مع إعلان نتائج الانتخابات
العراقية وصعود الفصائل المسلحة المنضوية تحت هيئة
الحشد الشعبي إلى واجهة المشهد السياسي، عقب فوزها بعشرات المقاعد تحت قبة البرلمان، عادت الضغوط الأمريكية لتطفو مجددا على السطح، وهذه المرة عبر ملف نزع السلاح.
وأثار هذا التزامن بين
النتائج الانتخابية والضغط الخارجي تساؤلات بشأن ما إذا كان إحياء ملف نزع
السلاح يستند إلى اعتبارات أمنية فعلية، أم أنه محاولة لإعادة ضبط التوازنات
السياسية في العراق، بعد أن أفرزت صناديق الاقتراع واقعا لا يتماشى مع الرؤية
الأمريكية لطبيعة السلطة في بغداد.
ولم يأتِ طرح ملف نزع
السلاح في هذا التوقيت بمعزل عن التحولات التي طرأت على موقع الفصائل داخل النظام
السياسي العراقي، إذ انتقلت من كونها قوى عسكرية مؤثرة إلى أطراف تمتلك تمثيلا
برلمانيا وغطاء قانونيا.
وجعل هذا التحول مسألة
الجمع بين السلاح والسلطة السياسية أكثر حساسية بالنسبة لواشنطن، التي ترى أن دخول
فصائل مسلحة إلى البرلمان يمنحها شرعية سياسية إضافية، ويقوض في المقابل مبدأ
احتكار الدولة لاستخدام القوة.
وفي هذا السياق، يبدو
أن الضغوط الأمريكية تركز على تقليص هذا التداخل بين النفوذ السياسي والقوة
المسلحة، أكثر من ارتباطها بتطورات أمنية ميدانية جديدة.
تحذيرات أمريكية
أطلق المبعوث الخاص
للرئيس الأمريكي دونالد
ترامب إلى العراق، مارك سافايا، سلسلة تصريحات داعمة لنزع
سلاح الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة، مشددا على ضرورة الانتقال من الخطاب
إلى التنفيذ العملي.
وفي ذكرى مرور ثماني
سنوات على إعلان الانتصار على تنظيم الدولة، نشر سافايا تدوينة على منصة
"إكس" دعا فيها إلى حسم ملف السلاح خارج سيطرة الدولة باعتباره مدخلا
لتعزيز السيادة، محذرا من مخاطر التفكك في حال عدم ترسيخ هيبة المؤسسات، وقال إن
"العراق يقف أمام فرصة حقيقية لتعزيز حضوره الإقليمي وبناء دولة قادرة على
أداء دور أكبر".
وفي أول بيان له عقب
تعيينه، أكد سافايا أن "الحكومة الأمريكية أوضحت أنه لا مكان للجماعات
المسلحة التي تعمل خارج سلطة الدولة"، في إشارة إلى الفصائل المدعومة من
إيران والمندمجة في مؤسسات الدولة، داعيا إلى جعل العراق "عظيما مرة أخرى".
وفي بيان آخر، شدد
سافايا على أن "الدستور العراقي لا يجيز لأي حزب أو فرد امتلاك قوات مسلحة
خارج سلطة الدولة، وهذا ينطبق على كل العراق دون استثناء"، محذرا من أن
البلاد تقف عند مفترق طرق بين "السيادة والاستقرار والازدهار، أو التفكك
والفوضى".
وترتبط تصريحات
المبعوث الأمريكي بقانون التمويل الدفاعي الأمريكي، الذي يشترط تقليص قدرات
الفصائل المدعومة من إيران لاستمرار تقديم المساعدات، مع حظر أي دعم لمنظمة بدر.
ومن جهته، قال الناشط العراقي محمد المعروف إن ملف نزع سلاح الفصائل يُطرح بوصفه خطوة نحو الاستقرار، لكنه قد يؤدي، بحسب قراءة أمنية، إلى تحول التهديد لا إنهائه، في ظل ضغوط دولية دفعت بعض الفصائل إلى البحث عن صيغ بديلة للحفاظ على نفوذها دون مواجهة مباشرة.
وأضاف أن المؤشرات تؤكد على إعادة تموضع منظم عبر تسليم شكلي للسلاح والانتقال إلى شبكات اقتصادية وتنظيمية أكثر سرية، محذرا من نشوء تهديد صامت وأكثر خطورة يقوض سلطة الدولة دون صدام مباشر.
موقف القضاء وردود الفعل
في خضم الجدل المتصاعد
داخل العراق بشأن قبول بعض قادة الفصائل بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، أثار بيان
مقتضب صادر عن رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، موجة تساؤلات وانتقادات داخل
الأوساط السياسية والشعبية، إلى جانب رد فعل غاضب من النائب الأمريكي جو ويلسون.
وقال مجلس القضاء
الأعلى، في بيان صدر السبت، إن "رئيس مجلس القضاء الأعلى يشكر الأخوة قادة
الفصائل على الاستجابة لنصيحته المقدمة إليهم بخصوص التعاون معا لفرض سيادة
القانون وحصر السلاح بيد الدولة والانتقال إلى العمل السياسي بعد انتفاء الحاجة
الوطنية إلى العمل العسكري".
