يشهد الاحتلال
الإسرائيلي جدلا واسعا في الأوساط السياسية والاقتصادية والإعلامية حول تداعيات صفقة بيع
الغاز الطبيعي إلى
مصر، في وقت تعول فيه القاهرة على الاتفاق لتأمين إمدادات مستقرة وبأسعار ثابتة على المدى الطويل، بينما تتباين التقديرات داخل تل أبيب بين من يراها مكسبا اقتصاديا ودبلوماسيا، ومن يحذر من مخاطر استراتيجية تمس أمن
الطاقة مستقبلا.
ويأتي هذا الجدل عقب إعلان رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الطاقة إيلي كوهين إبرام صفقة ضخمة لتصدير الغاز إلى مصر بقيمة 35 مليار دولار، وصفاها بأنها «لحظة تاريخية» للاقتصاد الإسرائيلي، وفق ما نقل تقرير إعلامي تابعته منصة «الطاقة» المتخصصة (مقرها واشنطن).
وكانت الصفقة قد عادت إلى الواجهة مؤخرا بعدما قررت تل أبيب تجميدها لفترة، في محاولة للضغط على القاهرة للحصول على ما وصفته بـ«أسعار عادلة»، قبل أن تعود وتعلن استكمالها رسميا.
عائدات ضخمة.. وتحذيرات مستقبلية
وأكد نتنياهو أن صفقة بيع الغاز إلى مصر ستضخ نحو 58 مليار شيكل (18.5 مليار دولار) في الخزانة العامة الإسرائيلية، متعهدا بتوجيه هذه العائدات بالكامل لتحسين قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية والأمن، ومشددا في الوقت نفسه على أنها لن تؤدي إلى رفع أسعار
الكهرباء داخل الاحتلال.
غير أن خبراء اقتصاديين وطاقويين حذروا من أن الصفقة قد تؤدي إلى نقص في إمدادات الغاز بالسوق المحلية خلال نحو عقد من الزمن، الأمر الذي قد ينعكس لاحقا بارتفاع أسعار الكهرباء، خلافا لتطمينات الحكومة.
تفاصيل الصفقة الأكبر في تاريخ الاحتلال
وبموجب الاتفاق، الذي يعد الأكبر من نوعه في تاريخ الاحتلال الإسرائيلي، ستصدر تل أبيب إلى مصر نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي حتى عام 2040، مقابل 112 مليار شيكل (نحو 35 مليار دولار).
وتمثل هذه الكمية قرابة 15% من احتياطيات الغاز المؤكدة لدى الاحتلال٬ أو ما يعادل استهلاك السوق المحلية لنحو عشر سنوات، وفق التقديرات.
وسيذهب نحو نصف عائدات الصفقة إلى خزينة الدولة الإسرائيلية، في حين سيُخصص النصف الآخر للتحالف الذي يمتلك حقوق التطوير في حقل «ليفياثان» البحري، أحد أكبر اكتشافات الغاز في المياه العميقة عالميا.
ويضم هذا التحالف شركات «نيو ميد إنرجي» الإسرائيلية (المعروفة سابقا باسم ديليك دريلينغ) بحصة 45.3%، و«شيفرون» الأمريكية بنسبة 39.66%، إضافة إلى «ريشيو أويل كورب» المالكة لنحو 15% من أسهم الحقل.
بين المكاسب الاقتصادية ومخاوف فقدان الاستقلالية
ويرى مؤيدو الصفقة أنها تمثل مكسبا اقتصاديا وسياسيا للاحتلال٬ من خلال ضخ أموال ضخمة في الخزينة العامة، وتعزيز علاقاتها الإقليمية، والمساهمة في تحقيق قدر من الاستقرار في شرق المتوسط.
في المقابل، يعتبر معارضوها أن الاتفاق يرقى إلى «بيع احتياطيات الطاقة الوطنية»، ويخدم مصالح نخبة محدودة من رجال الأعمال، على حساب الأمن الطاقوي الإسرائيلي على المدى البعيد.
وقال رئيس قسم الأبحاث في منظمة «لوبي 99» الشعبية، أرييل باز-ساويكي، إن تل أبيب تتمتع حاليا باستقلالية كاملة في قطاع الطاقة، «ما يعني أننا لسنا بحاجة إلى أي دولة أخرى لتلبية احتياجاتنا من الكهرباء».
وأضاف، في تصريحات لصحيفة «
تايمز أوف إسرائيل»، أن تصدير كميات ضخمة من الغاز إلى مصر سيؤدي إلى مضاعفة إنتاج حقل «ليفياثان»، الأمر الذي قد يسرع نضوبه، ويقصر الفترة التي ستبقى فيها إسرائيل مستقلة طاقويا.
وحذر من أن تل أبيب قد تسلك المسار نفسه الذي سلكته دول مثل هولندا والمملكة المتحدة، التي كانت مستقلة في مجال الطاقة قبل أن تتحول إلى استيراد الغاز نتيجة سياسات تصدير «ليبرالية».
مخاوف من ارتفاع أسعار الكهرباء
ويعتمد الاحتلال الإسرائيلي حاليا على الغاز الطبيعي المنتج محليا لتوليد أكثر من 70% من الكهرباء، وفق تقديرات متخصصة.
ويرى خبراء أن نضوب حقول الغاز سيجبر الاحتلال مستقبلا على استيراد الغاز، ما سينعكس مباشرة على أسعار الكهرباء وتكلفة المعيشة.
وفي هذا السياق، قال باز-ساويكي إن استنزاف احتياطيات الغاز قد يؤدي إلى زيادة فواتير الكهرباء بنسبة تصل إلى 25%، في حال لم تعزز الحكومة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.
من جانبه، توقع غابرييل ميتشيل، زميل السياسات في معهد «ميتفيم» للأبحاث، أن تبدأ تل أبيب بمواجهة ارتفاع في أسعار الكهرباء بعد نحو عقد من الزمن، مشيرا إلى أن ذروة استهلاك الغاز قد تسجل بحلول عام 2035 بدلا من التوقعات السابقة لعام 2045.
وأوضح أن تسارع الفجوة بين الطلب المحلي والمعروض سيمنح منتجي الغاز قدرة أكبر على فرض أسعار أعلى عند التفاوض على العقود، محذرا من أن ذلك «سيكون له تأثير واضح على تكلفة المعيشة، لأن جميع المواطنين يستهلكون الكهرباء».