زعم مسؤولون عن
محاولات استخباراتية
إيرانية للتواصل مع وكالة الاستخبارات الأمريكية بشكل غير
مباشر، بعد يوم واحد من الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، للتفاوض حول شروط
محتملة لوقف القصف.
ونشرت صحيفة
"
نيويورك تايمز" تقريرا أعده مايكل كرولي وجوليان إي.بارنز ورونين بيرغمان زعما خلاله إن المسؤولين الاستخباراتيين الإيرانيين تواصلوا بعد يوم من الهجوم الأمريكي-
الإسرائيلي على بلادهم مع مسؤولين في الاستخبارات المركزية الأمريكية، سي آي إيه، وإن
بشكل غير مباشر للتفاوض حول الشروط لوقف الهجوم، هذا رغم تأكيد القيادة الإيرانية الموجودة
بأنها لا تريد التفاوض مع الأمريكيين، حيث عبر مسؤولون أمريكيون عن شكوك، على الأقل
في المدى القصير، من استعداد إدارة دونالد ترامب أو إيران لخفض التصعيد.
وأضاف التقرير أنه
ومع ذلك، يثير العرض، الذي مرر عبر وكالة استخبارات تابعة لدولة أخرى، تساؤلات جوهرية
حول قدرة أي مسؤولين إيرانيين على إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار مع حكومة طهران التي
تعيش حالة من الفوضى، في ظل استهداف قادتها بشكل منهجي بالغارات الإسرائيلية.
واستندت الصحيفة في
تقريرها على معلومات من مسؤولين في الشرق الأوسط ومسؤولي دولة غربية، شريطة عدم الكشف
عن هويتهم. ولم يستجب مسؤولو البيت الأبيض والمسؤولون الإيرانيون لطلبات التعليق. وامتنعت
سي آي إيه عن التعليق.
اظهار أخبار متعلقة
وقالت الصحيفة إن مسؤولين
إسرائيليين يريدون مواصلة حملة عسكرية تمتد لأسابيع لإلحاق أكبر قدر من الضرر بالقدرات
العسكرية الإيرانية، وربما التسبب في انهيار الحكومة الإيرانية، حثوا الولايات المتحدة
على تجاهل هذه المحاولات. ولم تتعامل الولايات المتحدة مع هذا العرض بجدية.
فبعدما دعا ترامب للحوار،
كتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي صباح الثلاثاء أنه "فات الأوان" لإجراء
محادثات. وفي حديثه مع الصحافيين في وقت لاحق من اليوم نفسه، أعرب ترامب عن أسفه لمقتل
المسؤولين الإيرانيين الذين تعرفهم الولايات المتحدة وتعتبرهم قادة محتملين. وقال:
"معظم الأشخاص الذين كنا نقصدهم قد ماتوا. وقريب جدا لن نعرف أحدا".
وأشارت الصحيفة إلى
أن التواصل الإيراني والفوضى التي أحدثها الهجوم الأمريكي- الإسرائيلي يسلطان الضوء
على القضية المحورية التي يواجهها ترامب وهو يفكر بنوع الحكومة الإيرانية التي يأمل
في تشكيلها أو على الأقل التي يرضى بها. ويبدو أنه قد توقف بالفعل عن الترويج لفكرته
الأولى وهي الدعوة إلى ثورة شعبية، تحمل معها قيادة جديدة، وبدلا من ذلك، بات على ما
يبدو يرى، أن أفضل نتيجة هي بروز شخصيات أكثر براغماتية على رأس الهيكل السياسي القائم.
وكحد أدنى، يتوقع مسؤولو
ترامب أن يتضمن أي اتفاق لوقف القصف تعهدا من طهران بالتخلي عن برامجها الصاروخية الباليستية
والنووية أو تقليصها بشكل جذري ووقف ودعمها للجماعات الأجنبية الوكيلة مثل حزب الله.