وأوضح المجلس، في بيان
إيضاحي لاحق نُشر على موقعه الرسمي، أن ما صدر عن زيدان "يعكس تأكيده ضرورة
التزام جميع الأطراف بمسار سيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة"، باعتباره
توجها مؤسساتيا ثابتا ينسجم مع متطلبات بناء الدولة العراقية الحديثة.
وأضاف أن شكر رئيس
مجلس القضاء لقادة الفصائل جاء "بوصفه مقاربة قانونية مسؤولة، لا تنطوي على
أبعاد سياسية ظرفية، بل تستند إلى مرجعيات دستورية وتشريعية واضحة وملزمة".
انتقادات أمريكية لاذعة للقضاء العراقي
في المقابل، وجّه
النائب الأمريكي الجمهوري جو ويلسون انتقادات حادة لرئيس مجلس القضاء الأعلى، على
خلفية بيانه بشأن الفصائل المسلحة.
وكتب ويلسون في منشور
على منصة "إكس" أن "رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي وجّه الشكر
علنا للفصائل المسلحة على نيتها المعلنة بنزع السلاح"، معتبرا أن هذا الموقف
"لا يعكس سلوك مؤسسة دولة ولا حياد القضاء"، بل يظهر "وجود قناة اتصال
وعلاقة مستمرة بين قيادة القضاء والفصائل المسلحة".
انقسام داخل الفصائل
بالتوازي مع ذلك، أدى
التراجع السريع لبعض الفصائل المسلحة، أو القوى السياسية التي تمتلك أجنحة مسلحة،
عن مواقفها السابقة من قضية السلاح إلى انقسام داخلي واضح.
وتوزع هذا الانقسام
بين أطراف أبدت قبولا مشروطا بنزع السلاح، مثل شبل الزيدي وقيس الخزعلي مطالبة بضمانات تتعلق بآلية التسليم
ودور الحكومة، وبين رفض قاطع من فصيلي "كتائب حزب الله"
و"النجباء"، اللذان أعلنا مواقف معارضة في بيانات رسمية.
وأكدت "كتائب حزب
الله" في بيان رفضها "نزع سلاحها"، معتبرة أن "السيادة وضبط
أمن العراق ومنع التدخلات الخارجية بمختلف أشكالها تمثل مقدمات للحديث عن حصر
السلاح بيد الدولة"، مضيفة أن "موقفنا يطابق ما ذهب إليه مراجعنا، متى
ما تحقق ذلك".
من جهتها، شددت حركة
"النجباء"، وهي الفصيل المسلح الوحيد الذي لا يمتلك تمثيلا برلمانيا أو
حكوميا، على استمرارها في ما وصفته بـ"مقاومة الأمريكيين بكل الطرق"،
وذلك في تعليقها على إعلان بعض الفصائل القبول بخطوة نزع السلاح.
موقف واشنطن النهائي
ورحب المبعوث الأمريكي
مارك سافايا بالخطوات المبلغ عنها لبعض الفصائل باتجاه نزع السلاح، واصفا إياها
بأنها "مرحب بها ومشجعة" وتمثل "استجابة إيجابية لنداءات
المرجعية"، إلا أنه شدد في الوقت ذاته على أن "بيانات النوايا وحدها لا
تكفي".
وأكد سافايا أن نزع السلاح يجب أن يكون "شاملا وغير قابل
للتراجع"، ضمن إطار وطني ملزم، يشمل تفكيك جميع الفصائل المسلحة وانتقال
عناصرها إلى الحياة المدنية.
الإشراف الأمريكي على خطة نزع السلاح
وصلت الكولونيل ستيفانا باغلي، الضابطة الأمريكية البارزة في ملف الأمن العراقي، إلى بغداد مؤخرا لتولي الإشراف المباشر على تنفيذ خطة نزع سلاح الفصائل غير الرسمية، ولا سيما الموالية لإيران وغير المدمجة في قوات الأمن.
وطلبت باغلي من المسؤولين العراقيين أبرزهم رئيس أركان الجيش إعداد جدول زمني واضح لتقليص القدرة العملياتية لهذه الجماعات عبر مسارات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، على أن تكون هذه الإجراءات قابلة للتحقق العلني، ومرتبطة بقيود موازنة الكونغرس الخاصة بالتمويل الأمني، التي أُقرت في 11 كانون الأول/ديسمبر 2025.
وتشمل المرحلة الأولى تسليم الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وتفكيك معسكرات استراتيجية محيطة ببغداد، تليها إقالة مسؤولين فصائليين من هيئة الحشد الشعبي.
وأبلغت الولايات المتحدة الحكومة العراقية في أكثر من مناسبة بانتظارها جدولا زمنيا واضحا لتصفية هذا النفوذ، على أن يكون استمرار التعاون الأمني مشروطا بتحقيق ذلك، وجاءت هذه التحركات عقب تصريحات رئيس الوزراء محمد شياع السوداني التي أكد فيها أن حصر السلاح يمثل أولوية، مع اتخاذ خطوات فعلية للحوار مع الفصائل قبل انسحاب التحالف.
وترتبط مهمة باغلي بسلسلة ضغوط أمريكية تهدف إلى تعزيز سيادة الدولة العراقية، حيث يُشترط على الفصائل إما الاندماج في الجيش أو الانخراط في العمل السياسي بعد تسليم أسلحتها، في ظل توازن دقيق بين واشنطن وطهران.