تناول
تقرير نشره موقع "كاونتر بانش" الصراع بين
إيران والاحتلال والولايات المتحدة والقوى
الغربية بشكل عام بخصوص عدة ملفات منها النووي.
وقال التقرير، إن الصراع مع إيران لا يتركز على
الملف النووي أو حقوق الإنسان، بل يمثل صراعا وجوديا حول السيادة وحق الاستقلال في مواجهة الهيمنة الأمريكية – الإسرائيلية.
وأضاف التقرير أن الغرب لا يقبل بإيران إلا بوصفها دولة تابعة، وأن الأثمان الباهظة التي تدفعها تأتي نتيجة مباشرة لرفضها هذا الدور.
وقال الموقع، في تقرير ترجمته "عربي 21"، إن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلن في 12 يونيو/ حزيران 2025 أن طهران تنتهك التزامات عدم الانتشار، وفي اليوم التالي شنت إسرائيل هجومًا واسعًا على طهران ومدن إيرانية أخرى، اغتالت خلاله قادة عسكريين وعلماء نوويين، وقصفت اجتماعات حكومية ومناطق سكنية وسجن إيفين، بدعم استخباراتي أمريكي وقصف مباشر لمواقع التخصيب النووي. وجاء الهجوم أثناء مفاوضات بدت بنّاءة بين إيران والولايات المتحدة، وأسفر عن مقتل نحو ألف شخص وإصابة الآلاف وتشريد مئات العائلات.
وأضاف الموقع أن التزامن بين صدور تقرير الوكالة والهجمات الإسرائيلية يعزز مزاعم إيران بأن بعض المفتشين تجسسوا لصالح إسرائيل، رغم عدم وجود أدلة قاطعة على تنسيق التقرير مع الهجوم.
وأشار الموقع إلى مواقع نووية غير معلنة دون ذكر أي برنامج تسليح، فيما أكد مدير الوكالة لاحقًا أن إيران لم تسعَ لامتلاك سلاح نووي منذ 2003، واستخدمت إسرائيل التقرير لتبرير هجومها العسكري الشامل الذي كان يُخطط له منذ سنوات، كما سبق للوكالة والأمم المتحدة التعاون مع الاستخبارات الأمريكية ضد العراق في التسعينيات.
وقال الموقع إن "حرب الأيام 12" انتهت، وعاد الإيرانيون إلى واقع العنف المستمر المتمثل في العقوبات الأمريكية والاغتيالات الممنهجة التي ينفذها الموساد.
ودعت إدارة ترامب وحلفاؤها الأوروبيون إيران إلى قبول هزيمتها، والاستسلام غير المشروط، والعودة إلى طاولة المفاوضات، مطالبةً بتفكيك برنامجها النووي، وإيقاف برنامجها الصاروخي، ووقف دعمها للقضية الفلسطينية ومحور المقاومة، أي التحول إلى دولة تابعة بالكامل؛ حيث تبقى إيران إحدى آخر جبهات المقاومة أمام الهيمنة الأمريكية والمجازر الإسرائيلية، إلا أن هذا التحدي يأتي بثمن باهظ للغاية.
وبين التقرير، أن
الولايات المتحدة تسعى لإعادة الشرق الأوسط إلى حالة ما قبل ثورة 1979، بحيث تصبح إيران دولة تابعة تحمي مصالحها في المنطقة، لافتًا إلى أن هذا الهدف شكّل لبّ الإستراتيجية الأمريكية تجاه إيران على مدار أكثر من أربعة عقود، من خلال حملات الترهيب، وبناء أكثر من اثنتي عشرة قاعدة عسكرية دائمة، وعمليات تخريب، وتهديدات وعقوبات مشددة، وصولًا إلى قصف مواقع التخصيب النووي خلال عهد ترامب.
وأوضح الموقع أن الهدف المعلن لإسرائيل يتمثل في إسقاط الجمهورية الإسلامية وتقسيم إيران على أسس إثنية، مستغلة التعددية العرقية وتصعيد التوترات بين الأقليات السنية والطبقة الحاكمة الشيعية لتكرار نموذج الدولة الفاشلة.
