحة جميع الفصائل المسلحة الخارجة عن إطار الدول والمتورطة في أعمال التهريب والمخدرات.
خيارات قسد وتداعياتها على أمن العراق
من جهته، كتب الخبير الاستراتيجي علي أغوان عبر صفحته على فيسبوك، موجها حديثه إلى الجهات المعنية أمنيا وعسكريا واستخباراتيا، تقديرا للموقف الأمني الجزئي في سوريا وانعكاساته المحتملة على العراق.
وأوضح أغوان أن حالة التفكك التي تعرضت لها قوات سوريا الديمقراطية، وانسحابها الواسع من مناطق شرق الفرات باتجاه الحسكة، تضع هذه القوات أمام خيارين، إما الانقلاب على الاتفاق مع دمشق والدخول في مواجهة مع الجيش السوري، أو نقل فائض قوتها القتالية إلى العراق، وتحديدا نحو جبال سنجار وقنديل.
وأشار إلى أن هذا التطور يضع العراق أمام تحد مزدوج، إذ كانت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية تركز على مكافحة تنظيم داعش، فيما ستجد نفسها مضطرة اليوم إلى مواجهة حزب العمال الكردستاني، الذي لم يعد يمتلك مساحة جغرافية آمنة سوى في قنديل وسنجار وجبالهما.
واعتبر أغوان أنه من غير المقبول والمعقول أن يتحول العراق إلى مكب لما وصفه بـ"النفايات البشرية والتشوهات الفكرية المنحرفة" القادمة من تركيا وسوريا، والتي فشلت في الاندماج داخل دولها، لتسعى إلى إنشاء مساحات للعمل والتهريب والإرهاب والاتجار بالبشر والآثار وتهريب العملة والسلاح، إضافة إلى بناء نفوذ اجتماعي والتمدد في قطاعات اقتصادية وحتى سياسية داخل العراق.
ولفت إلى أن بعض المعلومات تشير إلى احتمال عبور عناصر حزب العمال الكردستاني بكثافة نحو الأراضي العراقية في حال اتخاذ قرار بعدم القتال ضد الجيش السوري.
وبيّن أن مناطق العبور الكثيفة تتركز ضمن مناطق الإدارة الخاصة بالقوات الأمنية الكردية على الحدود مع سوريا، في حين يستخدم الحزب أيضا طرقا نيسمية وممرات تهريب ضمن قواطع عمليات الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية، ولا سيما في محيط سنجار.
واعتبر أغوان أن الوقت قد فات لإنتاج تفاهمات أو توازنات مع هذه المجموعات كما كان يحدث في السابق، سواء بذريعة مقاتلة تنظيم الدولة أو بسبب ضعف الدور الإيراني الذي كان يمنع العراق من استهدافها، نتيجة توظيف إيران لهذه المجموعات في عمليات نقل عبر الحدود ضمن استراتيجيتها الإقليمية.
وأكد أن العراق بات بحاجة إلى حسم ملف حزب العمال الكردستاني، والانتقال من تصنيفه تنظيما محظورا إلى تصنيفه جماعة إرهابية، على غرار ما هو معتمد في اللوائح الأوروبية والأمريكية.
وشدد على أن هذا التصنيف يجب أن يترافق مع عمل استخباراتي وعسكري مباشر يستهدف الواجهات الاقتصادية الآمنة التي يعتمد عليها التنظيم في تمويل نفسه، سواء في إقليم كردستان العراق أو في باقي المناطق العراقية، بهدف تجفيف منابعه الاقتصادية والتشغيلية.
وأشار إلى أن التنظيم يسيطر على مئات القرى الحدودية مع تركيا وسوريا، ويمارس الابتزاز بحق السكان الأكراد، ويتسبب بتهجيرهم المستمر وتجنيد أبنائهم، لافتا إلى أنه نقل هذه الممارسات منذ فترة ليست قصيرة إلى مناطق تقع تحت السلطة الإدارية والأمنية لبغداد.
وأكد أغوان ضرورة وضع استراتيجية واضحة لمكافحة التنظيم، تشمل تخليص المتورطين العراقيين معه، وإعادة النازحين إلى القرى الحدودية وسنجار، وتمكين هذه المناطق اقتصاديا وأمنيا وتنمويا، ووقف عمليات الترهيب التي يستخدمها التنظيم لمساومة المجتمعات المحلية.
وختم قائلا إن التنظيم لن يسمح للعراق بالعيش بأمان ما لم تُشن ضده عملية عسكرية تطهيرية تطرده من الأراضي العراقية، معتبرا أن الظروف الحالية مناسبة لاتخاذ مثل هذا القرار.
آثار اقتصادية بالغة الأهمية
وعلى الصعيد الاقتصادي، قال الكاتب والمحلل العراقي رسلي المالكي إن وجود قوات سوريا الديمقراطية قرب المثلث العراقي التركي السوري يعني، برأيه، أن مشروع طريق التنمية لن يمر من تلك المنطقة.
وأضاف المالكي أن وجود هذه القوات سيشكل عائقا أمام مسار السكك الحديدية والطرق الممتدة بين الفاو وإسطنبول، محذرا من تهديد حركة الشحن وفرض الإتاوات، معتبرا أن امتلاكها القدرة على التسلل إلى هذا المثلث وهي تحمل السلاح سيمنع المستثمرين من المشاركة في تنفيذ مشروع طريق التنمية.
وأشار إلى أنه في القضايا الاستراتيجية القومية والإقليمية لا تشكل الانتماءات ولا القضايا النضالية فارقا، مؤكدا ضرورة إنهاء وجود قوات سوريا الديمقراطية في تلك المنطقة.