وفي المقابل، ألمح
ترامب إلى أنه سيسمح للقادة الإيرانيين الباقين على قيد الحياة بالاحتفاظ بنفوذهم الاقتصادي
والسياسي. وأشار مرة أخرى يوم الثلاثاء إلى أن نموذجه سيكون فنزويلا بعد اعتقال الولايات
المتحدة لزعيمها نيكولاس مادورو في كانون الثاني/يناير، فتحت وطأة التهديد باستخدام
المزيد من القوة، أجبر ترامب خليفة مادورو على منح الولايات المتحدة السيطرة على صادرات
النفط الفنزويلية، مع مطالبة ضئيلة بالإصلاح السياسي.
وفي مقابلة مع
"نيويورك تايمز" يوم الأحد قال ترامب: "أعتقد أن ما فعلناه في فنزويلا
هو السيناريو الأمثل، يمكن اختيار القادة". مع أن هذه الرؤية قد تكون سرابا ولعدة
أسباب، منها، ليس من الواضح ما إذا كانت إيران منفتحة بالفعل على اتفاق، على الرغم
من التواصل الأخير من جهاز استخباراتها. وقد يعتقد بعض القادة الإيرانيين أن بإمكانهم
إلحاق ما يكفي من الضرر المادي والاقتصادي والسياسي بالولايات المتحدة وإسرائيل لإجبارهما
على إنهاء هجومهما. ويواجه ترامب بالفعل ضغوطا سياسية متزايدة من حلفائه الجمهوريين
غير الراضين عن العملية.
وقال ستيفن كوك، خبير
شؤون الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية، إن تصريحات ترامب المتغيرة بشأن القيادة
الإيرانية قد تعكس التوتر مع إسرائيل حول أهداف الحرب. وقال كوك، في إحاطة صحافية يوم
الاثنين، إن إسرائيل لا ترغب في قيام ترامب بهندسة "حل يشبه فنزويلا للتغيير في
إيران" وربما بالاستعانة بأحد أعضاء الحرس الثوري الإيراني. وتسيطر هذه القوة
العسكرية النخبوية على جزء كبير من الاقتصاد الإيراني. ويعتقد بعض المحللين والمسؤولين
الأمريكيين أن صفوفها قد تضم براغماتيين أقل تمسكا بمبادئ النظام الأصولية من حرصهم
على الحفاظ على سلطتهم وثروتهم.
اظهار أخبار متعلقة
وقبل الضربات على إيران
أعدت سي أي إيه تقييما استخباراتيا يدرس سيناريوهات مختلفة لنوع القيادة الإيرانية
التي قد تظهر بعد هجوم أمريكي إسرائيلي على إيران. ويشير المطلعون على السيناريوهات
المختلفة التي أعدتها الوكالة إلى أن أيا منها لم يكن يتمتع بدرجة عالية من الثقة،
نظرا لكثرة المتغيرات المجهولة التي تحول دون التنبؤ بكيفية سير الأمور.
إلا أن صانعي السياسات
الذين راجعوا المعلومات الاستخباراتية توصلوا إلى استنتاجاتهم الخاصة بشأن السيناريوهات
الأكثر ترجيحا. وقد استبعد بعضهم فكرة قدرة المعارضة الإيرانية الاستيلاء على السلطة،
وركزوا أكثر على احتمال بروز مجموعة من عناصر الحرس الثوري الإسلامي كأكثر الأصوات
نفوذا في الحكومة.
والسؤال المطروح الآن
أمام إدارة ترامب هو: هل سينجو أي من هؤلاء المسؤولين من الهجمات المتكررة على الحكومة؟
مشيرة إلى أن ترامب قدم عدة تصريحات متناقضة بشأن أهدافه الحربية، لذا فمن الممكن أن
يغير رأيه بعد استبعاده للمفاوضات.
وحتى لو جدد ترامب
بحثه عن زعيم إيراني، فمع ضعف الحكومة، قد يصعب إيجاد شخص يتمتع بنفوذ كاف لكي
يقنع البلاد بالالتزامات تجاه الولايات المتحدة.
كما ويحذر العديد من
المحللين من أن الحكومة الإيرانية قد تفقد قريبا سيطرتها على المناطق النائية التي
تهيمن عليها أقليات عرقية كالأكراد أو قد تنهار تماما، مما يؤدي إلى فوضى وعنف يذكر
بالحروب الأهلية في سوريا وليبيا.
وربما أطاح الإيرانيون
بحكومتهم الضعيفة، حيث لا يحظى النظام بشعبية كبيرة، ولم يتمكن من البقاء في السلطة
إلا من خلال القمع الوحشي للانتفاضات الشعبية. ورغم دعوة ترامب الإيرانيين السيطرة
على مصيرهم في شريط فيديو إعلان الهجوم إلا أنه ومنذ ذلك الحين، تبنى نبرة أكثر سلبية.
وقال لصحيفة "نيويورك تايمز": "ستتاح لهم هذه الفرصة، لكن بصراحة، الأمر
متروك لهم وسيتعين عليهم اتخاذ هذا القرار".
لكن المحللين يحذرون
من أنه لا يوجد ما يضمن أن يرحب ترامب بنتيجة ثورة شعبية. وقالت روزماري كيلانيك، مديرة
برنامج الشرق الأوسط في منظمة "ديفنس برايوريتز": "هناك احتمال ضئيل
أن تكون الدولة التي ستخلف الثورة ديمقراطية ليبرالية موالية للولايات المتحدة، نظرا
لأنها تأسست في خضم حرب مع الولايات المتحدة". واعترف ترامب بهذا يوم الثلاثاء
قائلا: "أسوأ سيناريو هو أن نفعل ذلك، ثم يتولى السلطة شخص سيئ مثل سلفه، أليس
كذلك؟ نود أن نرى شخصا يعيد الأمور إلى نصابها لصالح الشعب".
وعندما سئل ترامب عن
إمكانية إعادة تنصيب رضا بهلوي، الابن الأكبر لشاه إيران السابق، الذي أُطيح به عام
1979، بدا غير متحمس، وقال إن بهلوي "يبدو شخصا لطيفا للغاية"، لكنه أشار
إلى أنه يفضل "شخصا يتمتع بشعبية، إن وجد".
ومع ذلك يذكر بهلوي
بعلاقات إيران الوثيقة مع أمريكا. فقد حظي والده، محمد رضا بهلوي، بدعم الولايات المتحدة
في انقلاب الخمسينيات الذي ضمن له الحكم لعقود. وباع بهلوي النفط واشترى الأسلحة من
الولايات المتحدة، وحظي باستقبال حافل في البيت الأبيض في عهد نيكسون وكارتر، وكانت
تربطه علاقات جيدة بإسرائيل، وقد اطاحت به ثورة أقامت حكما معاد لأمريكا، ولهذا يقول
ترامب وكبار مستشاريه إنه من المستحيل التعامل مع قادة إيران الحاليين نظرا
لتطرفهم الديني وكراهيتهم المعلنة للغرب. ويجادلون بأن رفض إيران لمطالب ترامب خلال
المفاوضات النووية التي جرت الشهر الماضي، تحت تهديد السلاح، يظهر تعصب قادتها.
ووصفهم ترامب يوم الإثنين
بـ"المتطرفين المجانين"، مضيفا: "إنهم مرضى، إنهم يعانون من اضطرابات
عقلية، مرضى، إنهم غاضبون، إنهم مجانين، إنهم مرضى".
وإذا ما استمرت الحكومة
الإيرانية، فالسؤال هو إن كان ترامب قادرا على إيجاد وسيط "أكثر اعتدالا"،
كما قال يوم الثلاثاء. وهذا يعني شخصا ذا منصب بارز في الحكومة الحالية يتمتع بالسلطة،
وفي الوقت نفسه، ليس ملتزما بأيديولوجيتها الثورية.