ودعمت إسرائيل جماعات معارضة مثل مجاهدي خلق والتنظيمات الملكية عبر التمويل والاستخبارات والشبكات الدعائية لزعزعة الاستقرار، حتى تحولت منظمة مجاهدو خلق إلى وكلاء صهاينة ضمن المشروع الأمريكي النيومحافظ. وكان هجوم 13 يونيو/ حزيران 2025 ممكنًا جزئيًا بفضل عناصر إيرانية دربها الموساد لتخريب الدفاعات الجوية، ما أتاح للطائرات الإسرائيلية التحليق بحرية فوق الأجواء الإيرانية.
وأشار التقرير، إلى أن "حرب الأيام الاثني عشر" أسفرت لإيران عن نتيجتين غير متوقعتين؛ فقد توقع الإسرائيليون تفكيك النظام بسرعة بفضل تفوقهم الجوي، وأرسلوا رسالة صوتية للقادة العسكريين الإيرانيين تطالبهم بالتنحي أو القتل مع عائلاتهم، غير أن القادة أعادوا تنظيم هيكل القيادة وشنوا هجمات صاروخية مضادة سببت دمارًا غير مسبوق في إسرائيل، ما أجبرها على طلب تدخل أمريكي مباشر. وبعد أسبوع فقط، تمكنت إيران من اختراق منظومة "القبة الحديدية" الإسرائيلية التي طالما اعتُبرت منيعة.
وبين أن النتيجة الثانية غير المتوقعة كانت وحدة الإيرانيين حول العلم الوطني. فقد راهن الإسرائيليون على أن العقوبات الاقتصادية والفساد المستشري في الطبقات الحاكمة ستثير احتجاجات جماهيرية، إلا أن القصف الأمريكي أعاد إحياء النزعة القومية ومنح مصداقية إضافية لخطاب الجمهورية الإسلامية الذي يصوّر الولايات المتحدة وإسرائيل كتهديدين وجوديين، مؤكدًا أن الافتراض القائل بأن الإيرانيين مستعدون لقبول أي بديل عن النظام كان سابقًا لأوانه.
كما لفت إلى أن أجهزة الاستخبارات الغربية روّجت لعقود لفكرة مفادها أن آية الله خامنئي يعاني من هوس مزمن، يقضي باعتقاد أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتآمران للإطاحة بالجمهورية الإسلامية، وغالبًا ما يُستغل هذا الطرح في الإعلام الغربي لتصوير عقلية خامنئي على نحو سلبي ومبالغ فيه. وما إن توقفت المعارك حتى اندلعت حرب السرديات؛ فقد ادعى الرئيس ترامب أن القنابل الأمريكية دمّرت المواقع النووية الإيرانية وأجبرت النظام على قبول هزيمته، مطالبًا بالاستسلام غير المشروط وإغلاق برامج التخصيب.
وفي المقابل، احتفل الإسرائيليون بعرض قدراتهم العسكرية والاستخباراتية من دون الكشف عن حجم الأضرار الإيرانية، بينما أثبتت إيران أنها ليست نسخة من العراق أو سوريا أو ليبيا، وقادرة على الصمود والرد بقوتها العسكرية المحلية.
وقال الموقع إن حرب السرديات ترسم ملامح المرحلة المقبلة في الصراع بين إيران وإسرائيل وحلفائها الغربيين، حيث وضعت واشنطن وإسرائيل وبريطانيا وألمانيا وفرنسا خيارين لإيران، كلاهما يؤدي إلى وضع الدولة التابعة الذي تصر واشنطن على فرضه. و
يُعد مطلب "العودة" إلى طاولة المفاوضات، رغم أن إيران لم تغادرها وإسرائيل معتادة على اغتيال المفاوضين، أداة لإرغام الجمهورية الإسلامية على وقف برنامج التخصيب، وإغلاق خطوط إنتاج الصواريخ، وقطع علاقاتها مع حلفائها الإقليميين.
وبعد الحرب، أصدر ائتلاف جبهة الإصلاح بيانًا دعا إلى قبول الشروط الأمريكية وإجراء إصلاحات مشروعة مثل الإفراج عن السجناء السياسيين، واحترام حرية التعبير، ومراجعة قوانين التمييز الجندري، وإجراء انتخابات حرة، ومكافحة الفساد، إلا أن البيان ربط هذه الإصلاحات بوضع إيران في النظام العالمي القائم كدولة منبوذة، دون توضيح شروط القبول أو إمكانية الاحتفاظ بالسيادة.
وأكد التقرير، أن التركيز على الطابع السلطوي للجمهورية الإسلامية كسبب للهجمات الإسرائيلية والعداء الأمريكي أمر مبالغ فيه، فلو كان القمع وحده مصدر القلق، لكانت دول حليفة واشنطن نماذج للديمقراطية. وما يُروَّج من حقوق الإنسان في إيران ليس أكثر من ستار يخفي الأيديولوجيات التوسعية الأمريكية والإسرائيلية.
وأوضح أن وزارة الخارجية الأمريكية نشرت في 30 سبتمبر/أيلول 2025 دعوات للإفراج عن السجينة الكردية بخشان عزيزي ووقف استهداف الأقليات، لكن الدعوة استُغلت سياسيًا، فيما رفضت عزيزي من زنزانتها هذا الاستغلال، مؤكدة أن النضال من أجل العدالة الاجتماعية لا يُحل بالاستسلام للإمبراطورية.
وأضاف الموقع أنه منذ الثورة الإيرانية عام 1979، طالبت المعارضة بتغيير النظام عبر أشكال متعددة من الحركات العمالية والمدنية والنسوية، لكن بعض القوى دعت دائمًا إلى التدخل الخارجي، من الغزو العراقي إلى الحرب الإسرائيلية–الأمريكية الأخيرة.
وذكر الموقع أن رفض الجمهورية الإسلامية أن تصبح دولة تابعة للولايات المتحدة يفسر مقاومتها للهيمنة الأمريكية وتنافسها مع إسرائيل على النفوذ، وقد أنشأت تحالفًا مناهضًا للصهيونية لأغراض الردع، مع دعم القضية الفلسطينية بما يخدم مصالحها الوطنية، دون ارتكاب أي عدوان على إسرائيل، رغم الانتقادات الداخلية لتقاعسها أمام الاعتداءات الإسرائيلية على العلماء والبنية التحتية.
كما شدد التقرير على أن مطالبة إيران باحترام القوانين الدولية، في ظل انتهاكات إسرائيل المتكررة لسيادتها والقصف الأمريكي غير القانوني لمواقعها النووية، لا تمثل إلا دعوة للخضوع للشروط الأمريكية‑الإسرائيلية ضمن نظام عالمي يفرض الانصياع للإمبريالية الأمريكية.
وأضاف أن نهج إدارة ترامب في التفاوض، كما ظهر في خطة غزة المكونة من عشرين نقطة، يقوم على منطق "القبول أو الإبادة"، إذ صيغت الخطة دون مشاركة الفلسطينيين وعُدلت بما يخدم إسرائيل، ما يسمح باستمرار العدوان ويكشف الطموحات الإمبريالية غير المقيدة للولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهم.
وبحسب التقرير فإن الإيرانيين منهكين من العقوبات وجهاز الدولة القمعي، ومستعدون أحيانًا لقبول أي صفقة أمريكية، مع وعي بإمكانية تفكك البلاد على غرار الدول الفاشلة في ليبيا وسوريا والعراق.
وأضاف أن استمرار تهديدات الحرب والعقوبات دفع شريحة واسعة من المجتمع نحو سياسة الاستسلام، وأن الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ألغت مؤقتًا الفارق بين الدولة والأمة، بينما تكافح الدولة جشع الإمبراطورية.
واختتم الموقع بالإشارة إلى أن إيران بحاجة لفصل الدفاع عن سيادتها عن النضال من أجل العدالة الاجتماعية والحريات المدنية، ويبقى السؤال ما إذا كانت سيادتها ستصمد أمام الطموحات الإسرائيلية ورغبة الغرب في إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط.